تحالف نتنياهو وإخوان إسرائيل: مناورة سياسية أم استراتيجية طويلة الأمد؟
يُعد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أكثر الشخصيات التي تولت إدارة إسرائيل منذ نشأتها وإلى اليوم، فمنذ عودته لرئاسة الوزراء في عام 2009 لم يترك المنصب إلا لشهور عديدة في عام 2022 ولم يلبث إلى أن عاد مرة أخرى إلى موقعه المفضل كرئيس للكابينت الإسرائيلي.
يتصف نتنياهو بحسن استغلال الظروف في أي وقت وكيفما شاء، إذ تعددت تحالفاته الانتخابية منذ عام 2009 وإلى اليوم، فالبداية كانت بالتحالف مع الأوساط اليمينية في طائفة اليهود الروس وتحديدًا حزب إسرائيل بيتنا بزعامة أفيجدور ليبرمان، وبذلك التحالف تمكن نتنياهو من العودة مجددًا إلى رئاسة الوزراء في عام 2009، ومع تزايد الصعود السياسي لليبرمان انقلب نتنياهو على صديق الأمس، وتحول حزب ليبرمان من حزب مشارك في الائتلاف الحاكم إلى حزب في صفوف المعارضة.

وخلال الفترة من عامي 2019 و2021 لمع نجم الأحزاب العربية في الكنيست الإسرائيلية، خاصة بعد حالة التفكك والتشرذم التي عانت منها تل أبيب خلال الفترة من 2019 وإلى 2022، والتي بسببها تم إجراء ثلاث انتخابات تشريعية بسبب الفشل في تشكيل الحكومة، وهو ما دفع نتنياهو إلى مغازلة الأحزاب العربية، فقام بزيارته الشهيرة إلى مدينة الناصرة العربية والداعمة للأحزاب العربية في فبراير 2021.
ولم يكتفِ نتنياهو بزيارة المدينة العربية، وتُعد تلك الخطوة هي الأولى من نوعها في التاريخ الإسرائيلي، إذ بدأت محاولاته لاستقطاب الأحزاب العربية إلى الائتلاف الحاكم، خاصة حزب "القائمة العربية المتحدة" المعروف اختصارًا باسم حزب راعام بقيادة منصور عباس.

التحول في العلاقات
لم يفقد نتنياهو منصب رئيس الوزراء سوى في عام 2022 حين تبادل الثنائي نفتالي بينت ويائير لابيد منصب رئاسة الحكومة بالتناوب خلال ذاك العام، ويعود الفضل الأساسي في صعود اليميني المتطرف نفتالي بينت إلى سدة الحكم إلى تحالفه مع القائمة العربية الموحدة "راعام" بقيادة منصور عباس، وتُعد تلك المرة الأولى التي يشترك فيها أحزاب عربية في الائتلاف الحاكم، إذ عُدّ منصور عباس في ذلك الوقت صانع الملوك في إسرائيل نظرًا لتحكمه في 16 عضوًا من أعضاء الكنيست، الأمر الذي مكنه في ذلك الوقت من تعزيز تحالفه مع اليمين الإسرائيلي وإقصاء نتنياهو من سدة الحكم.
يبدو أن نتنياهو لم يغفر لنفتالي بينت صعوده السياسي في عام 2022 وإقصاءه من منصب رئيس الوزراء، فخلال الفترة الماضية سعى نتنياهو إلى ترتيب الأجواء السياسية التمهيدية للانتخابات المقبلة، فعلى سبيل المثال تقدم الليكود بمشروع قانون إلى الكنيست يمنع رؤساء الأحزاب السياسية ذات المديونية من إعادة الترشح في الانتخابات، وذلك القانون فُصل شخصيًا لمنع رئيس الوزراء السابق نفتالي بينت من إعادة ترشحه في انتخابات الكنيست المقبلة نظرًا لكون حزبه السابق "يمينا" حل عليه ديون لم يتم تسديدها إلى الآن.
وعلى خطى منع بينت من الترشح في الانتخابات المقبلة، يسعى نتنياهو إلى تصفية وتضييق الخناق على باقي أعضاء الائتلاف الذي أقصاه في عام 2022، خاصة القائمة العربية الموحدة بقيادة منصور عباس، فنتنياهو يحاول الضغط على حزب "راعام" من خلال استغلال خلفيته وجذوره السياسية المنتمية إلى الحركة الإسلامية في إسرائيل، والتي تعود جذورها الأصلية إلى جماعة الإخوان.
فمع الخطوات الأمريكية الأخيرة لإدراج جماعة الإخوان ضمن المنظمات الإرهابية الأجنبية، رحب رئيس الوزراء الإسرائيلي بالخطوة الأمريكية مؤكدًا أن حكومته سبق أن حظرت جناح الجماعة في إسرائيل وستعمل لاحقًا على استكمال باقي الإجراءات.
لم يُسمّ نتنياهو ما هي الإجراءات التي من الممكن اتخاذها، إلا أن المراقبين يشيرون إلى قصده حزب "راعام" المنتمي إلى الحركة الإسلامية الجناح الجنوبي، وهو ما دفع منصور عباس إلى إطلاق تصريحات حول سبل فحص الموقف القانوني للحزب، وتعرض الحزب ورئيسه خلال الفترة الماضية لضغوط وتهديدات خلال حرب غزة الأخيرة.
تصدع الحركة الإسلامية في إسرائيل
لعل تصريحات نتنياهو تشير بوضوح إلى تصدع "الحركة الإسلامية" في إسرائيل إلى جناحين أحدهما شمالي وآخر جنوبي، فالجناح الشمالي بقيادة الشيخ رائد صلاح، سبق أن تم حظره في عهد نتنياهو في عام 2015 نظرًا لاقتراب الجناح الشمالي بأفكاره ومعتقداته من توجهات حركة حماس الفكرية، فضلًا عن الارتباط العاطفي والنفسي بين الجانبين، إذ يرى الجناح الشمالي نفسه على أنه فلسطيني ويرفض الانتماء إلى إسرائيل.

في عام 1996 ساهمت التوافقات الفلسطينية الإسرائيلية بعد أوسلو 1993 في تحقيق تصدع وانشقاق في الحركة الإسلامية في إسرائيل، إذ انقسمت إلى تيارين أحدهما شمالي بقيادة الشيخ رائد صلاح، يرفض الاندماج في المجتمع الإسرائيلي والمشاركة في الانتخابات، وتيار جنوبي برجماتي يرى أنها فرصة للانخراط في الحياة السياسية في إسرائيل بقيادة الشيخ عبدالله درويش والشيخ حماد أبو دعابس والشيخ إبراهيم صرصور.
بالانشقاق التاريخي عام 1996 نشأ حزب القائمة العربية الموحدة "راعام" بقيادة منصور عباس ليعبر عن الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية في إسرائيل، والذي تصفه العديد من المؤسسات الإعلامية والسياسية الإسرائيلية بأنه جناح معتدل برجماتي يسعى إلى الانخراط في الحياة السياسية الإسرائيلية.
برجماتية الحركة الجنوبية
تسعى الحركة الإسلامية "الجناح الجنوبي" للعب دور العربي الصالح الذي يخدم دولة إسرائيل، رافضة في ذلك الوقت المواقف المتشددة للجناح الشمالي المعادي لدولة إسرائيل، ورافضة أيضًا لعب دور المعارض للحكومات الإسرائيلية، فمؤخرًا تحاول الحركة الجنوبية وحزبها "راعام" المشاركة في الائتلافات الحاكمة في الداخل الإسرائيلي ودعم الحكومات الإسرائيلية بدلًا من معارضتها، حيث إن المكون العربي في إسرائيل يمثل 20% من إجمالي حجم السكان، ويتضح ذلك في النقاط التالية:
1) استضافة حزب "راعام" والحركة لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، خلال زيارته لمدينة الناصرة في عام 2021، وتعهد نتنياهو وقتها بتعيين نائل الزعبي، أحد أعضاء الحركة عضوًا في الائتلاف القادم كوزير لتطوير المجتمع العربي.
2) الحصول على وعود مباشرة من نتنياهو بتسيير رحلات مباشرة للمسلمين في إسرائيل إلى مدينة مكة المكرمة والسعودية.

3) قيام النائب عن الحركة الجنوبية منصور عباس، بالتحالف مع الليكود لإبطال التصويت على تشكيل لجنة للتحقيق في فساد نتنياهو في صفقة غواصات ألمانية.
4) انسحاب "راعام" من القائمة العربية المشتركة وإضعافها، خاصة دور زعيمها أيمن عودة، الذي يتنافس على زعامة المجتمع العربي مع حماد أبو دعابس، رئيس الجناح الجنوبي على قيادة المجتمع العربي.
5) الانسحاب من القائمة العربية المشتركة جاء بسبب مواقفها المعادية للحكومة الإسرائيلية وأحزاب اليمين الإسرائيلي، في حين يرى الجناح الجنوبي للحركة الإسلامية ضرورة التواصل مع أحزاب اليمين.
6) في حوار سابق لمنصور عباس مع معهد واشنطن لدراسة سياسات الشرق الأدنى في 22 فبراير 2022 أوضح توجهات الحركة من بعض الملفات، أبرزها رفضه التام لوصف الدولة الإسرائيلية بالتمييز العنصري، موضحًا أن إسرائيل تضم العديد من الفئات اليهودية وغير اليهودية.
7) في ذات الحوار أكد عباس يهودية الدولة وأن المجتمع العربي مجرد أقلية تعيش في كنف المجتمع اليهودي، وهو ما يفسر تركيزه على قضايا المجتمع العربي داخل إسرائيل من الفقر والتهميش وانتشار الجريمة، وعدم تطرقه للقضية الفلسطينية.
8) خلال الحوار مع المؤسسة الأمريكية أبدى ندمه لعدم دعم اتفاقيات "إبراهام" بين إسرائيل والإمارات والبحرين، موضحًا أن القرار كان قرارًا مشتركًا مع حلفائه السابقين في القائمة العربية المشتركة.
وختامًا:
تبدو تصريحات نتنياهو الخاصة بحظر الإخوان في إسرائيل، على أنها مناورة سياسية يهدف فيها إلى الضغط على حزب "راعام" من أجل ضمان عدم مشاركة الحزب العربي، في أية تحالفات سياسية قد تضر بالمستقبل السياسي لنتنياهو كما حدث في عام 2022، وكان الفضل في إزاحته من الحكم في ذلك الوقت. ويتضح ذلك في غموض تصريحات نتنياهو، فهو بالفعل حظر الجناح الشمالي في عام 2015 وتعاون مع الجناح الجنوبي في عام 2021، فهل تشير تصريحات نتنياهو إلى مواصلة الضغط على الجناح الشمالي واتخاذ إجراءات أكثر قسوة تجاه أعضائه من خلال تقديمهم للمحاكمات، أم استخدام تلك الورقة لمناورة الجناح الجنوبي؟



