رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مواسم العطش تضرب الصفويين: الجفاف يهدد شرعية النظام الإيراني

أزمة المياه في إيران
أزمة المياه في إيران - أرشيفية

في الوقت الذي يواجه فيه النظام الإيراني ضغوطًا متزايدة داخليًا وخارجيًا، تأتي أزمة المياه لتزيد هذه الضغوط، حيث تعاني البلاد من جفاف مقلق منذ أواخر شهر سبتمبر الماضي، في ظل ضعف الموارد المائية سواء بسبب تراجع هطول الأمطار أو المياه المتدفقة عبر السدود، وهو ما جعل النظام الإيراني يضع سيناريوهات متشائمة تصل إلى إخلاء العاصمة "طهران".

حذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من تفاقم الأزمة، حيث أشار إلى أنه في حال عدم هطول الأمطار بحلول شهر ديسمبر، ستُضطر السلطات إلى تقنين المياه في طهران، موضحًا أنه في حال تطبيق نظام الحصص، وإذا لم تهطل الأمطار بعد ذلك، فلن يتبقى لدينا ماء إطلاقًا، وسنُجبر على إخلاء طهران.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان

وعن الوضع المقلق لأزمة الجفاف التي تضرب إيران، نقلت تقارير إيرانية عن مدير عام شركة مياه الشرب والصرف الصحي في طهران أن وضع المياه في العاصمة "حرج ومقلق"، فيما تُظهر بيانات شركة إدارة الموارد المائية أن إيران شهدت منذ بداية العام المائي الجديد في الأول من أكتوبر حتى الثالث من نوفمبر هطولًا قدره 2.3 مليمتر فقط، ولم تتساقط أي أمطار في 21 محافظة من أصل 31.

أسباب تفاقم الأزمة

تشير إحصائيات الأمم المتحدة إلى أن إيران وصلت إلى مرحلة الإجهاد المائي وتجاوزت "العتبة الحرجة"، حيث إن المعيار الدولي يوصي بألا يتجاوز الاستهلاك 40% من إجمالي المياه العذبة المتجددة، وذلك في الوقت الذي تستخدم فيه إيران 70% من إجمالي مياهها العذبة المتجددة، وهو أحد أسباب تفاقم الأزمة، إضافة إلى أسباب أخرى.

أزمة المياه في إيران - أرشيفية 
أزمة المياه في إيران - أرشيفية 

ويأتي ضمن أسباب تفاقم الأزمة الاستخدام الزراعي غير المدروس، حيث إن القطاع الزراعي يستحوذ على أكثر من 80% من المياه بسبب استخدام طرق ري تقليدية وغير فعالة، والاتجاه إلى زراعة محاصيل كثيفة الاستهلاك للمياه في المناطق الجافة، وذلك بالإضافة إلى الاعتماد المفرط وغير المنظم على الآبار، ما أدى إلى استنزاف هائل للمياه الجوفية وبروز ظاهرة انخساف الأرض.

ساهمت أيضًا الإدارة الحكومية غير الرشيدة في تفاقم الأزمة، خاصة فيما يتعلق بسياسات بناء السدود، حيث نُفذت مشاريع ضخمة لبناء السدود مثل المشاريع التي أقيمت على نهر كارون، ما أدى إلى تدمير مساحات زراعية بسبب المشروعات غير المدروسة وانعكاساتها البيئية السلبية.

ووفق دراسات بيئية، فإن هناك عوامل جغرافية ساهمت في تفاقم الأزمة تتمثل في ندرة البحيرات العذبة، حيث إن إيران لا يوجد بها سوى عشر بحيرات كبيرة، ومعظم هذه البحيرات مالحة، ما يؤثر على مصادر المياه السطحية، إضافة إلى وقوع إيران في الحزام الجاف الذي يعد منطقة قاحلة وشبه قاحلة بطبيعتها.

وتتسم المجاري المائية في إيران بأنها قليلة وشبه جافة وأغلبها موسمية، وذلك إلى جانب التغيرات المناخية التي تؤثر على العالم ككل، حيث أدت موجات الجفاف المتكررة وارتفاع درجات الحرارة إلى تقليل كميات الأمطار والثلوج اللازمة لتغذية الأنهار والسدود. كل هذه العوامل، سواء الجغرافية أو المناخية أو السياسات الحكومية، تضافرت ما أدى إلى تعقيد الأزمة وتفاقمها.

أزمة المياه في إيران - أرشيفية 
أزمة المياه في إيران - أرشيفية 

وتأتي سياسات دول الجوار ضمن أسباب أزمة المياه في إيران، خاصة أفغانستان وتركيا. فبالنسبة لأفغانستان، تتشارك إيران معها في نهر "هلمند"، والذي يشهد تراجع تدفّق المياه التي تصل إلى إيران، وهو الأمر الذي أثار أزمات متعددة بين البلدين. وفيما يتعلق بتركيا، فإن إيران تتشارك معها في "نهر آراس"، وفي ظل توسع أنقرة في بناء السدود على النهر تراجعت التدفقات المائية إلى إيران.

كل هذه الأسباب أدت إلى أزمة مياه غير مسبوقة، وفق تقارير إيرانية أشارت إلى أن تدفق المياه إلى الخزانات خلال العام المائي الحالي (2025–2026) انخفض بنحو 39% مقارنة بالعام الماضي. كما تراجع حجم المياه المخزنة إلى 17.66 مليار متر مكعب، بعد أن كان 23 مليارًا، ليبلغ متوسط الإشغال 34% فقط في السدود.

ويبدو الانخفاض غير المسبوق في مخزونات المياه أمام السدود، حيث أظهرت بيانات في أوائل نوفمبر أن سد أمير كبير يحتوي على 11% من سعته، في حين يضم سد لار 2%، وسد لتيان 9%. أما في خوزستان، فقد انخفضت كمية المياه في سدود كارون ودز وكرخة بنسبة وصلت إلى 70%. كما باتت الخزانات في محافظات فارس وسيستان وبلوشستان وهرمزغان شبه جافة، بينما فرغت ثلاثة سدود رئيسية في شمال شرق البلاد تمامًا، وهي وشمغير، وكلستان، وبستان.

أزمة المياه في إيران - أرشيفية 
أزمة المياه في إيران - أرشيفية 

تداعيات اقتصادية واجتماعية

أزمة المياه في إيران لها تداعيات متعددة سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي، حيث إن نقص المياه يضر بالملايين ويهدد الزراعة التي يمتهنها ملايين من أبناء الشعب الإيراني، ما يمثل ضغطًا اقتصاديًا هائلًا على الأسر التي تمتهن الزراعة في حال تأثير نوبات الجفاف على المحاصيل الزراعية، وهو ما ينعكس على الناتج المحلي، ويمثل ضغطًا إضافيًا على الاقتصاد.

ومثل هذه الحالات يكون لها ارتدادات اجتماعية تتمثل في موجات الاحتجاجات والمظاهرات، في ظل اضطرار سكان بعض المدن إلى شراء مياه الشرب من صهاريج متنقلة، إضافة إلى الأزمات اليومية والمعيشية التي يسببها نقص المياه، وعدم وصولها بالأساس إلى بعض المناطق، ما يعيق الحياة اليومية.

وقد تكررت الاحتجاجات في عدد من المدن والمحافظات الإيرانية بسبب تكرار نوبات الجفاف خلال السنوات الماضية، وهو الأمر الذي قابلته السلطات الإيرانية بالقمع وإطلاق النار على المتظاهرين دون البحث عن حلول حقيقية للأزمة، وهو ما دفع مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إلى انتقاد السلوك الإيراني في مواجهة الاحتجاجات وعدم البحث عن حلول جادة لمعالجة الأزمة التي يعاني منها ملايين المواطنين.

أزمة المياه في إيران - أرشيفية 
أزمة المياه في إيران - أرشيفية 

وفي ظل الأوضاع الحالية وتحذير الرئيس الإيراني من الاضطرار إلى إخلاء العاصمة بسبب الجفاف، والسيناريوهات المتشائمة من مسؤولين إيرانيين بشأن الأزمة، فمن المتوقع أن تتفاقم الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وفي حال عدم احتواء الأزمة فمن المحتمل انفجار الشارع وتجدد الاحتجاجات، خاصة في ظل انطلاق احتجاجات فئوية خلال الفترة الحالية للمطالبة بتحسين الأوضاع المعيشية.

التداعيات الأمنية والسياسية

لا تقتصر تداعيات أزمة المياه في إيران على الجوانب الاقتصادية والاجتماعية، ولكنها تمتد أيضًا إلى الجوانب الأمنية والسياسية، في ظل غياب الاستراتيجية الإيرانية للحفاظ على الأمن المائي وإيجاد حلول بعيدة المدى، وهو ما سيكون له انعكاسات على العملية الأمنية بشكل عام، باعتبار أن قضية المياه هي قضية أمن قومي بالأساس.

وفي ظل فشل الأنظمة في إيران في التعامل مع الأمن المائي، فإنه يمثل تهديدًا لإيران ككل، فمع تفاقم الأزمة والعجز عن إيجاد حلول ستتضاعف الضغوط على النظام الإيراني الذي يعاني من أزمات مركبة في الداخل والخارج، وهو ما سيزيد من حدة الاضطرابات الاجتماعية التي تمثل ضغطًا على المؤسسات الأمنية، وزيادة موجات النزوح من الأرياف إلى المدن، وهو ما سيضع المدن الكبرى في إيران تحت ظروف ضاغطة.

أزمة المياه في إيران - أرشيفية 
أزمة المياه في إيران - أرشيفية 

وخلال الأزمة الراهنة، تبدو سياسات النظام غير مجدية في مواجهة الأزمة، ما سيؤدي إلى تزايد موجات الغضب ضد النظام وإدارته للأزمة، حيث اكتفى النظام الإيراني بإعلان إجراءات قد يراها المواطنون ضاغطة ومؤثرة على حياتهم اليومية، إذ اكتفى الرئيس الإيراني بإعلان تطبيق نظام حصص المياه للمواطنين، وتقليص ضغط المياه على الشبكة، مع فرض عقوبات صارمة على المخالفين.

ويواجه النظام الإيراني أزمة شرعية في ظل الاتهامات المتزايدة الموجهة إليه بسوء إدارة الأزمة وعدم وضع استراتيجيات وحلول طويلة المدى لتفادي الأوضاع الحالية التي وُصفت بـ"غير المسبوقة"، كما أن تصريحات الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، التي تضمنت احتمالية إخلاء العاصمة، ترسخ فكرة فشل النظام في إدارة الأزمة، ما يهدد شرعية النظام ويزيد احتمالية انفجار الشارع الإيراني في حال تزايد موجات النزوح بسبب الأزمة.

إجمالًا، تأتي أزمة المياه غير المسبوقة في إيران بالتزامن مع إخفاقات النظام في الداخل والخارج، وشعور لدى المواطن الإيراني بوجود فشل في إدارة الملفات ذات الأولوية، خاصة فيما يتعلق بإدارة الملف النووي وعودة العقوبات، إضافة إلى إدارة ملف النفوذ الإقليمي الذي تراجع بشكل كبير مؤخرًا، فضلًا عن الأزمة الحالية التي تمس حياة المواطن بشكل مباشر، ما سيكون له ارتدادات خطيرة على النظام.

وقد يحاول النظام توظيف الأزمات الخارجية والأخطار المتزايدة التي تواجه الدولة الإيرانية في دعوة المواطنين للالتفاف حول النظام وتجاوز الأزمات الداخلية، لكن في المقابل هناك تكتلات معارضة للنظام ستستثمر هذه الأزمات التي تمس حياة المواطن للهجوم على سياسات النظام وفشله في إدارة الأزمات. وإضافة إلى الأزمات الداخلية، فمن المحتمل أيضًا اشتعال النزاعات الخارجية مع دول الجوار "أفغانستان وتركيا" المشتركة معها في الأنهار للحصول على حصتها المائية.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء