رئيس الجمهورية يعيد قانون الإجراءات الجنائية للبرلمان
للمرة رابعة في تاريخ مصر.. وثانية في عهد "السيسي" إعادة قانون لـ مجلس النواب
في خطوة تعكس حرصاً رئاسياً ودستورياً عميقاً، قرر الرئيس عبد الفتاح السيسي رد مشروع قانون الإجراءات الجنائية إلى مجلس النواب لإعادة النظر في عدد من مواده، وذلك بعد أن أقرّها المجلس في وقت سابق.
لم تكن هذه المرة الأولى التي يلجأ فيها رئيس مصري إلى استخدام هذا الحق الدستوري، بل هي المرة الرابعة في تاريخ الحياة النيابية المصرية، والمرة الثانية في عهد الرئيس السيسي.
هذا القرار الذي أثار تفاعلاً واسعاً على المستويين السياسي والحقوقي، يضع القانون مرة أخرى تحت المجهر لإجراء مراجعة شاملة تهدف لتحقيق التوازن بين ضرورات العدالة وضمانات حقوق المواطنين.
ممارسة دستورية.. رئيسان في التاريخ المصري يعيدان التشريعات
تاريخياً، لم يتكرر استخدام هذا الحق الدستوري كثيراً في مصر، ما يضفي على قرار الرئيس السيسي أهمية خاصة.
فقد سبق أن استخدمه الرئيس الراحل أنور السادات مرتين في سبعينيات القرن الماضي، حيث أعاد مشروع قانون الأحوال الشخصية عام 1974، ثم مشروع قانون تنظيم الجامعات عام 1975، في حين استخدمه الرئيس السيسي للمرة الأولى عام 2018 عندما اعترض على مشروع قانون تنظيم البحوث الطبية والإكلينيكية (المعروف إعلامياً بـ"التجارب السريرية").
وبإعادة مشروع قانون الإجراءات الجنائية، يسجل الرئيس السيسي سابقة أخرى في استخدام هذا الحق، ما يؤكد على نهج مؤسسي قائم على المراجعة الدقيقة للتشريعات.
وجاء اعتراض الرئيس السيسي مصحوباً بأسس محددة تتعلق بضرورة إعادة دراسة بعض المواد لتحقيق المزيد من الضمانات المقررة لـحرمة المسكن، وحقوق المتهم أمام جهات التحقيق والمحاكمة، وزيادة بدائل الحبس الاحتياطي للحد من اللجوء إليه.
كما أكد الرئيس على ضرورة إزالة أي غموض في الصياغة قد يؤدي إلى تعدد التفسيرات أو وقوع مشاكل عند التطبيق العملي، مع إتاحة الوقت المناسب للجهات المعنية لتنفيذ الآليات الجديدة.
مجلس النواب: ترحيب وقبول للاعتراض الرئاسي
تلقى مجلس النواب كتاب الرئيس السيسي بحفاوة بالغة، وأصدر بياناً رسمياً يفيض بالترحيب والتقدير.
وأكد المجلس أن كتاب الرئيس "يفيض بحسّ وطني عميق، وبصيرة دستورية نافذة، وحرص صادق على أن يظل البناء التشريعي في مصر قائمًا على أسس متينة من الوضوح والإحكام والتوازن".
واعتبر المجلس أن هذا التوجيه يمثل "أرقى صور ممارسة الصلاحيات الدستورية، ويعكس وعيًا استثنائيًا بقدسية العدالة الجنائية".
وأشار بيان البرلمان إلى أن رسالة الرئيس ليست مجرد ممارسة لحق دستوري، بل هي "تجسيد حيّ لنهج سياسي راسخ، يقوم على الانحياز المطلق لدولة القانون، والإيمان العميق بأن حماية الحقوق والحريات ليست منّة تُمنح، وإنما هي التزام دستوري أصيل".
وشدد المجلس على أن هذه الخطوة تعزز من قيمة الحوار بين المؤسسات، وتجسد شراكة رفيعة المستوى بين الرئاسة والسلطة التشريعية.
بموجب المادة (177) من اللائحة الداخلية لمجلس النواب، سيعقد البرلمان جلسة عاجلة فور استلام كتاب الرئيس.
وفي هذه الجلسة، سيتم إحالة الأمر إلى اللجنة العامة لدراسة الاعتراض وأسانيده الدستورية والقانونية.
وأمام المجلس خياران دستوريان: إما قبول الاعتراض وإعادة صياغة المواد، أو الإصرار على القانون بأغلبية ثلثي الأعضاء.
وقد أعلن المجلس في بيانه عن إدراج الاعتراض في أول جلسة عادية بدور الانعقاد السادس يوم الأربعاء الموافق الأول من أكتوبر 2025، مع دعوة رئيس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي للإدلاء ببيان في هذا الشأن، لضمان خروج قانون يواكب تطلعات المصريين.
أحزاب وقوى سياسية: القرار استجابة للمطالب وتأكيد على نهج "الجمهورية الجديدة"
لاقى قرار الرئيس السيسي ترحيباً واسعاً من مختلف القوى والأحزاب السياسية التي اعتبرته استجابة لمطالبها ومؤشراً إيجابياً على جدية الدولة في إصلاح منظومة العدالة.
الحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، الذي كان الحزب الوحيد الذي رفض مشروع القانون بصيغته السابقة بكامل هيئته البرلمانية، أكد في بيان رسمي أن القرار يمثل استجابة لما طالب به الحزب في وقت سابق.
وأشار الحزب إلى أن رفضه للقانون كان بسبب تضمنه "أوجه قصور كبرى" مثل التوسع في منح صلاحيات واسعة للموظفين، وتقييد حقوق الدفاع، وغياب ضمانات المحاكمات العادلة، وهي ملاحظات تعارضت مع الدستور والتزامات مصر الدولية.
وثمن الحزب قرار الرئيس، معرباً عن أمله في أن تُستغل هذه الفرصة لتعديل النصوص المثيرة للجدل.
من جانبه، وصف النائب أيمن محسب، عضو مجلس النواب، القرار بأنه "فرصة حقيقية لتدارك بعض المواد الخلافية وصياغتها بشكل أكثر دقة ووضوحاً"، مؤكداً أن الاعتراضات تتعلق بمواد مهمة مثل حرمة المسكن وضمانات المتهم وبدائل الحبس الاحتياطي.
كما رحب حزب "المصريين الأحرار" بقرار الرئيس، واعتبره "تجسيداً عملياً لفلسفة الجمهورية الجديدة القائمة على الحوار والمراجعة وإعلاء المصلحة العامة".
وأكد الحزب أنه كان من بين القوى التي أبدت تحفظات واضحة على عدد من النصوص المقترحة، مشدداً على أن العدالة الناجزة لا تتحقق إلا بضمان الحقوق والحريات.
حزب "الإصلاح والنهضة"، على لسان رئيسه الدكتور هشام عبد العزيز، أكد أن القرار يعبر عن "حرص القيادة السياسية على إصدار تشريعات دقيقة ومتوازنة"، وأن التوجيه بإعادة دراسة المواد يؤكد "جدية الدولة في الاستجابة للمطالب الحقوقية والمجتمعية".
وبالمثل، أكد المستشار رضا صقر، رئيس حزب الاتحاد، أن قرار الرئيس يعكس "استيعاباً للآراء كافة والحرص على احتواء كافة وجهات النظر"، معتبراً إياه "نموذجاً للتفاعل الإيجابي بين جهات الدولة والمجتمع الحقوقي".
أما النائب تيسير مطر، رئيس حزب إرادة جيل وأمين عام تحالف الأحزاب المصرية، فقد اعتبر أن القرار يعكس "رؤية ثاقبة تضع العدالة الناجزة وحقوق المواطنين نصب الأعين"، ويؤكد أن الدولة تسير بخطى ثابتة نحو إصلاح المنظومة التشريعية.
وشدد النائب كريم السادات، عضو لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، على أن تركيز الرئيس على إعادة النظر في المواد الجوهرية يبرهن على أن حماية حقوق الإنسان ليست شعارات بل سياسات تُترجم على أرض الواقع.
ورحب حزب "المحافظين" بقرار الرئيس، وطالب في بيانه بوضع نصوص صريحة لمنع ممارسات "تدوير القضايا" التي وصفها بـ"الانتهاك الصارخ لحقوق الإنسان"، كما طالب بضرورة وضع آليات واضحة للتعويض عن الحبس الاحتياطي.
أخيراً، أشاد أمين حزب "حماة الوطن" بالإسكندرية، محمد مجاهد، بالقرار واعتبره "ترسيخاً واضحاً لدولة الحريات".
هذه التفاعلات الإيجابية من مختلف الأطراف تعكس توافقاً واسعاً على أهمية المراجعة الشاملة للقانون، والاستفادة من الفرصة التي أتاحها القرار الرئاسي لإنتاج قانون جنائي عصري يتوافق مع الدستور ومعايير حقوق الإنسان الدولية.







