رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

على حافة الصدام.. هل تندلع الحرب الإسرائيلية–الإيرانية الثانية؟

المرشد الإيراني ونتنياهو
المرشد الإيراني ونتنياهو

ما زالت تتردد في الدوائر السياسية والإعلامية في إسرائيل وغيرها احتمالات اندلاع حرب جديدة بين إسرائيل وإيران خلال الفترة المقبلة، على خلفية مواصلة طهران استراتيجيتها الرامية إلى تخصيب اليورانيوم ورفضها السماح لمفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بزيارة المنشآت النووية، وإعادة بناء قدراتها الباليستية التي تضررت بشكل كبير خلال حرب الإثني عشر يومًا التي اندلعت في يونيو 2025.

نتنياهو 
نتنياهو 

تواتر الأنباء والتحليلات عن إمكانية توجيه ضربة إسرائيلية لإيران مبنية في الأساس على تصريحات المسؤولين الإسرائيليين الرافضين لمسألة عودة طهران لبناء قدراتها النووية. قبل الانجرار وراء تلك الفرضيات الداعية إلى احتمالات اندلاع حرب أخرى بين الطرفين، يجب الإجابة على تساؤلين هامين: أولهما، هل تستطيع تل أبيب حاليًا، سواء من الناحية العسكرية أو الاقتصادية، شن حرب جديدة خلال الفترة المقبلة؟ وما هو المدى الزمني المحدد الذي ستندلع فيه الحرب المقبلة؟ أما السؤال الثاني، فهو متعلق بمدى قدرة طهران الفعلية في استعادة بناء قدراتها النووية، خاصة في ظل معاناتها الاقتصادية والعسكرية الأخيرة.

احتمالات شن إسرائيل حربًا جديدة

تتصاعد لهجة التهديدات الإسرائيلية حول إمكانية شن حرب جديدة ضد خصومها في طهران وبيروت وغزة. عادةً ما تتجه التحليلات إلى إمكانية شن حرب جديدة، إلا أن الواقع السياسي الداخلي في إسرائيل ينبئ بغير ذلك. خلال الفترة المقبلة، وتحديدًا حتى منتصف عام 2026، لن تستطيع تل أبيب شن حرب موسعة النطاق على خصومها في لبنان وغزة وإيران، وذلك للأسباب التالية:

المرشد الإيراني وقيادات الحرس الثوري
المرشد الإيراني وقيادات الحرس الثوري

أزمة التجنيد في الجيش الإسرائيلي:

يعاني الجيش الإسرائيلي، حسبما تصرح القيادات الإسرائيلية، من حالة عجز في الأفراد، إذ بلغ العجز حوالي 12 ألف جندي في مختلف الخدمات العسكرية، فضلًا عن امتناع الكنيست وحزب الليكود عن تمرير قانون تجنيد الحريديم، الأمر الذي يحرم الجيش الإسرائيلي من تجنيد عشرات الآلاف من المواطنين الإسرائيليين المنتسبين للطائفة الحريدية. كما يزداد السخط الشعبي من طول فترات استدعاء قوات الاحتياط، إذ من المتوقع ألا تتجاوز مدة استدعاء الاحتياط خلال العام المقبل 70 يومًا فقط.

التكلفة الاقتصادية المرتفعة للحرب:

لا توجد أية أرقام حقيقية واضحة حول كلفة الحرب الماضية، إذ تشير العديد من المصادر الإعلامية إلى تحمل الولايات المتحدة حوالي 30 مليار دولار كمساعدات عسكرية عاجلة للجيش الإسرائيلي، في حين بلغت إجمالي كلفة الحرب الماضية حوالي 70 مليار دولار. في الوقت نفسه، تعاني تل أبيب من حصار تجاري فرضته معظم دول الاتحاد الأوروبي والعديد من دول العالم التي أوقفت التعامل التجاري المباشر مع النظام الإسرائيلي، مما جعلها تلجأ إلى دول وسيطة مثل الهند وتايلاند في الحصول على السلع والخدمات التجارية وأيضًا تصدير منتجاتها خلال السنتين الماضيتين، وهو ما رفع تكلفة التجارة الخارجية الإسرائيلية.

أزمة النظام السياسي والانتخابات المقبلة:

يعاني النظام السياسي الإسرائيلي من معضلتين قد تتسببان في منعه من شن حرب واسعة النطاق خلال الأشهر المقبلة، وهما استمرار الأزمة القضائية في الداخل الإسرائيلي وسط تصعيد من المحكمة العليا، وعدم الالتفات إلى محاولات العفو عن نتنياهو في قضايا الفساد المنسوبة إليه من ناحية، واستعداد النظام لخوض غمار الانتخابات الجديدة والتي من المؤكد إجراؤها في عام 2026. الميعاد الطبيعي للانتخابات هو سبتمبر العام المقبل، إلا أن الأزمات المتلاحقة قد تدفع إلى تبكير الانتخابات لتتم في ربيع العام المقبل على أقصى تقدير.

قيادات جيش الاحتلال الإسرائيلي
قيادات جيش الاحتلال الإسرائيلي

رفض النظام الدولي والإقليمي وعدم استعداده لأية حرب جديدة:

يتجه النظام الدولي حاليًا إلى خفض التصعيد في المناطق شديدة التوتر. على سبيل المثال، قوبلت خطط الرئيس ترامب لإيقاف الحرب في غزة وأوكرانيا بترحاب شديد من قبل معظم الدول. هذا فضلًا عن الملاحقات القضائية الدولية للنظام السياسي الإسرائيلي، خاصة من قبل المحكمة الجنائية الدولية ومحكمة العدل الدولية. لذا فإن قرار أية حرب مقبلة سيتم الأخذ في الحسبان موقف المجتمع الدولي تجاه إسرائيل.

اكتساب إيران مناعة مضادة للضربات الإسرائيلية:

تمكنت إسرائيل خلال الحرب الماضية من تدمير جزء كبير من المشروع النووي الإيراني، معتمدة في ذلك على تفوق استخباراتي على أعلى مستوى، وفي المقابل، وجود حالة تخبط وعشوائية في اتخاذ القرارات لدى خصوم إيران. لكن في أية مواجهة مرتقبة، لن تمر الأمور كما مرت في السابق، فخصوم إسرائيل ذوو الحركة المرنة، كإيران وحزب الله، من المحتمل بقوة تداركهم لأخطاء الحرب الماضية. فالصدمة والمفاجأة التي حققتها إسرائيل قد لا تستطيع تكرارها في الحرب المقبلة، وهو ما تدركه أيضًا القيادة العسكرية الإسرائيلية.

قيادات الحرس الثوري الإيراني
قيادات الحرس الثوري الإيراني

استعادة إيران لقدراتها التسليحية والنووية

يمر النظام الإيراني حاليًا بمرحلة شديدة الخطورة، خاصة بعدما تداعت الظروف المناخية بآثارها السلبية على الاقتصاد الإيراني، خاصة في ظل موجة الجفاف الشديد التي قد تؤدي إلى إغلاق العاصمة طهران وتهجير سكانها، واحتمالية تغير النظام الاقتصادي الإيراني على خلفية أزمة العطش. أفادت تقارير دولية عديدة أن سياسات النظام الإيراني عبر السنوات الماضية ساهمت في تفاقم أزمة الجفاف.

أدت العقوبات الدولية المفروضة على إيران إلى اتخاذها قرارات اقتصادية وزراعية تهدف إلى تحقيق الاكتفاء الذاتي من المحاصيل الزراعية. دفع هذا النظام، منذ عهد الرئيس أحمدي نجاد، إلى تبني سياسات زراعية توسعية قائمة على استصلاح الأراضي الزراعية بالاعتماد على المياه الجوفية وزراعة كافة المحاصيل، ومن ضمنها المحاصيل ذات الاستهلاك العالي من المياه مثل الأرز، مما أدى في النهاية إلى شح المياه بطريقة شديدة.

البرنامج النووي الإيراني - أرشيفية
البرنامج النووي الإيراني - أرشيفية

أما فيما يخص البرنامج النووي الإيراني، فحاليًا تمارس منظمة الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضغوطًا دولية لأجل فتح طهران مواقعها النووية أمام مفتشي الوكالة، مدفوعة بدعم دولي من الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا. تحاول الوكالة حاليًا معرفة مصير 440 كيلوغرامًا من مخزون اليورانيوم، خاصة بعد الضربات الإسرائيلية الأمريكية على المواقع النووية في أصفهان وفوردو ونطنز.

الرئيس الإيراني -  مسعود بزشكيان
الرئيس الإيراني -  مسعود بزشكيان

تشير الأحداث السياسية الإيرانية إلى محاولة طهران تجنب فتح جبهة حرب جديدة، لكن في المقابل يوفر الرفض الإيراني لاستقبال مفتشي الوكالة الدولية أرضًا خصبة لاحتمالية اندلاع حرب جديدة. يبدو أن الموقف الإيراني يرنو إلى محاولة تعطيل آلية "سناب باك" التي تم تفعيلها في سبتمبر الماضي، إذ تعمل تلك الآلية على استعادة العقوبات المفروضة على النظام الإيراني في حال وجود شكوى من احتمالية قيام إيران بمخالفة بنود الاتفاق النووي في عام 2015.

ختامًا:

يحاول النظام الإيراني، في ظروفه الحالية خاصة بعد أزمة الجفاف،  تجنب الدخول في حرب مع إسرائيل على خلفية أزمة برنامجه النووي. فطهران، خلال الحرب الماضية، خسرت المزيد من قواها الفاعلة، على سبيل المثال خسرت وكلاءها في المنطقة مثل حزب الله وحركة حماس. لذا، فإن أي حرب مرتقبة لن يلعب حزب الله دور "مخلب القط" الإيراني كما كان متوقعًا في السابق، ويمكن تفسير محاولة طهران منع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية من زيارة مواقعها النووية على أنها محاولة لتحسين الموقف التفاوضي وإلغاء آلية سناب باك واستعادة التفاوض مع الترويكا الأوروبية وأمريكا على أرضية متساوية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء