رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

يوسي كوهين والتهجير المؤقت: الدور المصري في إفشال المخطط الإسرائيلي

يوسي كوهين ونتنياهو
يوسي كوهين ونتنياهو

"بالأحابيل تصنع لك حربًا"، هكذا عنون يوسي كوهين، مدير جهاز المخابرات الإسرائيلي "الموساد"، كتابه الجديد الذي تناول تقريبًا معظم القضايا التي واجهته خلال فترة رئاسته للموساد الممتدة من عام 2016 وحتى يونيو 2021، كما شمل الكتاب رؤيته لمرحلة ما بعد تركه الجهاز واندلاع حرب طوفان الأقصى في 7 أكتوبر 2023 ومحاولاته ليكون لاعبًا رئيسًا في الأحداث.

تناول الكتاب العديد من القضايا الهامة مثل مسألة تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة إبان الحرب الماضية، ومسألة فشل الدعاية الإسرائيلية خلال الحرب، ودور الموساد في تعقب عمليات "داعش" داخل الأراضي الأوروبية، خاصة بلجيكا، فضلًا عن إمداد رئيس الاستخبارات التركية في عهده "هاكان فيدان" بالعديد من المعلومات الاستخباراتية حول قيام عمليات إرهابية في بلاده رغم توتر العلاقات الدبلوماسية بين الجانبين، وأخيرًا يمدح كوهين نفسه باعتباره بطلاً خارقًا في مجال الاستخبارات مستعرضًا عملياته في السودان ولبنان ورؤيته حول سبل العمل المخابراتي.

غلاف كتاب يوسي كوهين
غلاف كتاب يوسي كوهين

رفض التهجير

أوضح يوسي كوهين في كتابه أنه كان صاحب خطة ما يُسمى "التهجير المؤقت" لسكان غزة إلى سيناء المصرية خلال الحرب الماضية تحت دعوى تقليل الخسائر المدنية، مدعيًا أن خطته كانت مؤقتة فقط لحين الانتهاء من حركة حماس ومقاتليها، وعليه تم إجراء العديد من الاتصالات السياسية والدبلوماسية المتنوعة مع العديد من دول العالم والدول العربية، ويوضح أن خطته لاقت قبولًا واسعًا إلا أن موقف الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نجح في إجهاض الخطة الإسرائيلية تمامًا بعدم الموافقة على طرح كوهين.

وأشار كوهين إلى أن ثمة تخوفات برزت في العديد من العواصم العربية من أن يتحول "التهجير المؤقت" إلى تهجير دائم، وأنه سعى إلى تقديم المزيد من التطمينات لمصر والدول العربية، إلا أن جهوده باءت بالفشل الذريع.

حلم التمدد والسيطرة على الأراضي

يتفق مشروع التهجير الخاص بيوسي كوهين، مع توجهات اليمين الإسرائيلي والحركات الاستيطانية خارج الخط الأخضر، الذين يسعون دون كلل أو ملل في تحقيق حلم تهجير الفلسطينيين سواء من قطاع غزة أو الضفة الغربية. ففي الأشهر الماضية برزت العديد من التصريحات المنسوبة لقوى اليمين المتطرف تطالب بإخلاء الضفة الغربية وقطاع غزة لأجل بناء المستوطنات، كما تقدّم اليمين في الكنيست بمشروع قانون يطالب بفرض السيادة الإسرائيلية على الضفة الغربية وحث الفلسطينيين على مغادرة أراضيهم أو تحويلهم لرعايا أجانب في الدولة الإسرائيلية.

تهجير الفلسطينين - أرشيفية
تهجير الفلسطينين - أرشيفية

وفي ظل المحاولات الإسرائيلية للسيطرة على الأراضي الفلسطينية، أعلن جهاز الأمن الداخلي الشاباك عن تغيير مسمى الضفة الغربية في مراسلاته اليومية إلى المسمى اليهودي "يهودا والسامرة". وفي غزة، جرى تثبيت الخط الأصفر الذي يبتلع 53% من مساحة غزة واعتباره خطًا حدوديًا ما بين حماس وإسرائيل، وتهجير السكان خلف الخط الأصفر وتكديسهم في شريط ضيق جنوب غزة.

الأزمة الأوكرانية

مؤخرًا طرحت واشنطن خطتها الرامية إلى إنهاء الحرب بين روسيا وأوكرانيا، وما يهمنا في الخطة الأمريكية ذات الـ28 بندًا هو البنود المتعلقة بتنازل أوكرانيا عن الأقاليم الشرقية مثل دونباس لصالح روسيا والاعتراف أيضًا بالسيادة الروسية على جزيرة القرم.

التنازل الأوكراني عن الأقاليم الشرقية وجزيرة القرم من شأنه إعلاء الأصوات المتطرفة في الداخل الإسرائيلي بتسريع وتيرة ضم الضفة الغربية وقطاع غزة على غرار التجربة الروسية في أوكرانيا، والتي نجحت فيها موسكو في فرض رؤاها بواسطة القوة العسكرية. إذ تعد التجربة الروسية رائدة في هذا الاتجاه، ومن شأنها استنساخ التجربة في أقاليم أخرى حول العالم مثل الضفة الغربية وغزة.

