إسرائيل تراقب حماس: مخاوف من استعادة الحركة قوتها العسكرية
منذ التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار في أكتوبر الماضي، وتصديق مجلس الأمن على خطة واشنطن الرامية إلى تثبيت ترتيبات السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، ما زالت هناك تخوفات إسرائيلية متنامية حول مصير حركة حماس، إذ ما زالت تتردد بعض التكهنات حول إمكانية وجود تفاهمات سرية بين حماس وواشنطن عبر الوسطاء الأتراك والقطريين من شأنها السماح للحركة في المستقبل باستعادة بناء قوتها العسكرية.
يسوق تلك التخوفات الإسرائيلية حاليًا العديد من كتاب الرأي في الصحف الإسرائيلية، مثل المراسل العسكري والكاتب في صحيفة معاريف رون بن يشاي، ففي مقالته الأخيرة على موقع Ynet news، النسخة الإلكترونية من معاريف، أشار بن يشاي إلى احتمالية وجود وعود سرية منحتها واشنطن لقادة حركة حماس عبر وسطاء، وهي التي دفعت قادة الحركة إلى الإفراج عن الرهائن الأحياء وتسليم رفات المتوفيين.

فكر بن يشاي
قبل تحليل مقاله الأخير حول إمكانية وجود تفاهمات سرية بين حماس وواشنطن، ينبغي الإشارة إلى التكوين الفكري والسياسي للكاتب الإسرائيلي حتى يمكن فهم وتفسير مقالته. ففي البداية، شغل وظيفة مراسل عسكري للعديد من الصحف العبرية وساهم في التغطية الصحفية للعديد من الحروب الإسرائيلية، أبرزها الحرب الإسرائيلية على لبنان في عام 1982، ويعد من أوائل المراسلين دخولًا لمخيمي برج البراجنة وصبرا وشاتيلا في عام 1982 بعد تنفيذ الكتائب اللبنانية مذابحها بحق اللاجئين الفلسطينيين.
باستقراء كتابات بن يشاي، يتضح أنه غير موالٍ سياسيًا لحكومة الليكود الحالية بزعامة بنيامين نتنياهو، إذ دائمًا ما يشكك في تصرفاتها وأفعالها. وفي شهر يوليو الماضي دعا بن يشاي صراحة إلى إسقاط الحكومة على خلفية قانون الحريديم، الذي يجيز إعفاء 80 ألف جندي حريدي من الخدمة في ظل الحرب الدائرة، كما وجه انتقاده للحكومة بسبب موقفها من السلطة القضائية، متهمًا إياها بمحاولة الانقلاب على السلطة القضائية.

موقفه من خطة ترامب
لم تكن مقالته الأخيرة هي الأولى حول خطة ترامب، إذ سبقها عدد من المقالات، وفي كل مقالة يبدِي تخوفاته من الخطة الأمريكية. ففي مقالته المعنونة "هدف خطة ترامب ليس فقط إعادة المختطفين: المراحل والاعتراضات المتوقعة"، أوضح أن مبعوث الرئيس الأمريكي وصهره جاريد كوشنر سعى إلى استغلال المفاوضات في توسيع اتفاقيات إبراهام وضم أطراف جديدة للاتفاق مثل السعودية وتركيا، وهو ما يتضح بشكل أساس في إجبار تل أبيب، حسب تعبيره، على قبول بعض النقاط مثل بقاء حركة حماس والإفراج عن محتجزي حماس ممن شاركوا في حادث 7 أكتوبر.
وفي مقال آخر بتاريخ 30 سبتمبر 2025، اتهم يشاي خطة ترامب بأنها مبهمة الصياغة وغامضة البنود، وهو ما سيدفع حماس إلى الموافقة عليها فورًا. وفي مقاله في نهاية أكتوبر الماضي، أوضح أن ترامب لجأ إلى حيل بدائية من أجل إثناء نتنياهو عن معاودة قصف قطاع غزة، بإرسال الوفود الدبلوماسية المتتالية إلى إسرائيل، ويقصد هنا الزيارات التي تمت نهاية أكتوبر من قبل جاريد كوشنر وستيف ويتكوف ونائب الرئيس الأمريكي بروفانس إلى موقع كريات جات جنوب تل أبيب.

تخوفات يشاي
لا ينفك يشاي في التعبير عن مخاوفه من اتفاق وقف إطلاق النار، والتي تكررت في جميع مقالاته منذ نهاية سبتمبر وحتى اليوم، ويمكن تلخيصها في النقاط التالية:
1) يُصر يشاي على أن حماس أخذت وعدًا شفهيًا غير مكتوب من الإدارة الأمريكية عبر الوسطاء الأتراك والقطريين يسمح لها بالاحتفاظ بالأسلحة الخفيفة مثل البنادق والرشاشات من طراز الكلاشنكوف وإم-16 والقنابل اليدوية، وفي المقابل سيتم تسليم الأسلحة الثقيلة من الصواريخ وورشها والطائرات المسيرة.
2) من ضمن الوعود التي أخذتها الحركة السماح ببقائها داخل القطاع وعدم مغادرتها كما طالبت إسرائيل في السابق، كما تم السماح لمقاتلي حركة حماس والجهاد الإسلامي بالبقاء في القطاع كعناصر مدنية، الأمر الذي يسمح للحركة بالبقاء خلف الكواليس بعيدًا عن السيطرة الرسمية.
3) يرى يشاي أن عملية نزع السلاح ستتم بالتراضي بين حماس وقوة الاستقرار الدولية بدلًا من استخدام القوة، وهو ما سيسمح للحركة بالاحتفاظ بالأسلحة الخفيفة وتسليم فقط الأسلحة الهجومية الثقيلة، وبالتالي ستحتفظ حماس بقدراتها في إدارة حرب العصابات في المستقبل. كما أن عدم وجود جدول زمني معين لنزع السلاح سيعزز قدرة الحركة على استعادة بناء قواتها متى شاءت.
4) طرح يشاي فكرة أن حماس من المحتمل أن تتحايل على مسألة نزع السلاح بإيداعه تحت وصاية السلطة الوطنية الفلسطينية ليتم التصرف فيه مستقبلاً، إلا أن تلك الفكرة فشلت بسبب رفض السلطة الفلسطينية.

5) يؤكد يشاي أن حماس حتى في حال التنازل عن السلطة والحكم في غزة ستظل في الصدارة نظرًا لامتلاكها خبرات وكوادر في حفر الأنفاق وورش العمل، كما ضمنت الوعود غير المكتوبة استمرارية الحركة في دفع رواتب أعضائها، مما سيسمح لها بالاحتفاظ بقوام عسكري كبير يتراوح ما بين 20 ألف و25 ألف مقاتل.
6) نجحت إسرائيل في تحقيق هدف حربي واحد هو إعادة معظم الرهائن الناجين، وتم التخلي عن الهدف الأساسي في زمن الحرب، وهو تفكيك حركة حماس المدني والعسكري في قطاع غزة، ويرى يشاي أنه في حالة بقاء الحركة فإنها ستظل قادرة على إعادة بناء ترسانتها، وبالتالي فإن أحداث السابع من أكتوبر قد تتكرر.
7) يسعى مركز التنسيق الأمريكي إلى تقسيم قطاع غزة بين منطقة حمراء تسيطر عليها حماس ويقطنها مليونا شخص، ومنطقة خضراء تسيطر عليها إسرائيل ويقطنها ما بين 200 ألف و300 ألف فلسطيني.
8) يركز مركز التنسيق الأمريكي على إدخال المساعدات إلى المنطقة الحمراء، أما المنطقة الخضراء فتسعى أمريكا إلى بناء مجتمعات مؤقتة تستضيف النازحين، توفر الغذاء والرعاية، وبناء مدن على أنقاض رفح وخان يونس بتمويل من دول الخليج، مما سيحفز الفلسطينيين على الانتقال من المنطقة الحمراء إلى المنطقة الخضراء، وعزل عناصر حماس شعبيًا ودفعهم إلى نزع سلاحهم.
ختامًا:
يمكن القول إن تخوفات إسرائيل من استمرارية حركة حماس تعكس إدراك تل أبيب أن وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة تفكيك الحركة أو إنهاء قدراتها العسكرية والسياسية. فالوعود الشفهية غير المكتوبة من الإدارة الأمريكية، إلى جانب الظروف الإقليمية والدبلوماسية، تمنح حماس هامشًا للبقاء وإعادة بناء قوتها بشكل تدريجي، خصوصًا فيما يتعلق بالأسلحة الخفيفة وإدارة العمليات خلف الكواليس.

وتشير التحليلات إلى أن إسرائيل تواجه تحديًا مزدوجًا: من جهة، ضرورة حماية أمنها ومنع حماس من استعادة قدراتها العسكرية، ومن جهة أخرى، عدم القدرة على فرض نزع السلاح الكامل بالقوة دون التسبب بتصعيد واسع قد يضر بالاستقرار الإقليمي. كما أن التدخل الأمريكي عبر الوسطاء الإقليميين يجعل من أي تحركات إسرائيلية ضد الحركة معقدة، ويضع خطة ترامب ونتائجها تحت مجهر المخاوف الإسرائيلية من إعادة ترميم ترسانة حماس العسكرية.
في المجمل، تبدو إسرائيل أمام واقع مستمر من عدم اليقين، حيث يبقى ملف حماس قضية حساسة تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية مع الدبلوماسية والضغوط الإقليمية والدولية، ما يجعل احتمال إعادة بناء القوة العسكرية للحركة في المستقبل أمرًا واردًا ويستدعي من تل أبيب تقييم استراتيجياتها بعناية للحفاظ على التوازن الأمني والسياسي في المنطقة.
محمد الدابولي*
باحث في السياسات الدولية



