رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

حرب المعابر: كابل وإسلام آباد من التصعيد السياسي إلى الانهيار الاقتصادي

غلق المعابر الحدودية
غلق المعابر الحدودية بين باكستان وأفغانستان - أرشيفية

لا يقتصر التصعيد المستمر بين باكستان وأفغانستان في المناطق الحدودية على الصعيد الأمني والسياسي فقط، بل يمتد هذا التأثير إلى أسواق البلدين والملف الاقتصادي، خاصة في ظل إغلاق المعابر الحدودية بين البلدين سواء جزئيًا أو كليًا، وهو ما يحدث على فترات لأسباب أمنية واقتصادية. كما أن حدة الاعتماد المتبادل جعلت تأثير الإغلاق مزدوجًا وفوريًا على الجانبين.

ويمثل الإغلاق المتكرر للمعابر الحدودية بين البلدين ضغطًا على اقتصادهما، لما له من تأثير مباشر على الشبكات والخدمات اللوجستية والتجارة والتموين، خاصة وأن باكستان تعد منفذ الساحل الرئيسي لأغلب الواردات الأفغانية، وذلك بالإضافة إلى شبكات التجارة الرسمية وغير الرسمية، وهو الأمر الذي ينتج ارتدادات على الاقتصاد سواء على المدى القصير أو المتوسط أو الطويل. 

معبر  ">
معبر "ميلك" الحدودي بين إيران وأفغانستان 

تداعيات على السوق الأفغاني

تواجه القطاعات المعتمدة على التجارة الخارجية في السوق الأفغاني أزمة كبيرة بسبب الغلق المتكرر لمعبري طورخم وتشمن الرئيسيين من جانب باكستان، وهو الإغلاق الذي يتجدد مع التوترات المتكررة على الحدود الأفغانية-الباكستانية، إضافة إلى غلق معابر ثانوية أخرى أبرزها "خرلاشي" و"أنجور أدا" و"غلام خان"، خاصة وأن أفغانستان دولة غير ساحلية، ما يجعل المعابر مع باكستان مسألة بالغة الحساسية.   

ولذلك تعد المعابر الحدودية مع باكستان موردًا مهمًا للاقتصاد الأفغاني الذي يعتمد بشكل شبه كلي على هذه المعابر للوصول إلى الموانئ البحرية الباكستانية، وخاصة ميناء "كراتشي"، وهو ما يمثل شريانًا رئيسيًا لواردات الغذاء والوقود ومواد البناء، وهي سلع حيوية لا غنى عنها، ما يؤثر على تثبيت الأسعار في ظل اقتصاد يعاني أصلًا من ضعف الإنتاج المحلي وانعدام الاكتفاء الذاتي.

وتظهر تأثيرات إغلاق المعابر الحدودية بشكل سريع، فعند إغلاق معبر طورخم تتعطل مئات الشاحنات يوميًا، وهو ما يتسبب بشكل مباشر في النقص الفوري للسلع الأساسية داخل الأسواق الأفغانية، إضافة إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود بسبب تكاليف الانتظار والتخزين، إضافة إلى الأضرار التي تطال البضائع سريعة التلف مثل "الخضار، الفواكه، الألبان".

 معبر طورخم بين باكستان وأفغانستان
 معبر طورخم بين باكستان وأفغانستان

ووفق تقارير اقتصادية دولية، فإن إغلاق المعابر وتعطيل حركة التجارة يتسبب في ركود ممتد للاقتصاد الأفغاني، إضافة إلى فرص العمل المحدودة، خاصة في المدن الحدودية التي تشهد التوترات المتكررة، وهو ما يؤدي إلى تعطل قطاع النقل المحلي، إضافة إلى الخسائر التي تطال الشركات الصغيرة التي يقوم نشاطها على التصدير السريع عبر باكستان، كما أن توقف مستلزمات الصناعات الصغيرة يؤدي إلى توقف مصانع وورش عن العمل.

في ظل اضطرار أفغانستان إلى البحث عن مصادر بديلة للسلع التي توقفت من جانب باكستان، ترتفع التكلفة بسبب المسافة والوقت اللازم للنقل، حيث يضطر التجار الأفغان إلى توفير بدائل من دول آسيا الوسطى "تركمانستان وطاجيكستان وأوزبكستان" أو اللجوء إلى إيران عبر "ميناء بندر عباس"، ووفق التقديرات فإن زيادة تكلفة النقل من مصادر بديلة تتسبب في أن كل سلعة تصل إلى أفغانستان تزداد أسعارها بنسبة تتراوح بين 20 إلى 40 % مقارنة بالمسار الباكستاني.

وفي ظل تعطل شبكات التجارة الرسمية، فإن ذلك سيؤدي بطبيعة الحال إلى تمدد الاقتصاد غير الرسمي عبر انتشار عمليات التهريب عبر الجبال والمعابر غير النظامية، ما يؤدي إلى تراجع إيرادات الدولة الجمركية وزيادة نفوذ شبكات التهريب، ما يصعب ضبط الأسواق أو النظام الضريبي، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على موارد الدولة التي تعاني من اقتصاد هش.

غلق المعابر الحدودية بين باكستان وأفغانستان - أرشيفية
غلق المعابر الحدودية بين باكستان وأفغانستان - أرشيفية

تداعيات على الاقتصاد الباكستاني

لا يقتصر غلق المعابر الحدودية على أفغانستان وحدها، بل يمتد كذلك إلى الاقتصاد الباكستاني، حيث تشهد البلاد أيضًا ارتفاعًا في أسعار بعض السلع التي تستوردها من جانب أفغانستان، خاصة إذا كانت هذه السلع تتمثل في السلع الغذائية أو المواد الخام، أو التي يتم استيرادها من دول آسيا الوسطى، وهو الأمر الذي يمثل ضغطًا اقتصاديًا على باكستان، التي تواجه أصلًا مستويات تضخم مرتفعة، ويهدد استقرار أسعار الغذاء والوقود، ويضغط على الطبقات المتوسطة والفقيرة.

ووفق تقديرات، فإن باكستان كانت تسيطر على ما يقارب 80% من الهيمنة التجارية مع الجانب الأفغاني، لكن هذه الهيمنة التجارية تراجعت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة بسبب الإغلاقات المتكررة للمعابر الحدودية، والتي أدت إلى تراجع الصادرات الباكستانية تدريجيًا، لأن هذه المعابر تمثل الطريق الوحيد تقريبًا للتجارة الثنائية، وقد أدى هذا الواقع إلى تحول عدد من التجار الأفغان إلى أسواق بديلة مثل إيران وآسيا الوسطى، مما تسبب بخسارة باكستان تدريجيًا لجزء من حصتها في السوق الأفغانية.

غلق المعابر الحدودية بين باكستان وأفغانستان - أرشيفية
غلق المعابر الحدودية بين باكستان وأفغانستان - أرشيفية

وتشير تقارير اقتصادية باكستانية إلى أن إغلاق المعابر مع أفغانستان تسبب في خسائر ضخمة للمصدرين الباكستانيين، خاصة عمليات التصدير المتعلقة بالمواد الغذائية والزراعية، إضافة إلى ارتفاع التكلفة وتعقيد الإجراءات اللوجستية، حيث تستمر فترات انتظار الحاويات لفترات طويلة تصل إلى 14–15 يومًا في ميناء كراتشي بسبب تأخر العبور إلى أفغانستان، مع رسوم يومية قد تصل إلى 120 دولارًا للحاوية، وهو ما يمثل خسارة استراتيجية لباكستان التي كان بإمكانها أن تكون الممر الأرخص والأسرع نحو آسيا الوسطى عبر الأراضي الأفغانية.

غلق المعابر الحدودية بين باكستان وأفغانستان - أرشيفية
غلق المعابر الحدودية بين باكستان وأفغانستان - أرشيفية

وقد أضاع الغلق المتكرر للمعابر الحدودية بين أفغانستان وباكستان الفرص التجارية نحو آسيا الوسطى، حيث إن الحفاظ على تشغيل المعابر يمنح باكستان إمكانية استخدام أفغانستان كممر ترانزيت للوصول إلى أسواق كبرى في "أوزبكستان وتركمانستان وطاجيكستان"، وقد استفادت دول مثل إيران وتركيا والهند من الفراغ الباكستاني، كما أن هذه الإجراءات لم تقتصر على إضعاف التجارة فحسب، بل قللت تنافسية الصادرات الباكستانية مقارنة بمنافسيها الإقليميين.

إضافة إلى ذلك، فإن الأضرار الاقتصادية الأفغانية جراء الغلق المتكرر للمعابر الحدودية دفعت كابول إلى اتخاذ إجراءات متشددة تجاه باكستان في ظل التوتر بين البلدين، حيث رفعت أفغانستان الرسوم على البضائع الباكستانية، إضافة إلى فرض قيود مؤقتة على السلع الباكستانية الموسمية، وهو الأمر الذي ضاعف الخسارة على الجانب الباكستاني، والتي تمثلت في خسارة رسوم عبور مهمة، إضافة إلى تراجع مكانتها كمحور للنقل البري الإقليمي.

ختامًا:

 يمكن القول إن الإغلاقات المتكررة للمعابر الحدودية بين أفغانستان وباكستان تعمق من هشاشة اقتصاد الدولتين الجارتين، ففي الوقت الذي تتضرر فيه الأسواق الأفغانية بسبب الاعتماد على السلع الباكستانية وأهمية المعابر بالنسبة لها باعتبارها دولة حبيسة، فإن الضرر يطال باكستان أيضًا في ظل تكرار فترات الإغلاق، وهو ما يجعل باكستان تفقد قدرتها على حماية حصتها التجارية وأهميتها الاستراتيجية كممر لوجيستي إقليمي، وهو ما يتطلب العمل على استقرار العلاقات لتقليل خسائر الجانبين.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء