سهير عبدالحميد: الكتابة طقس يومي لا يتوقف في رمضان| حوار
*سهير عبد الحميد: أعشق الطهي على صوت الراديو
*سهير عبد الحميد: والقرآن الكريم مصدر سكينة الروح
تتبدل في شهر رمضان الإيقاعات وتصفو الأرواح، وتكتسب الكلمة طعمًا مختلفا، والوقت يصبح ثمينا بين طقوس الكتابة وروحانيات رمضان ولمة رمضان بين الأهل والأسرة، رائحة المطبخ وصوت الراديو العتيق، تتشكل عوالم خاصة لا يراها سوى صاحبها، وفي حوار لـ“إيجبتك”، تفتح لنا الكاتبة سهير عبد الحميد، قلبها من ذكريات الأبيض والأسود التي لا تزال تنبض في القلب، والإيمان الذي يمنح الشهر الكريم نكهته التي لا تشبه سواها.
نود أن نتعرف على طقوس الكتابة لديك والروحانيات خلال شهر رمضان؟
الكتابة بالنسبة لي طقس يومي طوال العام لأنني لا أعتبرها عملا روتينيا بل هى متعة ذاتية ترقى إلى كونها ترياقا وعلاجا روحيا بالنسبة لي وحين أجلس إلى الأوراق فإنني أنعزل عن العالم واندمج مع كلماتي وأفكاري، لكن الوقت المخصص للكتابة يختلف خلال شهر رمضان، ففي الغالب تكون من بعد صلاة التراويح وحتى موعد السحور حيث يصبح الذهن خاليا من شئون المنزل، والنفس أكثر صفاء بعد الانتهاء من أداء فروض الصلاة. وبالتالي تكون القدرة على الإنجاز أكبر، ولا أشعر بطعم رمضان إلا بصلاة العشاء والتراويح في المسجد ولا أتخلف عن ذلك إلا في حالات بسيطة وقت العزومات.
عند عودتك للمنزل في نهار رمضان.. كيف تخلعين الأديبة أو الشاعرة؟
أحب دوري كربة بيت مثلما أحب دوري ككاتبة وصحفية، خصوصا وأنني طباخة ماهرة وأعشق المطبخ وأحتفظ فيه براديو يؤنسني ويمتعني بالأغاني التراثية التي تربينا عليها، فالراديو كان جزءا لا يتجزأ من طفولتنا في كل الأوقات ومنها شهر رمضان حيث صوت التواشيح يملأ الروح سكنا وسكينة والأدعية والابتهالات خصوصا ابتهالات النقشبندي تبعث خشوعا في النفس والأغاني الرمضانية والبرامج الخفيفة تشع بهجة في كل أرجاء البيت وكانت مصر بأسرها تنتظر صوت مدفع الإفطار عبر أثير الراديو كما كنا نستعد للسحور على دقات طبلة المسحراتي "سيد مكاوي".
قطعا أطهو الأصناف التي يفضلها أبنائي بمنتهى الديمقراطية لأن سعادتي تكون حين تنال الأطباق استحسانهم خصوصا الأصناف الجديدة لأنني دائما أحب إضافة أطباق مختلفة إلى مائدتي. وهناك أطباق لا تصنع بشكل خاص لهذا الشهر الفضيل مثل القطايف، ومثل كل بيت مصري أصيل يكون المحشي بأنواع الطبق الأساسي في اليوم الأول.
تحدي المطبخ: بعيداً عن الأدب.. هل تملكين "تخصصاً" في المطبخ يجمع العائلة عليه؟
أنا "ديكتاتورة" في مطبخي تحديدا ولا أسمح لأحد بمساعدتي ولم أستعن يوما بأحد لمعاونتي في الطهي لأنني أستمتع بأن تكون المائدة من صنع يدي "حلو وحادق" ، ومن المؤكد أنني تأثرت في ذلك بوالدتي – متعها الله بالصحة والعافية- فهى ماهرة في صناعة كل أنواع المأكولات حتى المخللات وأنا مثلها أستمتع بالطهي وأرى أنه مهارة كبيرة وفن وهذا ما دفع عدد من الرجال إلى احترافه ، فالطهي ليست مهمة ثقيلة الظل بل على العكس تماما .
عندما يُرفع الأذان وأنت لا تزالين خلف مكتبك (أو في طريقك للمنزل).. ما هي أول فكرة تخطر في بالك؟ وما هو أول شيء تتناولينه؟
لم يحدث هذا إلا في أوقات شديدة الندرة لأني حريصة للغاية على تناول وجبة الإفطار في البيت.
ما الصورة "الأبيض وأسود" التي لا تغيب عن مخيلتك من رمضان طفولتك في بيت العائلة؟ وكيف تحاولين استعادتها لأبنائك وأحفادك اليوم؟
لا أنسى أبدًا الأيام السابقة على شهر رمضان ونحن نعد الزينة في البيت من أوراق الجلاد الملون وكنا نتفنن في تشكيله بالمقص ونتبارى في صنع أشكال مبتكرة ثم نلصقها على حبل الدبارة بخلطة من الماء و النشا ..ثم نعلق تلك الزينة في البلكونة، فكانت بلكونات المنازل لوحات فنية صنعها الصغار بتؤدة وحب ومهارة .
وحتى الآن مازلت حريصة على تعليق زينة رمضان في المنزل وإحضار الفانوس بشكله التقليدي المتعارف عليه ، فلم أحب يوما الأشكال الحديثة من الفوانيس، ولا أعلم ربما حبي كباحثة للتاريخ لكل ما هو قديم هو السبب أو ربما هى حالة "النوستالجي" التي تتمكلنا فتجعلنا نحن إلى ما فات .لكن المؤكد أنني انحاز نحو الأصالة في فولكلونا الشعبي تماما كالملس الصعيدي وأثواب التل والأواني الفخارية.
كما مازلت أتذكر الثلث الأخير من الشهر الذي كنا نقضيه في صناعة الكعك والبسكويت والغريبة، ورائحة المنازل تفوح منها رائحة الخبيز وصوت الصاجات وهى تذهب وتجىء من وإلى الأفران تعزف سيمفونية راقصة، وكنا نصنع كميات كبيرة تظل موجودة في البيت لما بعد العيد، وكانت متعتنا كبيرة ونحن نشكل أقراص الكعك وننقشها في تقليد مصري يعود إلى الجدود منذ آلاف السنين ، أو ونحن نغير أمواس ماكينة البسكويت لنصنع منها ما لذ وطاب .
وكم كنا نشعر بالزهو صبيحة العيد ونحن نضع صنيعة أيدينا في الأطباق ونرش أطباق الكعك بالسكر ونرص ألواح البسكويت إلى جانب المينين المعجون بالشمر والينسون ..للأسف حاولت اتباع هذه العادة لبعض الوقت لكن ضغط العمل منعني من الحفاظ على ذلك الطقس الذي حفظه المأثور الشعبي المصري في مثل شعبي جميل " أوله مرق ووسطه حلق وآخره خرق " في إشارة إلى حرص المصريين على صناعة أشهى المأكولات في الثلث الأول من الشهر "مرق" ثم صناعة الكعك "حلق" في الثلت الثاني ثم شراء ملابس العيد "خرق" في الثلث الأخير .
لكن بصفة عامة يظل رمضان "حاجة ثانية " ، فالمصريون كما وصفهم الرحالة من هيرودوت وحتى جمال حمدان "أهل طرب وسرور" حتى إن المؤرخ "بلوتارخ" كان يقول إنه من كثرة أعياد المصريين لم يكن يفرق بين العيد والآخر سوى أياما معدودات
بعيداً عن أوراقك الخاصة.. ما هي السورة القرآنية أو النص الأدبي الذي يمنحك قراءته في رمضان طاقة نفسية خاصة؟
لا يوجد مصدر للسكينة بالنسبة لي مثل القرآن الكريم ، خصوصا وأنا أحاول منذ فترة دراسة التجويد والحفظ ووصلت إلى سبعة أجزاء الحمد لله ، وشهر رمضان فرصة مثالية للحفظ والمراجعة.
ما الموقف البسيط الذي صادفك في نهار رمضان (في الشارع أو العمل) وعلمك درساً في الحياة لم تجديه في أمهات الكتب أو اللوائح الإدارية؟
لاشك أن مشهد الشباب المسيحيين الذين يوزعون التمر والعصائر على الصائمين المتواجدين في الشارع ولم يصلوا إلى بيوتهم بعد ، مشهد بليغ بالنسبة لي له دلالاته السياسية والاجتماعية ورسالة إنسانية تلقائية عن مدى تماسك هذا الشعب وخلوه من التعصب ولا أجد أبلغ للتعليق على هذا المشهد من عبارة العبقري جمال حمدان: " إن مصر وطن عصي على الفتنة"


