رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

لماذا يهرب السياسيون من أحزابهم؟

"التجوال الحزبي" في مصر.. هشاشة حزبية أم طموح شخصي؟

الأحزاب السياسية
الأحزاب السياسية المصرية

شهد الشارع السياسي المصري، منذ ثورة 25 يناير 2011، ظاهرة لافتة ومثيرة للجدل، هي "التجوال الحزبي". 

لم تعد عملية تغيير الانتماء السياسي مقتصرة على حالات فردية نادرة، بل تحولت إلى سلوك متكرر يمارسه سياسيون ونواب بين جنبات الأحزاب، تاركين خلفهم تساؤلات حول أسباب هذه التنقلات وآثارها على الحياة السياسية، ومدى صدق التزامهم تجاه الناخبين.

تَنقُّل الأعضاء بين الأحزاب ظاهرة سياسية تُعرف في أدبيات العلوم السياسية بـ "التجوال الحزبي" (Party Switching)  وهي ظاهرة شائعة في العديد من النظم السياسية حول العالم، خاصة في الديمقراطيات الناشئة أو التي تمر بمرحلة تحوّل.

لكن الأمر الغريب والمثير للدهشة هو انتقال الأعضاء من أحزاب تمثل أيدلوجية معين "يمين أو يسار" إلى أحزاب أخرى لا تتفق مع هويتهم الإيدلوجية الأساسية، الأمر الذي يعكس نوعًا من البرجماتية الشخصية التي لا تمثل طموحًا سياسيًا.

من أحزاب الماضي إلى أحزاب الثورة قبل ثورة يناير، كان المشهد الحزبي محصوراً بين أحزاب قليلة ومعروفة، مثل الحزب الوطني الديمقراطي المنحل، وأحزاب المعارضة التاريخية كحزب الوفد وحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي، والحزب العربي الناصري الاشتراكي، وحزب الجبهة الليبرالية.

 كانت الأيديولوجيات واضحة نسبياً: الليبرالية للوفد والجبهة، واليسار للتجمع، والناصريون يمثلون تياراً قومياً.

بعد 2025، انفتحت الساحة السياسية على مصراعيها، وتدفقت أعداد هائلة من الأحزاب الجديدة، تراوح عددها بين 80 إلى 100 حزب.

 لم يعد الانتماء السياسي محكوماً بالتصنيفات القديمة، بل ظهرت أحزاب جديدة ذات مرجعية دينية أو ليبرالية أو اجتماعية.

 أتاح هذا التغيير مساحة واسعة للسياسيين الذين شعروا بأن أحزابهم القديمة لم تعد تعبر عن طموحاتهم أو قناعاتهم، أو أن فرصهم فيها أصبحت محدودة.

الدوافع الخفية وراء التنقل

 ليس سراً أن "التجوال الحزبي" لا يقتصر على خلافات أيديولوجية فحسب، بل يتجاوزها إلى دوافع أكثر واقعية. 

وفقاً لمحللين سياسيين، تبرز عدة أسباب رئيسية لهذه الظاهرة:

  1. الطموح السياسي و"البرجماتية": كثير من السياسيين يسعون للانضمام إلى الأحزاب الأكثر قوة ونفوذاً، والتي تضمن لهم فرصاً أكبر للفوز في الانتخابات البرلمانية أو المحلية.
  2. ففي مرحلة معينة، كان حزب المصريين الأحرار قبل انشقاقه يستقطب سياسيين من أحزاب أخرى نظراً لقوته المالية وانتشاره. ثم انتقل هذا "الزخم" إلى أحزاب أخرى مثل حزب مستقبل وطن وحزب حماة الوطن، التي أثبتت وجودها على الساحة السياسية وأصبحت وجهة مفضلة للباحثين عن النجاح السياسي.
  3. الخلافات الداخلية وضعف الهياكل الحزبية: الأحزاب المصرية غالباً ما تعاني من ضعف ديمقراطي داخلي. الخلافات على المناصب القيادية، أو عدم وجود برامج سياسية واضحة، يدفع بعض الأعضاء إلى المغادرة، وقد شهد حزب الوفد والتجمع، على سبيل المثال، انشقاقات لأعضاء انضموا إلى أحزاب جديدة.
  4. ضعف الولاء الأيديولوجي: في ظل غياب البرامج الواضحة، يصبح الانتماء الحزبي مجرد وسيلة لتحقيق غايات شخصية، وليس التزاماً بمبادئ فكرية. وهذا يسهّل على السياسي تغيير انتمائه متى ما وجد فرصة أفضل.

الآثار على الساحة السياسية لا تقتصر آثار "التجوال الحزبي" على الأفراد وحدهم، بل تتجاوزهم لتؤثر على النظام السياسي ككل:

  • فقدان ثقة الناخبين: يشعر الناخبون بأن اختيارهم لمرشح معين كان بناءً على برنامجه وانتمائه الحزبي. عندما يغير المرشح حزبه، يشعر الناخبون بأن هذا بمثابة "خيانة" لثقتهم، مما يقلل من مشاركتهم في الانتخابات مستقبلاً.
  • هشاشة الأحزاب: تؤدي هذه الظاهرة إلى ضعف التماسك الداخلي للأحزاب، وتجعلها في حالة دائمة من عدم الاستقرار، ما يحول دون بناء مؤسسات حزبية قوية.
  • غياب الاستقرار الحكومي: في الأنظمة البرلمانية، يمكن أن يؤثر "التجوال الحزبي" على تشكيل الحكومات ويجعلها عرضة للتغيرات المفاجئة.

 

 هل ثمة حلول قانونية وسياسية؟ 

حل هذه الظاهرة يتطلب أكثر من مجرد إصلاحات قانونية، فقانون مباشرة الحقوق السياسية يقر بإسقاط عضوية البرلماني حال تغيير انتمائه الحزبي، إلا أن الحل الأعمق يكمن في:

  • تفعيل دور الأحزاب: عبر دعمها وتطوير لوائحها الداخلية لضمان ديمقراطية أكبر.
  • تعزيز الوعي الانتخابي: من خلال تثقيف الناخبين بضرورة اختيار المرشحين بناءً على برامجهم وقناعاتهم.
  • بناء برامج سياسية واضحة: تجعل الانتماء الحزبي مبنياً على قناعة فكرية وليس على مصالح شخصية.

في النهاية، "التجوال الحزبي" ليس مجرد سلوك فردي، بل هو مرآة تعكس حالة المشهد السياسي، سواء من حيث ضعف المؤسسات الحزبية أو طموح السياسيين الشخصي.

انتقالات بارزة 

حسام الخولي: كان قيادياً بارزاً في حزب الوفد، وترشح على رئاسة الحزب، ثم انتقل وأصبح الأمين العام لحزب مستقبل وطن، في خطوة مثلت تحولاً كبيراً في المشهد السياسي.

انتقال القيادات من حزب المصريين الأحرار

يُعتبر حزب المصريين الأحرار من أكثر الأحزاب التي شهدت عمليات انتقال لقياداتها، خاصة باتجاه حزب مستقبل وطن، الذي استقطب عدداً كبيراً من النواب والقيادات. 

مثل:

علاء عابد: كان نائباً بارزاً في حزب المصريين الأحرار، ثم انضم إلى حزب مستقبل وطن، وتولى منصب نائب رئيس الحزب.

عبد الهادي القصبي ومحمد منظور: من النواب الذين انتقلوا من حزب المصريين الأحرار وانضموا إلى حزب مستقبل وطن، مما ساهم في تعزيز قوة الحزب الأخير في البرلمان.

ظاهرة الانشقاق وتشكيل أحزاب جديدة

لم تقتصر الظاهرة على الانتقال بين الأحزاب الموجودة، بل شملت أيضاً انشقاق قيادات بارزة لتأسيس أحزاب جديدة، 

مثل:

سليمان وهدان وكيل مجلس النواب والقيادي بحزب الوفد، وطاهر أبو زيد وزير الرياضة الأسبق والقيادي بحزب الوفد، وسامح عاشور نقيب المحامين السابق، ورئيس حزب الناصري، ومحمد شردي القيادي الوفدي ورئيس مجلس إدارة صحيفة الوفد الأسبق، محمد أبوالعينين وكيل مجلس النواب السابق، والقيادي بحزب مستقبل وطن، انتقلوا مؤخرا لتأسيس حزب الجبهة الوطنية.

قيادات أحزاب الكرامة والتجمع والناصري، الذين انتقلوا من أحزابهم لتأسيس التيار الشعبي.

تبرز هذه الأمثلة أن الدوافع وراء "التجوال الحزبي" لا تقتصر فقط على الاختلاف الأيديولوجي، بل تمتد إلى الطموح الشخصي، ووجود فرص سياسية أفضل، أو الخلافات داخل الأحزاب، مما أثر بشكل كبير على استقرار الحياة الحزبية في مصر بعد 2011.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء