معادلة ما بعد الاغتيال: إسرائيل تضرب وحزب الله يراهن على الصبر التكتيكي
في ظل الضربات المستمرة من جانب إسرائيل على حزب الله والضغوط الأمنية التي تستهدف قدراته وقياداته، خاصة بعد اغتيال القيادي في حزب الله هيثم علي الطبطبائي، والذي يُصنّف كرقم اثنين في الحزب بعد الأمين العام نعيم قاسم، ولديه خبرة عملياتية كبيرة داخل الحزب حيث شارك في عمليات في سوريا واليمن وقاد وحدات النخبة مثل قوة "رضوان" ووحدة العمليات.
وجاء استهداف الطبطبائي في غارة جوية استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت "حارة حريك"، ما يؤشر إلى أن إسرائيل تؤكد أنها تستهدف قادة الحزب العسكريين وعقوله الأمنية، بعدما كشف أخيرًا أنها تملك معلومات عن أن حزب الله يعيد بناء قدراته وبناه العسكرية وتنظيمه، وهو ما يعيد بيروت وضاحيتها إلى دائرة الأهداف الإسرائيلية.
الرسائل المحتملة من الاستهداف
لا يمكن اعتبار واقعة استهداف هيثم الطبطبائي أنها تأتي في سياق منفصل عن التصعيد المستمر الذي تشنه إسرائيل ضد حزب الله والضغوط الحدودية التي تمارسها، في ظل تصدير صورة عن اتجاه حزب الله لإعادة بناء قدراته، وأن الخطوات التي تتخذها إسرائيل تأتي في إطار منع هذه المحاولات، إضافة إلى عدة رسائل ترسلها إسرائيل.

يأتي على رأس هذه الرسائل أن الاختراق الذي حققته إسرائيل داخل الحزب لا يزال قائمًا، خاصة بعد اغتيال هيثم الطبطبائي، ما يعني امتلاك القدرة على استهداف القادة الكبار داخل الحزب وإرباك الهيكل التنظيمي، والوصول إلى أعلى المستويات داخل الهيكل القيادي لحزب الله، وهو ما يجعلها قادرة على تعزيز الردع والوصول إلى القيادة.
ومن الرسائل أيضًا التي تريد إسرائيل إرسالها، أنها مستمرة في الضغط على محاولات بناء قدرات الحزب، وقدرتها على الوصول للقائمين على عملية ترميم القدرات، خاصة وأن مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، في بيان، قال إن القيادي المستهدف هو من "يقود عملية بناء قدرات حزب الله وإعادة تسليحه"، وأن إسرائيل "مصمّمة على العمل لتحقيق أهدافها، في أي مكان، وفي أي وقت".

وتشمل الرسائل الإسرائيلية التأكيد على قدرة تل أبيب على إعادة التصعيد في حال إعادة التحركات من جانب حزب الله، وأن لجوء تل أبيب إلى تغيير قواعد الاشتباك أمر وارد في أي وقت، وبالتالي فإن عمليات استهداف أماكن أو منشآت حساسة أو قيادات عليا أمر وارد في أي وقت.
البيانات التي أعقبت عملية اغتيال الطبطبائي أرادت من خلالها إسرائيل التأكيد على أنها تعمل ضمن استراتيجية أوسع تشمل التنسيق مع أطراف دولية أخرى لحفظ أمنها، حيث أفادت القناة الإسرائيلية "12" بأن استهداف هيثم الطبطبائي جاء بالتنسيق مع الجانب الأمريكي، وذلك قبل القصف الذي نفّذه الجيش الإسرائيلي على الضاحية الجنوبية لبيروت.
سيناريوهات الرد من جانب الحزب
تأتي سيناريوهات الرد المحتملة لحزب الله في إطار معرفة قدرات الحزب في المرحلة الحالية، ومدى استعداده للتصعيد، حيث إن التحركات الإسرائيلية أيضًا تأتي في إطار معرفة هذه القدرة، وهو ما كشفه تقرير لمعهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي "INSS"، والذي يوازن بين التهديدات المستقبلية وقدرات حزب الله الحالية.

ووفق التقديرات الإسرائيلية لقدرات حزب الله، فإن هناك تراجعًا في المناورة الواسعة، إضافة إلى أنه لم يعد جيشًا ضخمًا، وبالتالي فإنه غير قادر على تنفيذ غزو بري واسع للجليل، وذلك نتيجة الضربات التي تعرض لها الحزب مؤخرًا، ما أدى إلى أضرار كبيرة في الهيكل القيادي والعسكري للحزب، ما أفقده نسبة كبيرة من قدراته العملياتية.
ومن أسباب الضعف أيضًا فقدان الحزب للعمق السوري بعد سقوط نظام بشار الأسد، إضافة إلى أن المشاركة في الصراع السوري أضعفت قدرة الحزب على التركيز بشكل كامل على الجبهة الإسرائيلية وأدت إلى استنزاف جزء من قوته وخبراته القتالية، مما أثر على قدرته على شن مناورة عسكرية واسعة ضد إسرائيل.
ووفق هذه التقديرات فإن رد فعل الحزب على الضغوط الإسرائيلية ينحصر في رد فعل محدود وتصعيد محسوب لعدم الانزلاق إلى حرب شاملة، وهو الأمر الذي قد تكون تكلفته عالية جدًا على الحزب سواء على الصعيد الميداني أو الداخل اللبناني، ولذلك فإن الرد قد يكون رمزياً يقتصر على إطلاق صواريخ لاستعراض القوة وعدم مهادنة الحزب في استهداف قياداته ومنشآته والمساس بقدراته.

قد يلجأ الحزب أيضًا إلى الاستمرار في استراتيجية "الصبر التكتيكي" لعدم إعطاء ذرائع لإسرائيل التي تستهدف تراكم القوة لدى الحزب، في الوقت الذي يسعى فيه الحزب إلى هذا التراكم، وبالتالي فإن التصعيد غير المحسوب قد يوسع المواجهة التي ستقضي على خطوات الحزب بعد وقف إطلاق النار لتعزيز قدراته.
السيناريو الآخر هو تفعيل فكرة الإسناد من جانب جبهات أخرى داخل ما يُسمى بـ"محور المقاومة"، والجبهة الأقرب لهذا الإسناد هي جبهة الحوثيين التي قد تعيد استهداف الداخل الإسرائيلي لتخفيف الضغط العسكري المتصاعد ضد الحزب خلال هذه المرحلة، خاصة وأن إسرائيل تستغل حالة سكون هذه الجبهات في التصعيد ضد الحزب.

قد يلجأ الحزب أيضًا إلى التلويح بورقة السلاح وعدم تعاونه مع الحكومة اللبنانية في خطة نزع السلاح، وهي ورقة تهتم بها العديد من الأطراف، حيث تمارس إسرائيل والولايات المتحدة ضغوطًا متزايدة على لبنان لنزع سلاح الحزب، وأصدر الجيش اللبناني خطة وافقت عليها الحكومة لنزع السلاح بحلول نهاية العام في جميع أنحاء البلاد، وذلك في الوقت الذي تقول فيه إسرائيل إن حزب الله يحاول إعادة بناء قدراته العسكرية في جنوب لبنان، وهو ما نفته الحكومة اللبنانية.
وختامًا:
يمكن القول إن عملية اغتيال هيثم الطبطبائي ليست عملية منفصلة عن السياق الاستراتيجي الذي تتحرك فيه إسرائيل، والذي يستهدف دائرة النار التي تحيط بتل أبيب ويستهدف تقييد قدرات حزب الله بعد وقف إطلاق النار، كما أنها تحمل رسائل متعددة بالقدرة الإسرائيلية على إلحاق أضرار كبرى بالحزب. وفي المقابل، فإن سيناريوهات الرد من جانب الحزب تبقى محصورة في الرد المحدود، أو الصبر الاستراتيجي، أو إسناد من جانب الحوثيين لتخفيف الضغط، لتوفير مساحة للحزب في مرحلة بناء القدرات.



