أذربيجان بين النفوذ الإيراني والإسرائيلي: حسابات دقيقة للسياسة الإقليمية
دول قليلة هي من قدمت الدعم العلني لإسرائيل خلال الحرب الماضية، إذ عانت تل أبيب طوال فترة الحرب من مقاطعة دولية على المستوى التجاري والدبلوماسي، مما شكل ضغطًا غير مسبوق على الإدارة الإسرائيلية وصل ذروته في منع طائرة رئيس الوزراء الإسرائيلي عبور بعض الأجواء الدولية.
تعد أذربيجان من الدول القليلة التي كانت عونًا ونصيرًا للجانب الإسرائيلي خلال الحرب الماضية، إذ لم تشهد تل أبيب تأييدًا واضحًا إلا من عدة دول، على رأسهم الولايات المتحدة، ومن الاتحاد الأوروبي المجر، ومن شرق آسيا كانت الهند، ومن آسيا الوسطى كانت أذربيجان التي لم توقف تدفقاتها النفطية إلى الموانئ الإسرائيلية.

باتت باكو على بعد خطوة تقريبًا من انضمامها إلى اتفاقيات إبراهام لتكون الدولة الثانية في منطقة آسيا الوسطى بعد كازاخستان، التي سبق أن انضمت خلال الشهر الحالي إلى اتفاقيات إبراهام. فعلى مدار عامين تقريبًا عززت باكو وتل أبيب حواراتهما الاستراتيجية والتجارية، إذ تسعى الأولى إلى تحقيق المزيد من التقارب مع الجانب الأمريكي والإسرائيلي لاعتبارات عديدة، أبرزها حالة العداء مع إيران وتثبيت اتفاق السلام بين أذربيجان وأرمينيا الذي تم توقيعه برعاية أمريكية في شهر أغسطس الماضي. وفيما يلي جانب من تطورات العلاقات بين البلدين:
تعزيز العلاقات الثنائية
خلال زيارة وزير الاقتصاد الأذري ميكائيل جباروف إلى تل أبيب في 23 نوفمبر الماضي التقى خلالها بالعديد من الوزراء في إسرائيل مثل وزير المالية ووزير الطاقة إيلي كوهين وأخيرًا وزير الخارجية جدعون ساعر، وتمت مناقشة استحواذ شركة الطاقة الوطنية الأذربيجانية "سوكار" على 10% من حقل غاز تمار بالبحر المتوسط، فيما تستورد إسرائيل حوالي 60% من احتياجاتها النفطية من أذربيجان وذلك عبر خط أنابيب باكو–جيهان.
وبالتوازي مع زيارة جباروف لتل أبيب، يقوم وفد أذري مكون من أعضاء البرلمان، مرافقًا الحاخام الأكبر لطائفة السفارديم في باكو زامير إيساييف، بزيارة الكونجرس الأمريكي. وخلال زيارة الوفد الأذري أكد إيساييف غياب معاداة السامية في أذربيجان ذات الأغلبية المسلمة.
تبدو التحركات الدبلوماسية الأذرية الأخيرة على أنها محاولة لاستثمار المناخ العام السائد في الشرق الأوسط، الرامي إلى خفض تصعيد التوترات بين دوله والدخول في أطر تعاونية مشتركة، على رأسها الاتفاقيات الإبراهيمية وتدشين خطوط التجارة الدولية لنقل البضائع والخبرات الدولية.

إذ تقف باكو اليوم على خط تجاري جديد تتشكل ملامحه الأولية من دول آسيا الوسطى، والتي تندرج جميعًا في إطار دول الكومنولث الروسي، ودول الشرق الأوسط المطلة على البحر المتوسط مثل تركيا وإسرائيل وسوريا؛ فأغلب الخطوط التجارية حاليًا تسعى إلى محاولة الربط بسوق الاتحاد الأوروبي.
لماذا إسرائيل؟
منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتي عام 1992 سعت أذربيجان ذات الأغلبية الشيعية المسلمة إلى تعزيز أطر علاقتها مع الجانب الإسرائيلي وذلك للعديد من الأسباب، أبرزها:
وجود جالية يهودية قوية في أذربيجان في منطقة قوبا شمالي البلاد، وتمتلك تلك الجالية تأثيرات قوية داخل المجتمع الأذري. وتعد منطقة قوبا منطقة يهودية بامتياز يُطبق عليها المبدأ اليهودي "يهودية الدولة"، حيث إن منطقة قوبا وتحديدًا منطقة كراسنيا سلوبودا مقتصرة فقط على السفارديم اليهود، فضلًا عن وجود جالية يهودية أذرية في إسرائيل تم تسهيل هجرتهم في مطلع التسعينيات بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
خلال حروبها مع أرمينيا في عامي 1992 و2020 اعتمدت أذربيجان خلال الحرب الأخيرة على استيراد السلاح من إسرائيل وتركيا، فكلا الدولتين هما من زودا باكو بالسلاح، وتعد المسيرات الإسرائيلية من طراز هاروب من عوامل الحسم في انتصار باكو خلال حربها الأخيرة.
توتر العلاقات مع إيران، فبالرغم من الأغلبية الشيعية في أذربيجان إلا أن المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام تنفي تلك الفرضية، موضحة أن المجتمع الأذري علماني بطبعه ولا يرتبط بمسألة الدين في توجهاته السياسية، وذلك خشية تصدير إيران لمبادئ "ثورتها الإسلامية" إلى الداخل الأذري. وإزاء حالة التوتر الإيراني–الأذربيجاني لجأت طهران إلى دعم أرمينيا خلال حروبها ضد باكو، خاصة في إقليم ناجورنو كارباخ.

أطر التعاون المشترك
سبق أن افتتحت باكو مكتبها التجاري في تل أبيب في عام 2021، إذ تنصب العلاقات التجارية بين البلدين على تجارة الأسلحة والنفط وتقنيات الزراعة الحديثة. ففي مجال الأسلحة بلغت واردات أذربيجان من الأسلحة الإسرائيلية حوالي 70% من وارداتها العسكرية.
وفي عام 2012 أبرم الطرفان صفقة عسكرية بمقدار 1.6 مليار دولار اشترت بموجبها باكو طائرات مسيرة من نوع Harop وأنظمة مضادة للطائرات، كما استفادت أذربيجان من الأقمار الاستخباراتية الإسرائيلية مثل القمر الصناعي "تيك ستار" في التنبؤ بالهجمات الأرمينية.

ورافق التعاون العسكري تعاون استخباراتي، إذ تستفيد إسرائيل من الموقع الجيوسياسي الأذري الواقع شمال إيران في مراقبة التحركات الإيرانية. وفي هذا الإطار طالت بعض الاتهامات أذربيجان بتسهيل عملية تشويش عسكري على طائرة الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي، مما أدى لتحطمها في شمال البلاد خلال افتتاحه سدًا مشتركًا بين الجانبين وذلك في مايو 2024، أي قبل اندلاع الحرب الإيرانية الإسرائيلية بشهر تقريبًا.
وفي مقابل الواردات العسكرية الأذرية تستورد إسرائيل حوالي 60% من وارداتها النفطية من أذربيجان، كما تسهم باكو في الاستثمار النفطي في الحقول النفطية في البحر المتوسط مثل حقل ليفياثان وحقل تمار، وذلك بواسطة شركة سوكار النفطية الأذرية.
ختامًا:
تتعاون البلدان في مجال الزراعة والري، خاصة مجالات الري الحديثة القائمة على الرش بالتنقيط في المناطق الجافة، وهو ما يعكس ويفسر عدم معاناة باكو من حالة الجفاف الشديد على غرار النظام الإيراني، الذي بات يدرس إمكانية إخلاء طهران من سكانها على خلفية أزمة الجفاف.
التوسط بين أنقرة وتل أبيب
وفي ظل حالة التصعيد المستمرة بين تركيا وإسرائيل لعب الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف دور الوسيط النشط بين الجانبين، خاصة بعد عامي 2008 و2010، أي بعد الأزمات السياسية التي رافقت حادث سفينة المساعدات التركية "مرمرة". وبعد سقوط نظام الأسد في سوريا في ديسمبر 2024 وتقدم تركيا على الساحة السورية استضافت باكو ثلاث جولات من المفاوضات بين تركيا وإسرائيل خلال عام 2025، وذلك لتجنب المواجهة بين الجانبين على الساحة السورية.
وختامًا.. رغم حالة الحرب بين إيران وإسرائيل، تحاول باكو النأي بنفسها عن تلك الحرب. فبعد انطلاق الحرب في يونيو الماضي تواصل وزير الخارجية الأذري جيهون بيراموف مع نظيره الإيراني عباس عراقجي، مؤكدًا أن أراضي أذربيجان أو مجالها الجوي لا يمكن استخدامها من قبل أي دولة ضد طرف ثالث.



