معارك حصد الرؤوس: سياسة الاغتيالات الإسرائيلية لقيادات حزب الله وحماس
منذ التوقيع على اتفاق الهدنة في لبنان في نوفمبر 2024 لم تتوانَ تل أبيب في اغتيال القيادات الوسطى والكبرى داخل حزب الله ، فمن خلال غارات مستمرة تم استهداف ما يقارب 350 شخصًا من كوادر الحزب، وكان آخرهم رئيس أركان الحزب أبو علي طبطبائي في غارة جوية على الضاحية الجنوبية لبيروت.
وطالت عمليات الاغتيال العاملين في مجالات التعبئة أو التسليح أو التدريب وحتى تجار وسماسرة الأسلحة المرتبطين بالحزب. وكذلك الحال بالنسبة لحركة حماس، فبعد مرور أقل من شهرين على توقيع اتفاق وقف إطلاق النار وتصديق مجلس الأمن عليه خلال الأيام الماضية، إلا أن إسرائيل مستمرة في سياساتها في اغتيال قادة الحركة الميدانيين.
سياسة قديمة
عادة ما تلجأ الحكومات والدول إلى استخدام تكتيك تصفية زعماء الجماعات المتمردة والمناوئة لها في محاولة منها لتحقيق انتصار لحظي وإحداث خلخلة هيكلية بتلك الجماعات، فضلاً عن تحقيق العديد من المكاسب السياسية التي تواكب عمليات التصفية، هذا بالإضافة إلى انخفاض التكاليف المادية لتلك العمليات بالمقارنة مع سياسة شن الحروب والعمليات العسكرية طويلة الأجل.

وسابقًا عانت الفصائل الفلسطينية كثيرًا من سياسة حصد الرؤوس الإسرائيلية. ففي إبريل 1973 شهدت بيروت عملية نوعية إسرائيلية قادها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك لتصفية قادة منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت، وأسفرت العملية عن مقتل كمال عدوان وكمال ناصر وأبو يوسف النجار. وفي نهاية السبعينيات تم اغتيال القيادي الأمني في حركة فتح علي حسن سلامة. وفي عام 1972 أطلقت رئيسة الوزراء السابقة جولدا مائير عملية "غضب الرب" لاستهداف قادة منظمة أيلول الأسود المتورطين في عملية احتجاز الرهائن الإسرائيليين في ميونيخ عام 1972، وأسفرت عن مقتل كل من وائل زعيتر ومحمود الهمشري ومحمد بودية وأخيراً الدكتور باسل الكبيسي.
ولم تنجُ القيادات التاريخية لحركة فتح من سياسة الاغتيالات مثل خليل الوزير أبو جهاد وصلاح خلف أبو إياد وغيرهم من القيادات الأخرى. أما حركة حماس فكان لها النصيب الأكبر من عملية حصد الرؤوس في التسعينيات، بدءاً من صلاح شحادة المؤسس ومرورًا بعماد عقل ويحيى عياش والشيخ أحمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي وانتهاءً بإسماعيل هنية ويحيى السنوار ومحمد الضيف، وصالح العاروري وغيرهم.

أما على جانب حزب الله، فمنذ نشأته تميّز بالتحوط الأمني الشديد الذي أكسبه مناعة عالية ضد عمليات الاغتيال الكبرى، وتعد عملية اغتيال عماد مغنية في دمشق عام 2008 هي الأكبر على الإطلاق. إلا أن سياسة التحوط الأمني ذهبت أدراج الرياح في الحرب الأخيرة، إذ نجحت إسرائيل في استهداف الصف الأول من القيادات التاريخية للحزب مثل الأمين العام حسن نصر الله ورئيس الأركان فؤاد شكر وغيرهم من القيادات، وكل ذلك خلال شهور قليلة في عام 2024.
ساهمت الاغتيالات الكبرى التي وقعت خلال الحرب الماضية في اهتزاز كلٍّ من حزب الله وحركة حماس، إذ فقد الطرفان توازنهما العسكري وتراجع الطرفان للوراء، مما ساهم في قبولهما قرارات واتفاقات وقف إطلاق النار بما تحمله من شروط قاسية، لعل أبرزها موافقة الطرفين في البداية على نزع سلاحهما وتفكيك خلاياهما القتالية.
اغتيالات ما بعد وقف إطلاق النار
لم تثنِ اتفاقات وقف إطلاق النار سواء في لبنان أو في غزة من استمرار سياسة الاغتيال الإسرائيلية لكوادر حزب الله أو حركة حماس، إذ تشير التقديرات إلى استهداف ما يقارب 350 شخصاً من القيادات الوسطى والصغرى لحزب الله منذ نهاية العام الماضي وإلى اليوم.

تميزت الاغتيالات التي مُني بها حزب الله بأنها استهدفت عناصر في الصفوف الوسطى للحزب والتي تشكل ديناميكية الحزب، إذ تعد تلك العناصر هي الرئة الخاصة لتحركات الحزب، فتحركاتهم عادة ما تكون أيسر لابتعادهم عن دوائر الرصد والشبهات. ومن أبرز تلك العناصر:
اغتيال علي حسين موسوي، تاجر الأسلحة المسؤول عن توريد السلاح لحزب الله وتهريبه عبر الأراضي اللبنانية والسورية.
1) اغتيال عبد محمود السيد، مسؤول الحشد والتعبئة الجماهيرية في منطقة البياضة بجنوب لبنان.
2) اغتيال زين العابدين حسين فتوني، قائد وحدة الصواريخ الموجهة للدبابات في قوة الرضوان.
3) اغتيال حسين علي طعمة، مسؤول الإسناد اللوجستي بالحزب.
4) اغتيال رئيس أركان الحزب والمعيّن حديثاً هيثم علي طبطبائي في غارة جوية استهدفت منزله في الضاحية الجنوبية ببيروت يوم 23 نوفمبر 2025.
وعلى الجانب الآخر لم تنفك القيادة الإسرائيلية في توجيه عمليات الاغتيال إلى قادة حركة حماس، والتي كان آخرها اليوم اغتيال القيادي علاء الحديدي رئيس قسم الإمداد والتموين والدعم اللوجستي في الحركة، كما تم استهداف القيادي جواد صيداوي أحد قادة الحركة في مخيم عين الحلوة بلبنان والذي يُشتبه في قيامه بتدريب عناصر للحركة في المخيمات الفلسطينية في لبنان.

دوافع عمليات الاغتيال
تتعدد دوافع عمليات الاغتيال الإسرائيلية الدائرة حالياً في كلٍّ من لبنان وغزة، ومن أبرز تلك الدوافع:
أ- الصيد الثمين:
عادة ما تُسمّى العمليات الكبرى كالتي تعرض لها اليوم أبو علي طبطبائي بـ"الصيد الثمين"، إذ دائمًا ما يصاحبها نشوة سياسية ومضاعفة للثقة الشعبية في الحكومة الإسرائيلية التي أقدمت على تلك العملية. وهو حالياً ما يفسر تلكؤ حزب الله في الإعلان عن تفاصيل عملية الاستهداف، إذ أشارت قناة المنار التابعة للحزب إلى عدم صحة الأخبار المتداولة الخاصة بطبطبائي، إلا أنها لم تؤكد نجاته من عملية الاغتيال في محاولة من الحزب لإفساد فرحة نتنياهو وعدم استغلال الأمر لرفع شعبيته السياسية، فعملية الاغتيال الأخيرة تم الإعلان عنها مباشرة من مكتب رئيس الوزراء وليس من خلال الناطق باسم الجيش الإسرائيلي.
ب- الخوف القادم:
استمرار العمليات الاغتيالية في لبنان التي طالت قيادات من حزب الله وحماس يشير بوضوح إلى أن بيروت هي "الخوف القادم" لإسرائيل، فكلا من حماس وحزب الله يستغلان حالة الفراغ الأمني في لبنان وسوريا في استمرار تهريب السلاح وتكديسه في مناطق الجنوب اللبناني استعداداً لنقل المواجهات مع إسرائيل من غزة إلى جنوب لبنان.
ويتضاعف هذا الشعور مع التحركات التي تجري على الأرض، فالحزب في طريقه لاستعادة قواه وتسليح أفراده مرة أخرى ورفع كفاءتهم التدريبية، وحركة حماس هي الأخرى تحاول الاستفادة من مناخ المخيمات الفلسطينية في استنساخ تواجد لها في جنوب لبنان يكون عوضاً لها في حال خروجها من قطاع غزة.
ت- عدم قدرة إسرائيل على الدخول في حرب شاملة:
لم تعد الظروف السياسية الإقليمية والدولية حاليًا مهيأة للدخول في حرب شاملة كالتي جرت عقب 7 أكتوبر 2023، فالنظام السياسي الإسرائيلي بات على وشك إجراء الانتخابات في منتصف العام القادم، فضلاً عن وجود أزمة عجز في الجيش الإسرائيلي بواقع 12 ألف مجند، وهو الأمر الذي يدفع القادة الإسرائيليين إلى القيام بغارات جوية مكثفة ومركزة على أهداف وتمركزات حماس وحزب الله.
ث- خلخلة التنظيمين:
تهدف عمليات الاغتيال المستمرة إلى خلخلة حزب الله وحركة حماس وتفريغ كلا التنظيمين من كوادرهما الوسيطة، مما يؤدي إلى خلخلة تنظيمية ستؤدي لاحقاً إلى إضعاف شديد للتنظيمين وقد تعرّضهما للتفكك.

دلالات العمليات
تحمل عمليات الاغتيال الأخيرة العديد من الدلالات الأمنية والسياسية، أبرزها استمرار عملية التفوق الاستخباراتي الإسرائيلي، إذ لم يقتصر التفوق الاستخباراتي على عملية "البيجر" واستهداف الأمين العام للحزب حسن نصر الله وقيادات حركة حماس من إسماعيل هنية ويحيى السنوار ومحمد الضيف، بل امتد أيضاً إلى قادة الخلايا الصغيرة والمسؤولين الصغار سواء في الحزب أو الحركة، وهو ما قد يكون أكثر نجاعة من استهداف القادة الكبار. فعادة ما تلعب القيادات الوسطى والصغرى معظم الأدوار وتنفيذ التكتيكات العسكرية، وباستهدافهم تفقد الحركة والحزب حلقة الوصل الهامة بين القادة الكبار وبين معظم القطاعات على الأرض.
وفي المقابل، تدل العمليات الأخيرة على فشل استخباراتي مستمر لحركة حماس وحزب الله، فكلا التنظيمين فشلا فشلاً ذريعاً في حماية قادتهم الكبار والأدنى مرتبة. فمن المفترض أن مسؤولي الإمدادات اللوجستية – على سبيل المثال – يكونون بعيدين عن الأنظار وتتميز حركتهم بالخفة والسرية في آن واحد، وهو ما لم يحدث، فخلال الأيام الماضية تم استهداف مسؤولي الإمداد والتموين والدعم اللوجستي في كلا التنظيمين.
ويمكن تشبيه عمليات الاغتيال الأخيرة بمحاولة إلقاء المريض في بيئة ملوثة، الأمر الذي يفاقم من علته ويبعده عن التشافي السريع، فتلك العمليات بمثابة استنزاف مستمر لن ينقطع، وهو ما قد يقوض الحركة والحزب في المستقبل القريب.
ختامًا:
تحاول تل أبيب من خلال عمليات الاغتيال المستمرة على الأراضي اللبنانية تصدير الحرج للحكومة اللبنانية وتذكيرها بقراراتها السابقة الرامية لنزع سلاح حزب الله والمخيمات الفلسطينية. فكل عملية اغتيال تقوم بها إسرائيل يصاحبها خسائر مدنية عالية التكلفة، وهو ما يضع الحكومة في ورطة قد تدفعها إلى التدخل العنيف لنزع السلاح.



