رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الوحدة في قلب العلاقات: لماذا نشعر بالفراغ رغم وجود الآخرين؟

صورة تعبيرية عن الشعور
صورة تعبيرية عن الشعور بالوحدة

في عالم يضج بالحركة والصخب، حيث تحيط بنا الحشود في كل مكان، يظل شعور الوحدة يتسلل إلى قلوب الكثيرين. فقد يبدو غريباً أن يشعر الإنسان بالعزلة وهو وسط الأصدقاء أو داخل علاقة زواج، لكن هذه هي المفارقة التي يعيشها ملايين حول العالم.

الوحدة قد تتجلى كمدينة صاخبة مزدحمة، تمتلئ بالضحكات والثرثرة، لكنك بداخلها غريب منعزل لا يراك أحد. وقد تكون زواجاً مليئاً بكلمات لم تُسمع واحتياجات لم تُلبَّ، أو صداقة فقدت معناها.

 

يشبه هذا الإحساس ما عاشه "روبرت والتون" في رواية فرانكشتاين لماري شيلي. كان محاطاً برفاق الرحلة في القطب الشمالي، لكنه يتوق فقط لوجود صديق واحد يفهمه، قائلاً: "أن أكون برفقة صديق يتعاطف معي، وتجاوب عيناه عن أسئلتي".

 

المدن الحديثة.. أرض خصبة للشعور بالعزلة

 

أثبتت دراسة أُجريت عام 2021 على 756 شخصاً أن مشاعر الوحدة تتضاعف في الأماكن المزدحمة والمكتظة بالسكان، وخاصة في المدن الحديثة. فقد أظهرت النتائج أن الضجيج والتكدس البشري قد يجعلاننا أكثر عزلة، لا أكثر ترابطاً.

ويطرح هذا تساؤلاً عميقاً: هل ساهمت حياتنا المدنية المليئة بالتكنولوجيا في زيادة شعورنا بالبعد عن بعضنا البعض؟

 

يصف الخبراء الوحدة بأنها "وباء عالمي"، حيث أظهرت دراسة لهيئة الإذاعة البريطانية عام 2018 شملت 55 ألف مشارك من حول العالم، أن 40% من الشباب بين 16 و24 عاماً يشعرون بالوحدة غالباً. بينما يعيش 10% من البالغين هذا الشعور بشكل دائم.

المفارقة أن التكنولوجيا جعلت تواصلنا أسهل من أي وقت مضى، إذ يمكننا محادثة من نحب عبر القارات، ومع ذلك تتزايد مشاعر العزلة يوماً بعد يوم.

ترى البروفيسورة فاي باوند ألبيرتي من جامعة كينجز كوليدج أن الوحدة ليست شعوراً واحداً، بل "مجموعة من المشاعر"، تتراوح بين الحزن والغيرة والغضب. وتشير إلى أن مفهوم "الوحدة" بمعناه الحالي لم يظهر إلا مع بدايات القرن التاسع عشر.

أما عالم النفس سام كار من جامعة باث فيوضح أن وجود الناس حولنا لا يعني بالضرورة التغلب على الوحدة. فقد يكون الأصدقاء أو الشركاء أنفسهم سبب الإحساس بأن لا أحد يرانا أو يفهمنا.

 

الزواج... علاج أم سبب للوحدة؟

 

تروي سيدة أمريكية رسالة بعثتها إلى الباحث كار، قائلة إنها عاشت 50 عاماً من الزواج، لكن زوجها كان السبب الأول في شعورها بالوحدة. مثال يكشف أن العلاقات التي يُفترض أن تكون مُرضية قد تصبح المصدر الأكبر للألم.

 

وتشرح الباحثة أوليفيا ريميس من جامعة كامبريدج أن الوحدة أشبه بجرس إنذار، يخبرنا أن هناك خللاً في بيئتنا الاجتماعية. فكما يدفعنا الجوع إلى البحث عن الطعام، تدفعنا الوحدة إلى البحث عن ارتباط أعمق يضمن بقاءنا.

 

من العصور القديمة إلى المدن الحديثة

 

في عصور ما قبل التاريخ، كانت العزلة خطراً يهدد حياة الأفراد، إذ جعلتهم أكثر عرضة للحيوانات المفترسة. ومع مرور القرون، تغيّرت نظرتنا للوحدة، فقبل القرن التاسع عشر كانت تُعتبر فرصة للتأمل والتقرب من الله أو الطبيعة. أما اليوم، فصارت مرتبطة بالنقص العاطفي والانفصال الاجتماعي.

 

كيف نتعامل مع الوحدة؟

تشدد ألبيرتي على أهمية التفرقة بين الوحدة العابرة والمزمنة. الأولى قد تكون عابرة وطبيعية، أما الثانية فتتطلب دعماً نفسياً ومهنياً. كما تنصح بضرورة التمييز بين العزلة المفروضة علينا، وتلك التي نختارها بإرادتنا.

وتقترح بعض الدراسات طرقاً بسيطة لتخفيف حدة العزلة، مثل بدء محادثة قصيرة مع شخص غريب، إذ أثبتت تجربة في شيكاغو عام 2014 أن الدردشة مع غرباء حسّنت مزاج المشاركين بشكل ملحوظ.

 

العلاقات ذات المعنى.. الحل الحقيقي

الخبراء يؤكدون أن التغلب على الوحدة لا يتحقق بكثرة العلاقات، بل ببناء روابط ذات مغزى. يمكن أن يكون ذلك عبر الصداقة الحقيقية، أو الأعمال التطوعية، أو حتى التواصل مع الحيوانات الأليفة والطبيعة.

وقد أظهرت دراسة أن الأشخاص الذين يقضون وقتاً في الطبيعة تقل احتمالية شعورهم بالوحدة بنسبة 28%.

هل الوحدة عدو أم صديق؟

على الرغم من وصفها بـ"الوباء"، فإن الوحدة ليست دائماً سلبية. فهي قد تكون فرصة لإعادة اكتشاف الذات والبحث عن روابط جديدة أكثر عمقاً. فالحياة، كما يقول كار، مليئة بالارتباطات العابرة، وما يميّز الإنسان هو قدرته على إعادة بناء ذاته بعد كل تجربة.

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء