رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

معركة الشفافية النووية: مخاوف غربية ورفض إيراني متزايد

المرشد الأعلى للثورة
المرشد الأعلى للثورة الإيرانية - أرشيفية

تواصل الدول الغربية ضغوطها على إيران فيما يتعلق بالملف النووي، وذلك في ظل قلق هذه الدول من اقتراب طهران من العتبة النووية، حيث تبنّى مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية قرارًا يطالب إيران بأن تبلغ الهيئة التابعة للأمم المتحدة – دون تأخير – بحالة مخزونها من اليورانيوم المخصب ومواقعها الذرية التي تعرضت للقصف.

وفي بيان موجّه إلى مجلس المحافظين، قالت الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا: "رسالتنا واضحة: يجب على إيران حل قضايا الضمانات دون تأخير. ويجب عليها تقديم تعاون عملي من خلال إتاحة الوصول وتقديم الإجابات وإعادة المراقبة لتمكين الوكالة من أداء عملها والمساعدة في بناء الثقة".

دول الترويكا الأوروبية
دول الترويكا الأوروبية

واعتمد القرار الذي قدمته الولايات المتحدة والترويكا الأوروبية "فرنسا وبريطانيا وألمانيا" خلال اجتماع مجلس المحافظين بالعاصمة النمساوية فيينا بأغلبية 19 صوتًا مقابل 3 أصوات معارضة (روسيا والصين والنيجر) وامتناع 12 صوتًا، وينص القرار على مطالبة طهران بتعاون فوري وكامل مع الوكالة بخصوص المواقع النووية التي تعرضت للقصف في يونيو الماضي، والمخزون من اليورانيوم المخصب الذي لم تتمكن الوكالة من التحقق منه منذ أشهر.

ترسيخ الصلاحيات الرقابية

إلى جانب الضغوط التي تمارس على إيران ومنعها من الوصول إلى العتبة النووية، فإن القرار يحمل أيضًا رغبة غربية في ترسيخ صلاحيات الوكالة كجهة رقابية على البرنامج النووي الإيراني، وعدم إتاحة الفرصة لإيران للمساومة على صلاحيات الوكالة أو استخدامها كورقة للتفاوض من خلال تقليص صلاحياتها أو منعها من الوصول إلى منشآت نووية.

وتشمل صلاحيات الوكالة ضمانات فنية وقانونية تتيح لها التحقق من أن المواد النووية المستخدمة من جانب الدول الأعضاء تُستخدم لأغراض سلمية، وذلك من خلال مجموعة من التدابير التقنية، أو الضمانات، للتأكد من وفاء الدول بالتزاماتها القانونية الدولية باستخدام المواد والتكنولوجيا النووية للأغراض السلمية فقط. ويتيح عملها المستقل في مجال التحقق للوكالة القيام بدور لا غنى عنه في منع انتشار الأسلحة النووية.

اجتماع وزراء خارجية الترويكا مع وزير الخارجية الإيرانية - أرشيفية
اجتماع وزراء خارجية الترويكا مع وزير الخارجية الإيرانية - أرشيفية

وينظر المجتمع الدولي إلى ضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية باعتبارها ركنًا أساسيًا من أركان نظام الأمن الدولي، حيث إن معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية (NPT) تعد حجر الزاوية في الجهود العالمية الرامية إلى منع انتشار الأسلحة النووية، وبموجب المادة الثالثة من المعاهدة، يُطلب من كل دولة غير حائزة للأسلحة النووية إبرام اتفاقية ضمانات مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

ومن خلال ترسيخ صلاحيات الوكالة، تريد الدول الغربية إجبار إيران على تقديم الشفافية الكاملة حول برنامجها النووي ومخزونها من اليورانيوم، خاصة في المواقع التي تعرضت للقصف، وهي المواقع التي تمنع إيران الوكالة الدولية للطاقة الذرية من الوصول إليها منذ نهاية حرب الاثني عشر يومًا في يونيو الماضي.

وتأتي هذه الخطوة بمثابة أداة ضغط على إيران قبل أي محادثات أو مفاوضات، خاصة إذا كان القرار يهدف إلى تجديد وتعديل تفويض الوكالة للإبلاغ عن جوانب البرنامج النووي الإيراني، مع التأكيد على ضرورة أن تقدم إيران إجابات سريعة وتتيح للوكالة الوصول إلى ما تطلبه، بعد مرور خمسة أشهر على الهجمات التي شنتها إسرائيل والولايات المتحدة، وفي ظل تصاعد التوترات بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية
المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية

ويكشف القرار عن القلق من تداعيات انقطاع التفتيش ومنع وصول الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى منشآت نووية، لما تمثله عمليات انقطاع التفتيش أو منعه من تعزيز لحالة الغموض النووي، حيث إن فريق الوكالة يفقد جزءًا مهمًا من القدرة على التأكد مما إذا كانت جميع المواد النووية لا تزال موجودة، ولم يتم تحويلها أو إعادة توطينها بطريقة غير معلنة، وبالتالي فإن ترسيخ الصلاحيات الرقابية يساعد الوكالة على استعادة رؤيتها لما يجري داخل هذه المواقع.

خيارات الرد الإيراني

جاء رد الفعل الإيراني على القرار غاضبًا، وهو أمر متوقع باعتبار أن إيران ترى أن هناك انحيازًا  كاملًا ضدها، إضافة إلى أزمة الثقة التي تزداد بين طهران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، ولذلك اعتبرت إيران أن القرار يعبر عن اتجاه الغرب إلى التصعيد، وأن الدوافع وراءه هي دوافع سياسية بحتة.

واعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي أن الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا تسعى إلى "التصعيد"، معلنًا أن اتفاق القاهرة لم يعد قائمًا بعد اعتماد الوكالة الدولية للطاقة الذرية قرارًا جديدًا يطالب طهران بالتعاون الكامل في مراقبة منشآتها النووية، مشيراً إلى أن دول الترويكا (فرنسا وألمانيا وبريطانيا) والولايات المتحدة تبحث عن التصعيد، فهي تعرف جيدًا أن النهاية الرسمية لاتفاق القاهرة هي نتيجة مباشرة لاستفزازاتها".

المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية
المؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية

ويعد إعلان إيران إلغاء اتفاق القاهرة أول الأوراق التي تستخدمها أمام الضغوط الغربية، حيث إنها تعيد العلاقة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية إلى ما قبل الاتفاق وتعليق التعاون، وذلك ردًا على قرار مجلس محافظي الوكالة الذي اعتبرته "غير قانوني وغير مبرر"، وأنه جاء نتيجة السلوك غير المسؤول للغرب، وأن اتخاذ هذا القرار جاء نتيجة ضغوط الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وبريطانيا.

ولم يقتصر رد الفعل الإيراني على وزير الخارجية، حيث أدانت لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس النواب الإيراني بشكل قاطع القرار الذي اعتبرته مناهضًا لإيران، ووصفه إبراهيم رضائي، المتحدث باسم اللجنة، بأنه ذو دوافع سياسية وغير قانوني، مشددًا على ضرورة الرد بقوة، وذلك عقب جلسة استثنائية للجنة حضرها نائب وزير الخارجية الإيراني ونائب رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان

بعد تعليق "اتفاق القاهرة" ستسعى طهران إلى المطالبة بالحصول على ضمانات مقابل إعادة التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على أن تتمثل هذه الضمانات في الالتزام بعدم توجيه ضربات للمنشآت النووية مثلما حدث في حرب يونيو، ويبدو أن هذه النتيجة هي الأهم التي تريد إيران الوصول إليها، وقد تسعى إلى تحقيقها عبر وساطة دولة ثالثة للوصول لاتفاق على غرار "اتفاق القاهرة" لكن بشروط وضمانات.

ختامًا:

يمكن القول إن قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية والرد الإيراني يؤشران إلى الدخول في مرحلة جديدة من التصعيد المحسوب، فمن ناحية لا تريد الدول الغربية استخدام البرنامج النووي أو صلاحيات الوكالة الدولية للطاقة الذرية كورقة مساومة، وأيضاً تريد إنهاء مرحلة الغموض النووي بعد منع الوصول إلى المنشآت التي تعرضت للقصف في حرب يونيو.

كما أن رد الفعل الإيراني الغاضب تجاه القرار يأتي في إطار استراتيجية تفاوضية تعتمد خلالها إيران على التصعيد أو الرفض لرسم حدود جديدة للتفاوض، وبالتالي فإن كلا الطرفين يسعى إلى الضغط لتحسين شروط التفاوض حال بدء جولات جديدة من المحادثات أو المفاوضات.

محمد شعت*
كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء