المعسكرات البديلة: هل يصبح مخيم عين الحلوة قاعدة التدريب الجديدة لحماس؟
تتسارع الأحداث في لبنان خلال الفترة الماضية بشكل يُنبئ عن عودة بيروت إلى صدارة الاهتمام السياسي العالمي والإقليمي خلال الفترة المقبلة، فالأراضي اللبنانية حاليًا مثل رقعة الشطرنج التي تتسابق عليها القوى والفاعلون الإقليميون والدوليون. فإسرائيل تنصَبّ اهتمامها الأساسي على وأد أية محاولة لحزب الله لإعادة بناء قواها السياسية والعسكرية مرة أخرى، وفي المقابل تسعى إيران جاهدة إلى إعادة نفوذها مرة أخرى في تلك الدولة الساحلية.
وما بين إيران وحزب الله وإسرائيل برز مؤخرًا الوجود الفلسطيني المسلح في لبنان وتداعياته المستقبلية، خاصة في ظل تواتر الأنباء عن استغلال حركة حماس مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنوب لبنان كمراكز إعداد وتدريب لعناصرها مؤخرًا، وتصاعد احتمالات انتقال الميدان العملياتي للحركة من غزة إلى جنوب لبنان.

عملية استباقية إسرائيلية
لم يعد وجود حركة حماس في جنوب لبنان أمرًا يخضع لنظرية الاحتمالات؛ فمؤخرًا أعلن الجيش الإسرائيلي عن قصفه الدقيق لموقع تدريب للحركة في مخيم "عين الحلوة" الواقع بالقرب من مدينة صيدا اللبنانية، وذلك يوم الثلاثاء الموافق 18 نوفمبر 2025، وتم الإعلان عن استهداف القيادي في الحركة "جواد صيداوي" المسئول عن المعسكر التدريبي.
وفي المقابل نفت الحركة وجود معسكر تدريبي لها في مخيم "عين الحلوة"، مشيرة إلى أن ما تم استهدافه عبارة عن ملعب كرة قدم داخلي مُغطى أدى إلى استشهاد ما يقارب ثلاثة عشر فردًا على الأقل.
معضلة الحسم في لبنان
تبرز حاليًا أصوات في الداخل الإسرائيلي تشير إلى خطأ القيادة العسكرية والسياسية الإسرائيلية في عدم إتمام الحسم الكامل للأمور في الأزمة اللبنانية. ففي مقال للكاتب عاموس هرئيل في صحيفة "هآرتس" أشار إلى أن الحسم الكامل الذي تم في قطاع غزة لم يقابله نفس درجة الجدية في الحسم على الجبهة الشمالية في لبنان، فالنجاحات العسكرية في الجبهة اللبنانية لم تُقابل بتسويات سياسية ملزمة على غرار قرار وقف إطلاق النار في قطاع غزة.

يُشير هرئيل إلى أن سوء تقدير الموقف الخاص بـ"حزب الله" تسبب في فشله عسكريًا وتصفية معظم قادته وعلى رأسهم الأمين العام للحزب حسن نصر الله، وهو الأمر الذي أعطى انطباعات زائفة بقدرة الحكومة والجيش اللبناني على مواجهة الحزب ونزع سلاحه على الأقل في منطقة جنوب نهر الليطاني. إلا أن الحزب، بدهاء شديد، سارع إلى إعادة بناء قواته وتسليح أفراده وتكثيف وجوده السري، وفي المقابل تسعى تل أبيب إلى إجهاض محاولاته لبناء قواته عبر ضربات متتالية لعناصره، والتي أدت إلى اغتيال ما يقارب 350 من عناصر الحزب في مناطق مختلفة.
ويمكن القول بأن الانطباع الزائف الذي تولد في نوفمبر 2024 بإمكانية نزع سلاح "حزب الله" طال أيضًا احتمالية نزع سلاح "حركة حماس" سواء داخل غزة أو خارجها. فعلى سبيل المثال برز مؤخرًا نشاط ملحوظ لحركة حماس في مخيم عين الحلوة اللبناني، الأمر الذي قد يشير إلى إمكانية نقل الحركة جزءًا من نشاطها العسكري إلى داخل المخيمات الفلسطينية في لبنان، خاصة مخيم عين الحلوة الذي تنتشر فيه العديد من الجماعات المسلحة، بعضها مرتبط بتنظيم القاعدة مثل جند الشام وفتح الإسلام وغيرها من الجماعات، وبعض التنظيمات الأخرى اليسارية المتطرفة التي تمثل بقايا تيار اليسار الفلسطيني القديم والذي انتشر في سبعينيات القرن الماضي.

ومن ناحية أخرى يُقلل هرئيل من جدوى تشكيل قوة فرض الاستقرار الدولية المزمع انتشارها في قطاع غزة، إذ يرى أن القوات العربية والإسلامية ستتحاشى مواجهة حركة حماس حتى لا تتحمل العبء السياسي لتلك الخطوة، ومن ثم استمرار حركة حماس في الاحتفاظ بقوتها.
معضلات الداخل الإسرائيلي
يرى هرئيل أن ثمة متغيرات في الداخل الإسرائيلي قد تكسب حزب الله وحماس فرصة استعادة قوتهما العسكرية خلال الفترة المقبلة، وأهمها أنه بنهاية العام الجاري واستقبال العام الجديد ستكون الحكومة مشغولة بالانتخابات الجديدة وتربيطات الائتلافات السياسية، إذ من المحتمل أن يتم إجراء الانتخابات في ربيع العام المقبل.

وبالتالي ستكون الحكومة الحالية مقيدة في التصرف عسكريًا بشكل واسع على غرار الحرب الماضية في لبنان وغزة، هذا فضلًا عن أزمة التجنيد في إسرائيل ومحاولة تمرير رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لقانون إعفاء "الحريديم"، والذي يثير حفيظة القوى السياسية الإسرائيلية. هذا بالإضافة إلى وجود عجز في صفوف الخدمة الإلزامية بواقع 12 ألف جندي، وعدم قدرة الجيش خلال العام المقبل على استدعاء الاحتياطي لأكثر من 70 يومًا.
مناورات حماس
ما بين معضلة الحسم اللبناني ومعضلة الجيش والحكومة الإسرائيلية حاليًا، تبرز مناورات حركة حماس لأجل استعادة بناء قواها من جديد تحت أطر وتنظيمات مختلفة. فعلى سبيل المثال برزت للواجهة مؤخرًا احتمالية الفصل بين العمل العسكري للحركة والنشاط السياسي.
المناورة السياسية (انقسام حماس)
تشير تقارير إعلامية إلى ثمة خلافات كبرى داخل الحركة بين جناحين، أحدهما يقوده خالد مشعل أمينها العام السابق، والذي يرتكن إلى الرؤية الرامية إلى نزع السلاح وتحويل الحركة إلى حزب سياسي، وإعادة العلاقات بين الحركة والدول العربية التقليدية كالسعودية والإمارات من جديد، وانتظار أية فرصة يتيحها التاريخ من أجل العودة مرة أخرى للواجهة والصدارة الفلسطينية. وثمة جناح آخر مازال متمسكًا بما يسمى بمحور المقاومة واستغلال الوقت لأجل إعادة البناء من جديد، ويتزعم هذا التيار القيادي خليل الحية.

تشير خلافات حماس إلى إمكانية وجود مناورة سياسية قد تلجأ إليها الحركة في المستقبل، وهي فصل القرار السياسي عن القرار العسكري، وهي ثمة متبعة في الفصائل الفلسطينية عمومًا. فعلى سبيل المثال، بعد التوقيع على اتفاقية أوسلو 1993، ركنت حركة فتح إلى السلم ونبذ العمل المسلح ظاهريًا، إلا أنها في ذات الوقت أنشأت ما يسمى كتائب شهداء الأقصى عام 2000 إبان الانتفاضة الفلسطينية الثانية، وتميزت تلك الكتائب بالاستقلال النسبي عن حركة فتح.
وبعد الخروج الفلسطيني من الأردن عام 1970 تأسست ما يسمى منظمة أيلول الأسود للقيام بعمليات ثأرية ضد بعض الأنظمة العربية خاصة الأردن وكذلك إسرائيل، وجاء تأسيس تلك المنظمة لإبعاد الشبهات في ذلك الوقت عن حركة فتح.
المناورة العسكرية (الانطلاق من عين الحلوة)
ألقت العملية العسكرية الإسرائيلية الأخيرة على مخيم "عين الحلوة" الضوء على ما يجري داخل المخيم والتطورات السياسية والميدانية التي مر بها خلال السنوات الماضية، إذ بات المخيم حاليًا مؤهلاً بشكل كبير لاستعادة الظاهرة الميليشياوية الفلسطينية في جنوب لبنان.
وفق تقديرات منظمة الأونروا فإن 10% من سكان لبنان ينحدرون من أصول فلسطينية، معظمهم يقطنون 12 مخيمًا للاجئين، أبرزهم على الإطلاق مخيم عين الحلوة، والذي كان في السابق يضم ما يقارب 75 ألف فلسطيني، إلا أن تطورات الثورة السورية أدت إلى تعاظم سكان المخيم للضعف تقريبًا، على خلفية تزايد موجات اللاجئين السوريين، والذين بلغ عددهم حوالي مليون لاجئ سوري، منهم جزء كبير فلسطينيون كانوا لاجئين في سوريا في الأساس.
تشير الوقائع إلى استقرار اللاجئين السوريين في المخيمات الفلسطينية نظرًا لانخفاض تكاليف إيجارات السكن بتلك المخيمات، الأمر الذي أدى إلى زيادة التوترات الأمنية والاجتماعية والسياسية في تلك المخيمات.

فرصة للتجنيد
تُعد مخيمات الفلسطينيين في لبنان بيئة خصبة ومواتية لنشأة وتشكيل الميليشيات المسلحة، فعلى سبيل المثال أكثر من نصف سكان المخيمات من الشباب دون 25 سنة، ويتميز هؤلاء الشباب بارتفاع معدلات البطالة والتسرب التعليمي، وهو الأمر الذي ساعد حركة حماس مؤخرًا في تجنيد العديد من العناصر داخل المخيمات الفلسطينية، خاصة عين الحلوة.

بالإضافة إلى ما سبق، تنتشر أفكار السلفية الجهادية داخل المخيمات الفلسطينية بشكل واسع، وذلك منذ عام 1989 حين انتقلت القواعد السلفية من طرابلس شمالًا إلى صيدا جنوبًا والتي تتميز بكثرة المخيمات الفلسطينية. ففي ذلك العام انتقل الداعية السلفي داعي الإسلام الشهال من طرابلس إلى مخيم "عين الحلوة" ليبقى بعيدًا عن الملاحقات الأمنية، ومن ثم انتشرت العديد من التنظيمات السلفية الجهادية في مخيم عين الحلوة خلال فترة التسعينيات مثل جند الشام وفتح الإسلام وغيرها من التنظيمات المرتبطة فكريًا بتنظيم القاعدة.
وعلى خلفية الوضع الطائفي في لبنان اكتسبت تلك التنظيمات حالة عداء مع بقية الأطراف اللبنانية الأخرى مثل الشيعة في الجنوب، وكان للطرفين العديد من المواجهات المسلحة التي ازدادت وتيرتها مع بدء الثورة السورية وانخراط حزب الله في دعم نظام الأسد، وهو ما تجلّى في دعوات الشيخ أحمد الأسير الرامية إلى دعم المعارضة السورية ومحاربة النظام السوري وحزب الله.

وفي مايو 2013 بلغت المواجهة ذروتها حينما قُصفت معاقل حزب الله في البقاع بثلاثة صواريخ أطلقتها تنظيمات جهادية سلفية. وفي يونيو 2013 قامت العديد من التنظيمات الجهادية بنصب الفخاخ الأمنية لقوافل حزب الله في البقاع التي كانت متجهة إلى القتال في سوريا. وخلال عامي 2013 و2014 قامت ما يسمى كتائب عبد الله عزام باستهداف السفارة الإيرانية والمركز الثقافي الإيراني ببيروت بواسطة عمليات انتحارية وسيارات مفخخة.
ختامًا:
بالاستعراض السابق، والذي تناول محاولات حماس السياسية والعسكرية الفكاك من أزمة نزع سلاحها ونقل جزء من سلاحها إلى صيدا، ومعضلة الجيش الإسرائيلي حاليًا في عدم قدرته على توجيه حرب طويلة الأمد كالتي جرت بعد 7 أكتوبر، وبروز معضلة الحكومة اللبنانية في نزع سلاح الميليشيات، وقدرة حزب الله على المناورة العسكرية والسياسية.

يمكن القول بأن لحركة حماس فرصة مواتية لإعادة تموضع قواتها داخل المخيمات الفلسطينية، مستفيدة من حالة الضعف التي بات عليها حزب الله، والذي قد يتطلب دعمًا من حماس في مواجهة الجيش اللبناني، ومستفيدة أيضًا من البيئة الخصبة الجهادية التي رسختها التنظيمات الجهادية المرتبطة بتنظيم القاعدة في المخيمات الفلسطينية.
وتتبقى معضلة وحيدة أمام حماس للانتشار والتمركز في المخيمات، ألا وهي مسألة التوفيق في العلاقات بين حزب الله من ناحية، والتنظيمات الجهادية من ناحية أخرى.