يوسي كوهين رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد السابق
يوسي كوهين رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي الموساد السابق

دراسات سابقة

لم تنفك الدوائر السياسية والبحثية الإسرائيلية عن استخلاص تجارب الدول الأخرى في ضم الأراضي الجديدة. ففي دراسة سابقة أعدها كل من شمعون أراد وأودي ديكل، الباحثان بمركز دراسات الأمن القومي الإسرائيلي والمقرب من جهاز الاستخبارات الحربية "أمان"، وحملت عنوان "حالات ضم إقليمي حول العالم - ما الذي ينبغي لإسرائيل أن تعرفه"، قدمت الدراسة بمثابة خطة واضحة الأركان حول كيفية الاستيلاء على الضفة الغربية وغزة، وما هي المعوقات التي ستقابل هذا الإجراء ومدى فرص نجاحه، وتلخص الدراسة نتائجها في النقاط التالية:

ضرورة أن يتمتع الطرف الذي يسعى إلى ضم أراض جديدة بتفوق عسكري واقتصادي واضح، حيث من المحتمل أن تواجه عمليات الضم مقاومة وحالات عنف شديدة. فالتفوق العسكري يجهض محاولات المقاومة مثلما فعلت الصين حين ضمت التبت، أما التفوق الاقتصادي فسيكون عاملًا محفزًا للسكان المحليين في تسهيل عملية الضم، أملاً في تحسين مستوياتهم الاقتصادية مثل ضم إندونيسيا لإقليم غينيا الجديدة الغربية وضم الهند لإقليمي غوا وسيكيم.

الرئيس عبد الفتاح السيسي
الرئيس عبد الفتاح السيسي

توجد حالات أخرى لعمليات ضم معقدة للغاية إذ لم يعد من الممكن استعادة الوضع ما قبل عملية الضم أو المضي قدمًا في عملية الضم مثل حالة الصحراء المغربية وقبرص الشمالية وإقليمي أوسيتيا وأبخازيا في جورجيا ومسألة انضمامهم لروسيا، إذ إنه بعد مرور الزمن تفاقمت الأزمة مع ارتفاع وتيرة المقاومة السياسية أو العسكرية من ناحية، وتحقيق الدولة الضامة لمزيد من النجاحات على الأرض من ناحية أخرى، إلا أنها في ذات الوقت فشلت في تحقيق الانتصار الشامل الكامل.

التدخل الدولي سواء العسكري أو السياسي نجح في إيقاف ثلاث حالات للضم عبر مر التاريخ، مثل التدخل السياسي في مطلع الستينيات لإيقاف محاولات رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم في ضم الكويت، وفي مطلع التسعينيات أدى التدخل العسكري الدولي إلى إفشال الرغبات العراقية في السيطرة على الكويت، وكذلك نجح التدخل الدولي في بداية الثمانينيات في إيقاف تطلعات الأرجنتين في ضم جزر الفوكلاند. وقد يتخذ الضغط السياسي على إسرائيل أشكالًا مختلفة أبرزها فرض عقوبات على إسرائيل وحظر استيراد المنتجات منها.

ساهم الضغط الدولي بجانب عامل المقاومة المسلحة في إيقاف عمليات الضم مثل الحالة الإثيوبية والإريترية وفشل محاولات إندونيسيا لضم إقليم تيمور الشرقية وفشل جنوب أفريقيا في ضم ناميبيا عام 1992.

نتنياهو
نتنياهو

في حالة ضم الضفة الغربية، من المحتمل أن تتصاعد أعمال المقاومة المسلحة، وهو الأمر الذي يتطلب تخصيص موارد مالية كبيرة لإدارة المواجهات الأمنية والعسكرية. ومن المحتمل أن تؤدي عملية الضم إلى انهيار السلطة الوطنية الفلسطينية، مما يضع مسؤولية 2.7 مليون فلسطيني فوق عاتق الحكومة الإسرائيلية.

في حالة ضم الضفة، ستبرز معضلة السكان الفلسطينيين، ففي حال إعطائهم الجنسية الإسرائيلية ستتغير هوية الدولة الإسرائيلية (يهودية الدولة)، وفي حال امتناع إسرائيل عن إعطائهم الجنسية الإسرائيلية سيتم إعادة تعريف إسرائيل كدولة فصل عنصري على غرار جنوب أفريقيا قبل عام 1990.

ختامًا:

يمكن القول إن قراءة كتاب يوسي كوهين والتحليلات المرتبطة بخطط التهجير وضم الأراضي تكشف عن رؤية استراتيجية إسرائيلية تسعى من خلالها للتمدد والسيطرة على الضفة الغربية وقطاع غزة، مستفيدة من التجارب العالمية السابقة في ضم الأراضي، مع الأخذ بعين الاعتبار التفوق العسكري والاقتصادي كشرط أساسي، وإدراك أهمية الضغوط الدولية والمقاومة المحلية في صياغة السياسات. كما يظهر أن التهجير المؤقت الذي اقترحه كوهين اصطدم بالرفض المصري والعربي، ما يعكس محدودية قدرة إسرائيل على تنفيذ سياساتها بشكل أحادي دون اعتبارات دبلوماسية إقليمية. وفي الوقت نفسه، يوضح التحليل أن أي محاولة مستقبلية لضم الأراضي ستواجه تحديات كبيرة، تشمل المقاومة المسلحة، الأبعاد القانونية والدولية، ومخاطر تغيير هوية الدولة الإسرائيلية، ما يجعل الملف الفلسطيني محور صراع مستمر يحتاج إلى موازنة دقيقة بين الطموحات الإسرائيلية والاعتبارات الدولية والحقوقية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء