التخفي والمرونة.. كيف يحافظ "داعش" على بقائه في العراق؟
لا تزال الأماكن الوعرة في العراق تمثل أوكارًا لبقايا تنظيم داعش؛ فعلى الرغم من إعلان العراق القضاء على التنظيم منذ سنوات، إلا أن بعض المناطق الصحراوية والحدودية تشهد نشاطًا للخلايا والجيوب الصغيرة التي تعمل في مناطق وعرة وبعيدة عن المراكز السكانية. وعلى الرغم من أن مثل هذه الخلايا لا تزال تمثل تهديدًا منخفض الكثافة، إلا أنها تؤشر إلى استمرار التنظيم وقدرته على التخفي والمرونة والتمركز في المناطق الحدودية والصحراوية.
ومؤخرًا، أعلنت خلية الإعلام الأمني في قيادة العمليات المشتركة العراقية استهداف أحد أوكار التنظيم، حيث نفذت طائرات "إف 16" العراقية ضربة جوية استهدفت خلالها وكرًا لعناصر من تنظيم "داعش" قُتل فيها جميع عناصر التنظيم الإرهابي، كما أسفرت الضربة عن تدمير أسلحة ومعدات وأجهزة اتصالات كانت بداخله في إحدى المناطق شرقي محافظة صلاح الدين شمال بغداد، مشيرة إلى أن القوات الأمنية مستمرة في ملاحقة ما تبقى من عناصر عصابات "داعش" الإرهابية.

التنظيم بين التمدد والانحسار
خاضت الحكومة العراقية معركة شرسة ضد تنظيم "داعش" الإرهابي منذ سيطرته على مدن كبرى في العراق في 2014، منها الفلوجة والرمادي، ثم تقدم مقاتلو داعش شمالًا، مما صدم القوات الحكومية واستولوا على الموصل، التي تُعد ثاني أكبر مدينة في العراق ـ دون مقاومة. ومع تقدم داعش، استخدم التنظيم وسائل التواصل الاجتماعي لنشر مقاطع فيديو وصور بدت وكأنها تُظهر مسلحيه وهم يُعدمون أعدادًا كبيرة من الجنود العراقيين الأسرى، وبعد تحقيق مكاسب إقليمية كبيرة في العراق، أعلنت الجماعة إقامة خلافة بقيادة زعيم داعش أبو بكر البغدادي.
وفي أغسطس من العام نفسه، تقدم التنظيم إلى منطقة سنجار، ودون سابق إنذار انسحبت قوات البيشمركة "القوات العسكرية لكردستان العراق"، تاركة السكان اليزيديين دون حماية أو دفاع. وهاجم "داعش" منطقة سنجار، وفرّ منها ما يقرب من 200 ألف يزيدي نحو جبل سنجار، لكن سرعان ما حاصرهم داعش، الذي اختطف النساء والفتيات لبيعهن، وأجبر الصبية الصغار على دخول معسكرات تدريب داعش، وأعدم الرجال والنساء المسنّات.

وفي عام 2015، سقطت مدينة الرمادي في يد التنظيم الذي كان يتقدم بسهولة للسيطرة على المدن العراقية. فعلى الرغم من سقوط أبرز المحافظات السُنية، إلا أن القوات العراقية لم تستطع مواجهته في ذلك التوقيت، وفشل الجيش العراقي؛ حيث هربت الفرق العسكرية وتركت أسلحتها غنائم للتنظيم المتطرف. وفي ظل عدم وجود قوى قادرة على مواجهته، سيطر التنظيم على رقعة هائلة من الأراضي العراقية، وفي عام 2016 بدأ التنظيم التراجع بعد استعادة العراق السيطرة على الفلوجة.
وفي ديسمبر من عام 2017 أعلن رئيس الوزراء العراقي في ذلك التوقيت، حيدر العبادي، تحرير جميع الأراضي العراقية من سيطرة تنظيم "داعش" الإرهابي، معتبرًا أن العراق دفع خلال السنوات الثلاث والنصف التي قضاها في محاربة التنظيم المتطرف ثمنًا باهظًا من أرواح مقاتليه والمدنيين الذين قُتلوا بسبب العمليات العسكرية أو الذين قتلهم التنظيم المتطرف بتهم باطلة بحجة التعاون مع القوات العراقية، فضلًا عن الخسائر المادية الكبيرة التي تُقدّر بعشرات المليارات من الدولارات، بالإضافة إلى المشاكل الاجتماعية التي خلفتها هذه الحرب.

ولم يكن إعلان حيدر العبادي تحرير جميع الأراضي العراقية من سيطرة "داعش" بمثابة النهاية للتنظيم؛ حيث بدأت مرحلة أخرى من المواجهة معه. فعلى الرغم من إنهاء سيطرته على المدن الكبرى، إلا أن وجوده لم ينته من الأراضي العراقية؛ إذ أعاد التنظيم بناء نفسه في شكل خلايا وشبكات صغيرة منتشرة في المناطق الوعرة والصحراوية، خاصة في مناطق مثل جبال حمرين والوديان والممرات الريفية. ولذلك تواصل القوات الأمنية ملاحقة الخلايا والأوكار وتدمير خطوط الإمداد.
وبعد نجاح التحالف الدولي في انتزاع الأراضي التي كان يسيطر عليها التنظيم في العراق في عام 2017، أصبح من الصعب على التنظيم تحقيق المركزية مرة أخرى أو السيطرة على مساحات واسعة كما فعل سابقًا، وهو ما دفعه إلى التكيف بشكل مرن مع الأوضاع الجديدة ومحاولة الحفاظ على وجوده من خلال تغيير التكتيكات والاعتماد بشكل أكبر على الشبكات السرية والمجموعات الصغيرة، والانتشار في قواعد نائية في الصحراء والجبال والوديان في محافظات مثل الأنبار وصلاح الدين ونينوى.

دلالات العملية الأخيرة
على الرغم من أن العملية الأخيرة تؤشر إلى عدم إنهاء وجود التنظيم بشكل كامل على الأراضي العراقية، إلا أنها تؤشر أيضًا إلى استمرار الجهود الأمنية التي ترتكز على معلومات استخباراتية دقيقة، ما يعني استمرار الحكومة العراقية في ملاحقة بقايا التنظيم. وتكشف العملية الجوية التي استهدفت الخلية قدرة القوات العراقية على تحديد مواقع الخلايا التابعة للتنظيم بدقة عالية، وهو ما أكده بيان خلية الإعلام الأمني بأن العملية الجوية تمت بجهد استخباري وفني متميز.
نُفذت العملية في منطقة وادي الشاي شرق صلاح الدين، وهي منطقة يصعب مراقبتها بالكامل من جانب القوات العراقية، الأمر الذي يمنح الخلايا مهلة للتخفي والعمل، ما يؤكد أن التنظيم لا يزال يعتمد على التضاريس والبيئة الجغرافية بعيدًا عن المراكز الحضرية، وهي استراتيجية مستمرة منذ إعلان القضاء عليه في 2017 وانتزاع الأراضي التي كان يسيطر عليها، حيث تحول التنظيم إلى الصحراء للتكيف مع مرحلة ما بعد السقوط، متمكنًا من إطلاق عملياته وإثبات الوجود.

ويبدو أن نشاط التنظيم لا يزال مرتكزًا على المناطق الصحراوية في محافظات الأنبار وبابل وبغداد ونينوى، لكنه تمدد ليشمل محافظات ديالى وصلاح الدين وكركوك، التي تُعد منطقة ذات تضاريس وعرة تتيح القدرة على الاختفاء. كما تُعاني تلك المنطقة من مشكلة اتساع المساحة، التي تحتاج إلى قوات كبيرة جدًّا للسيطرة على الأرض وإحكام القبضة عليها.

وعلى الرغم من أن وجود مثل هذه الخلايا لا يمثل تهديدًا مرتفع المستوى كما كان في السابق، إلا أن الخطورة تكمن في أن المجموعات الصغيرة قادرة على التخفي، ما يعزز إمكانية انتقالها من الأماكن الصحراوية إلى الأماكن الحضرية والاختباء وسط السكان المدنيين والقيام بعمليات مباغتة لإثبات الوجود، وهو ما يضيف أعباء على الحكومة العراقية التي تحتاج إلى تكثيف جهودها الرقابية والاستخباراتية.
ختامًا:
يمكن القول إنه على الرغم من إنهاء الوجود الميداني الكامل لتنظيم "داعش" في العراق بعد انتزاع الأراضي التي كان يسيطر عليها في 2017، إلا أن استمرار ظهور الخلايا في المناطق الصحراوية والنائية يشير إلى أن التهديد لم ينتهِ بشكل كامل، وإن كان تهديدًا منخفضًا مقارنة بأوضاع التنظيم السابقة. لكن الخطورة تتمثل في استمرار تحرك المجموعات الصغيرة في المناطق الصحراوية والريفية وقدرتها على التخفي، ما يعني ضرورة استمرار القوات العراقية في تكثيف جهودها الرقابية والاستخباراتية لمواجهة أي محاولات عملياتية للتنظيم لإثبات الوجود.



