إسرائيل والعودة إلى ما قبل أوسلو: مشروع ضم الضفة يستعيد زخمه
رغم معارضة واشنطن الحالية لأي تحركات إسرائيلية من شأنها إعلان ضم الضفة الغربية وفرض السيادة الإسرائيلية عليها من جديد، إلا أن قوى اليمين الإسرائيلي، مدعومة بإجراءات حكومية وعسكرية على الأرض، تسعى حاليًا إلى ضم الضفة الغربية (يهودا والسامرة) إلى الدولة الإسرائيلية. فسابقًا قدّمت قوى اليمين مشروع قانون بفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة وطرد السكان الفلسطينيين منها، كما غيّر جهاز الأمن الداخلي "الشاباك" مسمى الضفة الغربية في مخاطباته اليومية ليصبح "يهودا والسامرة"، وهو المسمى العبري للضفة الغربية.
تتحايل إسرائيل حاليًا على الرفض الأمريكي باتباع عدة سياسات متلاحقة، أبرزها تأكيد الوزراء المنتمين إلى الأحزاب اليمينية على أهمية ضم الضفة، وإجراء عمليات عسكرية واسعة النطاق في مدن الضفة الغربية من أجل تمشيطها واقتلاع العناصر المناوئة لإسرائيل تمهيدًا في المستقبل القريب لإعلان السيادة عليها.

مطالبات بإلغاء جهاز الأمن الفلسطيني
طالبت أوريت ستروك وزيرة البعثات الوطنية والمنتمية إلى حزب "البيت اليهودي" اليميني المتطرف بحل قوات الأمن الفلسطينية التابعة للسلطة الوطنية الفلسطينية وتفكيك أي قوات أمنية تابعة للسلطة، في محاولة للإصلاح الأمني والعودة بالوضع الأمني إلى مرحلة ما قبل أوسلو، حيث كانت السيطرة الأمنية الكاملة لإسرائيل على الضفة الغربية.
كما طالبت بتغيير موقف الحكومة الإسرائيلية إزاء السلطة الفلسطينية التي تتهمها بخوض حرب سياسية وقانونية منذ عقود ضد المصالح الإسرائيلية، إذ تنشئ السلطة نظامًا تعليميًا قائمًا على بث العداء تجاه إسرائيل وتتعاون مع الجماعات المسلحة. فالنظام التعليمي الفلسطيني ــ بحسب وصفها ــ لا يقوم على مبدأ حل الدولتين، بل يتم تدريس مقررات تحضّ على الكفاح المسلح، وهو ما اتضح ــ وفق رؤيتها ــ في التأييد الشعبي في الضفة الغربية لسلوك حركة حماس أثناء أحداث 7 أكتوبر 2023.

قوانين نورمبرغ
بالغت الوزيرة الإسرائيلية في وصف سياسات السلطة الوطنية بالنازية، ومطابقتها بالسياسات التي صدرت في عهد ألمانيا النازية بشأن العنصرية ضد اليهود. وتشير ستروك إلى القوانين الخاصة التي بموجبها تدفع السلطة الوطنية رواتب ومعونات عاجلة إلى أسر الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية، وهو ما يوصف في إسرائيل بسياسة "الدفع مقابل القتل"، لذا تعد السلطة ــ حسب قولها ــ مجرد عدو وليس شريك سلام يمكن الاعتماد عليه.
انتقاد المجتمع الدولي
وجهت ستروك انتقاداتها إلى المجتمع الدولي الداعم للقوات الأمنية الفلسطينية مثل الولايات المتحدة وإيطاليا واعتبار تلك القوات شريكًا للسلام والاستقرار، زاعمة أنه تم مؤخرًا كشف العديد من الخلايا الإرهابية ضمن صفوف الأمن الفلسطيني، وأن هذا الأمر لم يعد شاذًا بل أصبح حالة عامة.

وأضافت أن عناصر الأمن الفلسطيني يستغلون حرية تحركاتهم للوصول إلى مخازن الأسلحة والاقتراب من المناطق الإسرائيلية، فضلًا عن أن برامجهم التدريبية تركز على سيناريوهات قتال الجنود الإسرائيليين وليس سيناريوهات مكافحة الإرهاب.
ملاذات آمنة
وفي السياق ذاته، عبّرت ستروك عن غضبها تجاه منظومة الاحتجاز والسجون الفلسطينية التي تعتبرها ملاذًا آمنًا للعناصر الفلسطينية المقاومة لإسرائيل، إذ تدّعي دخول العناصر المقاومة إلى السجون للحصول على السلاح والتسلل لتنفيذ عمليات عنف ضد المستوطنين واللجوء إليها مرة أخرى كملاذ آمن وقانوني.

عمليات أمنية واسعة النطاق
واكبت تصريحات الوزيرة المتطرفة عملية عسكرية يشنها الجيش الإسرائيلي في مدن شمال الضفة الغربية وتحديدًا يوم 26 نوفمبر، إذ وطأت المدرعات العسكرية المدعومة بسلاح المروحيات مدينة طوباس الواقعة جنوب شرقي جنين، والتي تنشط فيها بعض فصائل المقاومة الفلسطينية. ومن المقدّر أن تستمر العملية العسكرية عدة أيام.
وخلال تلك العملية الجارية تم إجبار العديد من العائلات على إخلاء منازلهم وتحويلها إلى مواقع عسكرية متقدمة للجيش الإسرائيلي، كما تم اعتقال العديد من الفلسطينيين في بلدة طمون قرب طوباس. وإزاء تلك العملية أعلنت سرايا القدس التابعة لحركة الجهاد الإسلامي استعدادها لمواجهة العملية العسكرية في جنين.

ماذا تريد إسرائيل؟
لا يخفي المسؤولون الإسرائيليون نياتهم الحقيقية إزاء الضفة الغربية، إلا أن تلك النيات تصطدم بالرفض الدولي المؤقت، خاصة من الولايات المتحدة، لفرض السيادة الإسرائيلية. لذا تسعى تل أبيب ــ من خلال تصريحات وزرائها وتحركات الجيش الإسرائيلي ــ إلى بسط سيطرتها وسيادتها الكاملة على الضفة دون الإعلان الرسمي، وذلك من خلال:
تقويض السلطة الوطنية الفلسطينية:
تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى تقويض السلطة وإظهارها كقيادة فاشلة تحتاج إلى إصلاحات عاجلة، ومن ثم تمرير عناصر مرغوب فيها داخل قيادة السلطة للعمل على تنفيذ الخطط الإسرائيلية الرامية إلى فرض السيادة. ويتضح هذا الأمر مع تقدم مشاورات تشكيل اللجنة المنوط بها إدارة قطاع غزة واحتمالية مشاركة السلطة فيها من خلال تقديم عناصر الشرطة لإدارة القطاع، إذ تشترط تل أبيب وواشنطن إدخال إصلاحات هيكلية على السلطة لقبول مشاركتها في حكم غزة مستقبلًا.

ملاحقة فصائل المقاومة الفلسطينية:
تدرك إسرائيل أن فصائل مقاومة نبتت مرة أخرى في الضفة خلال السنوات الثلاث الماضية، وتسعى تلك الفصائل إلى وقف التمدد الاستيطاني. لذا ترغب تل أبيب في تعبيد الطريق أمام سياستها في فرض السيادة من خلال تضييق الخناق على الفصائل وملاحقة أعضائها، ومن أبرزها: "كتيبة جنين" التي تأسست عام 2021 بقيادة داوود الزبيدي، أحد أعضاء حركة فتح، إضافة إلى "كتيبة طولكرم"، التابعة لسرايا القدس" و"كتيبة بلاطة" ونابلس و"كتيبة عرين الأسود"، (2022)، كما تنشط "كتائب شهداء الأقصى" التابعة لفتح في جنين وطولكرم ونابلس.

تهجير السكان قسرًا:
تعد العملية العسكرية الجارية هي الثانية خلال العام الجاري، فالأولى كانت في نهاية ديسمبر 2024 وبداية يناير 2025 تحت مسمى "عملية السور الحديدي". وخلال العمليتين تم إجبار المواطنين الفلسطينيين على ترك منازلهم كنوع من التهجير القسري تحت ذريعة العمليات العسكرية. وإزاء تلك الضغوط قد يلجأ العديد من أبناء الضفة إلى ترك منازلهم تحت وطأة العمليات، مما يسهم في تشكيل موجة هجرة قسرية جديدة.
وختامًا:
بات من الجلي مضي الحكومة اليمينية المتطرفة في سياساتها الرامية إلى تهويد الضفة الغربية من خلال خلق مناخ عام في الداخل الإسرائيلي وخارجه بشيطنة السلطة الوطنية الفلسطينية وإظهارها كسلطة عاجزة عن حماية رعاياها من ناحية، واتهامها بإيواء العناصر المتطرفة من ناحية أخرى، حتى يتم إسقاط السلطة الفلسطينية وانهيارها ليعود الوضع مرة أخرى إلى ما كان عليه قبل توقيع اتفاقية أوسلو عام 1993.



