منتدى غاز شرق المتوسط: فرصة للتعاون أم ساحة جديدة للنفوذ؟
ساهمت المسوح الجيولوجية في عام 2010 وما قبلها في دفع دول شرق المتوسط إلى تسريع خطوات ترسيم حدودها البحرية، سعيًا للاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المناطق الغنية باحتياطيات الغاز الطبيعي في تلك المنطقة. وعليه، سارعت كل من مصر وقبرص إلى ترسيم الحدود بينهما، في حين فرضت إسرائيل سياسة الأمر الواقع وبدأت الاستحواذ على مناطق الغاز متعدية بذلك على الحقوق اللبنانية والسورية وكذلك الفلسطينية.
وفي المقابل، نجد أن دولة مثل تركيا تتحرك خارج الإطار القانوني، متبنية إطارًا خاصًا بها يتعدّى على الحقوق الإقليمية والاقتصادية لبعض دول شرق المتوسط مثل قبرص وسوريا، إذ إنها لا تعترف بالحقوق القبرصية في مناطق الغاز. ولعل أزمة تركيب منصة الدفاع الجوي الإسرائيلية "آرو" في قبرص مؤخراً ستعيد الجدل حول النزاع على المناطق الاقتصادية بين تركيا وقبرص مرة أخرى.

وقبل شرح الموقف القانوني لكل دولة على حدة، ينبغي إدراك بعض الحقائق التي تساعد على فهم التشابكات السياسية والقانونية بين دول المنطقة، وهي كالتالي:
1) كل من إسرائيل وتركيا هما الدولتان غير الموقعتين على اتفاقية قانون الأمم المتحدة للبحار، في حين أن بقية الدول (مصر، قبرص، بريطانيا، اليونان، لبنان، سوريا، فلسطين) موقعة على الاتفاقية.
2) قبرص قامت بترسيم حدودها البحرية مع دولتين فقط هما مصر وإسرائيل.
3) الخلافات التاريخية بين اليونان وتركيا لعبت دورًا أساسيًا في امتناع أنقرة عن التوقيع على اتفاقية قانون البحار لعام 1982.

خط الأساس كاشفًا عمق الخلافات التركية – اليونانية
دخلت الخلافات التاريخية بين تركيا واليونان على خط أزمات شرق المتوسط. فالاتفاقية الشهيرة "لوزان" الموقعة عام 1923 بين تركيا من جهة، وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا واليونان واليابان ورومانيا والدولة السلوفينية والكروات والصرب من جهة أخرى، أسهمت في تعقيد أزمة شرق المتوسط الحالية وفي رفض تركيا التوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة للبحار.
تعود جذور القصة إلى القرن الخامس عشر بعد نجاح العثمانيين في فتح القسطنطينية عام 1453 ومن ثم السيطرة على اليونان. وبعد عقود قليلة أصبح شرق المتوسط عثمانياً بامتياز، ففي عامي 1516 و1517 نجح السلطان العثماني سليم الأول في الاستيلاء على الشام ومصر، وفي عام 1571 تم الاستيلاء على قبرص.
ومع بداية القرن التاسع عشر بدأت علامات الضعف تظهر على الدولة العثمانية، ما أدى لظهور مصطلح "رجل أوروبا المريض". وفي عام 1820 اندلعت الثورة اليونانية للمطالبة بالاستقلال ونجحت في تحقيقه. واستمرت العلاقات بين الجانبين (المملكة اليونانية والدولة العثمانية) طوال قرن من الزمن (1820–1923) في حالة من الصراع. ففي عام 1897 اندلعت الحرب اليونانية–العثمانية حول جزيرة كريت وانتهت بانتصار العثمانيين، مع وضع الجزيرة تحت نظام الحكم الذاتي.

وفي يوليو 1914 اندلعت الحرب العالمية الأولى، واختارت الدولة العثمانية التحالف مع ألمانيا والنمسا–المجر، لكن الهزيمة كانت مصير ذلك التحالف. وبعد الحرب تم تفكيك الإمبراطوريات المهزومة، فدخلت اليونان في صراع جديد مع الدولة العثمانية عام 1919 انتهى بتوقيع اتفاقية لوزان 1923 التي نصت مادتها (12) على سيادة اليونان على جزر شرق المتوسط، كما تم التنازل عن بعض الجزر لإيطاليا (المادة 15).
وبالعودة إلى خريطة شرق المتوسط، نجد أن اتفاقية لوزان حرمت تركيا من معظم جزر شرق المتوسط وأسندت تبعيتها لليونان، ما يعني سيادة يونانية واسعة على البحر الإقليمي والمنطقة الاقتصادية في البحر المتوسط وبحر إيجة، وتقليص مساحة السيادة التركية.
وبناء على الوضع الحدودي المعقد بين تركيا واليونان، رفضت تركيا التوقيع على اتفاقية الأمم المتحدة للبحار، لأن المادة الخامسة من الاتفاقية تنص على أن خط الأساس لقياس عرض البحر الإقليمي يتم تحديده عند أدنى الجزر على الساحل، وهو ما منح اليونان أفضلية كبيرة في توسيع مياهها الإقليمية ومناطقها الاقتصادية في بحر إيجة والمتوسط. إذ حددت خطها الأساسي من أدنى جزر في جزيرة رودس، وهو ما يحرم تركيا من فرض سيادتها البحرية على بحر إيجة، لذلك تطالب أنقرة بتعيين خط الأساس من حدود الدولة البرية وليس من أدنى الجزر.

زحزحة خط الأساس اليوناني
تسعى اليونان وقبرص حاليًا لترسيم الحدود البحرية بينهما، وهو ما يعني تحريك خط الأساس من الساحل الشرقي لجزيرة رودس إلى الساحل الشرقي لجزيرة "كاستلوريزو" القريبة جدًا من الساحل التركي (تبعد حوالي ميل واحد)، ما يحمل دلالات سياسية وقانونية مهمة، أبرزها حرمان تركيا من مساحة واسعة من مياهها الاقتصادية، إضافة إلى توسيع المياه الاقتصادية لليونان واقترابها من الاحتياطيات غير المكتشفة للغاز في المنطقة.
تفيد بعض المصادر بأن نقل خط الأساس باتجاه كاستلوريزو سيحرم تركيا من نحو 165,611 كم² من المياه الاقتصادية. وترى مصادر أخرى أن التأثيرات السلبية لن تقتصر على تركيا بل ستمتد أيضًا لتقليل مساحة المياه الاقتصادية المصرية؛ إذ تبلغ المسافة بين مصر وتركيا نحو 274 ميلًا بحريًا، بينما تبلغ المسافة بين قبرص واليونان (عند خط أساس رودس) نحو 297 ميلًا بحريًا، ما يعني من الناحية القانونية أحقية مصر وتركيا في ترسيم حدودهما لقرب المسافة بينهما مقارنة بقبرص واليونان.

إلا أن زحزحة خط الأساس اليوناني سيقلل المسافة بين قبرص واليونان إلى 160 ميلًا بحريًا، وبالتالي يصبح من حقهما تقسيم الحدود بينهما على حساب المياه الاقتصادية المصرية والتركية، حيث ستمتد المنطقة الاقتصادية اليونانية إلى المسافة بين مصر وقبرص، وهي مساحة تعادل ضعف مساحة دلتا النيل تقريبًا.
ختامًا:
لمعالجة معضلة ترسيم الحدود الإقليمية في شرق المتوسط، يبدو أننا أمام سيناريوهين لا ثالث لهما:
الأول: سياسة فرض الأمر الواقع واعتبار القوة معيارًا رئيسًا في الترسيم، وهو ما يفسر سباق دول المنطقة –وخاصة مصر وإسرائيل وتركيا– نحو تعزيز قدراتها البحرية. فبينما تسعى مصر للحفاظ على حقوقها ومنع أي تعدٍّ عليها، يستخدم كل من تركيا وإسرائيل التهديد بالقوة لفرض سيطرة غير قانونية على حقوق دول أخرى مثل سوريا ولبنان وفلسطين، فضلًا عن قبرص.

الثاني: تأسيس إطار تعاون مشترك عبر "منتدى غاز شرق المتوسط"، وقد بدأت هذه الخطوة بالفعل مع إنشاء منتدى غاز شرق المتوسط عام 2019. وقد تسعى مصر إلى استثمار حالة التهدئة مع تركيا لإقناعها بالانضمام، بما يتيح تبادل المنافع، مثل استغلال الموانئ التركية كمحطات لتسييل الغاز قبل تصديره إلى أوروبا، وبذلك يتحقق مكسب جماعي لدول المنطقة.



