رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الفرضيات الإسرائيلية لتفسير العلاقة بين الحكومة العراقية والحشد الشعبي

ميليشيات الحشد الشعبي
ميليشيات الحشد الشعبي في العراق - أرشيفية

أُجريت الانتخابات العراقية في 11 نوفمبر الماضي، والتي أسفرت نتائجها عن حالة ضعف عام تميزت به جميع القوى السياسية العراقية بلا استثناء، إذ لم ينجح أي من الأحزاب السياسية في تحقيق الأغلبية البسيطة التي تمكنه من استكمال الاستحقاقات الدستورية المترتبة على نتائج الانتخابات، مثل انتخاب رئيس مجلس النواب، واختيار رئيس الجمهورية، وأخيرًا تكليف رئيس الوزراء.

حالة الضعف التي تعتري المشهد الحزبي العراقي حاليًا من شأنها تعزيز أدوار الفاعلين من غير الأحزاب والقوى السياسية في الداخل العراقي، وعلى رأسها الحشد الشعبي الذي بات جزءًا لا يتجزأ من النظام السياسي العراقي، وموازيًا من حيث دوره دور الجيش العراقي ومؤسساته الأمنية. إذ أدى حالة التفكك السياسي العراقي في عام 2014 وتدهور الجيش وتراجعه أمام هجمات تنظيم داعش إلى تأسيس ما يسمى الحشد الشعبي، وذلك بعد فتوى المرجع الشيعي العراقي آية الله علي السيستاني، والذي طالب فيها بتحقيق "فرض الجهاد الكفائي" في 13 يونيو 2014.

محمد شياع سوداني والمرشد الإيراني
محمد شياع سوداني والمرشد الإيراني

وبتلك الفتوى تأسس ما يسمى "الحشد الشعبي"، الذي يتألف من معظم الميليشيات الشيعية العراقية والتي تعلن أنها موالية لنظام الفقيه في طهران. وخلال السنوات الممتدة من عام 2014 إلى اليوم، سعى الحشد الشعبي إلى تحقيق المأسسة واكتساب الصفة الشرعية على ميليشياته من خلال استصدار العديد من القوانين التي تحدد أطر عمله ووظائفه، والتي كان آخرها مشروع القانون الذي تقدم به رئيس الحشد فالح الفياض في أغسطس 2025، والذي يهدف إلى اعتبار قوات الحشد موازية للجيش العراقي من ناحية، واكتساب المزيد من المزايا المالية لأعضائه بتوفير رواتب خاصة ومعاشات تعاقدية للعناصر التي أتمت سن المعاش الرسمي.

حالة "الحشد الشعبي" كانت دافعًا للعديد من الباحثين في مختلف الدول لدراسة تلك الظاهرة، والتي تحول فيها ميليشيات خارجة عن القانون إلى قوات معترف بها قانونيًا. وهذا ليس فحسب، بل أيضًا الولاءات التي يكنها أفراده؛ فرغم خطوات المأسسة، إلا أن ثمة ولاءات يكنها قادة الميليشيات لدول خارج العراق، حيث إيران، التي سعت منذ اليوم الأول لتدريب ودعم عناصر الحشد، وتسعى حاليًا إلى تحويله إلى مؤسسة عامة في الحكومة العراقية، وبالتالي باتت طهران تمتلك كيانًا رسميًا يعبر عن مصالحها داخل الحكومة العراقية نفسها.

الانتخابات البرلمانية العراقية 
الانتخابات البرلمانية العراقية 

وفي هذا الإطار، اندفعت الباحثة بمركز برنامج إيران والمحور الشيعي في معهد دراسات الأمن القومي، يارون شنايدر، إلى دراسة العلاقات الناشئة بين الحشد الشعبي منذ تأسيسه وبين الحكومة العراقية، وأسباب ترسيخ مكانة المنظمة سياسيًا وقانونيًا، على الرغم من كونها تقوض السيادة الوطنية العراقية.

التفسير العلمي

ترى شنايدر أنه توجد فرضيتان أساسيتان يمكن التعويل عليهما في تفسير العلاقة بين الحكومة العراقية والحشد: الأولى موقف الدولة المتردي والحاجة الماسة إلى حسم عسكري مناسب في ظل فشل القوات النظامية في تحقيق ذلك، أما الفرضية الثانية فهي متعلقة بشبكة العلاقات التي تطورت عبر مر السنين بين الحكومة العراقية والنظام الإيراني والميليشيات الشيعية.

الانتخابات البرلمانية العراقية 
الانتخابات البرلمانية العراقية 

جذور نشأة الحشد

تشير الباحثة الإسرائيلية إلى أن الوضع العراقي مختلف عن بقية دول العالم؛ ففي الدول التي تواجه صعوبات أمنية وعسكرية، تلجأ إلى الاستعانة بالميليشيات المسلحة، ثم بعد ذلك تعيد هيكلة تلك الميليشيات عقب انقضاء الغرض منها في صفوف قواتها المسلحة. أما التجربة العراقية فتُظهر العكس؛ إذ تقوض تلك الميليشيات السيادة الوطنية بدعم وتمويل من الحكومة المركزية. فنحن بصدد دولة تخدم الميليشيات لا الميليشيات هي التي تخدم الدولة.

أسباب نشأة الحشد

أولًا: مسؤولية بول بريمر

ترجح الباحثة جذور مشكلة الحشد الشعبي إلى الفترة التي أعقبت انهيار نظام صدام حسين، إذ تسارع الحاكم الأمريكي للعراق في ذلك الوقت، بول بريمر، إلى إيجاد نظام سياسي بديل قائم على أسس الديمقراطية الغربية يراعي تمثيل كافة الفئات المجتمعية في النظام السياسي الجديد، وهو ما تجلى في الدستور العراقي الذي تم الاستفتاء عليه في عام 2005.

 

ساهم التسرع والاهتمام بتشكيل أطر النظام السياسي الجديد في إهمال النظام الأمني للبلاد، إذ باتت هناك فجوة كبيرة، إذ فشلت الحكومات الوليدة بعد انهيار نظام صدام حسين في فرض سيادتها الكاملة على جميع أنحاء البلاد، مما عزز فرصة تكوين ميليشيات مسلحة متنوعة تعبر عن جميع الفئات السكانية في العراق، فتقريبًا كل مكونات الشعب العراقي لجأت في ذلك الوقت لتأسيس ميليشياتها الخاصة.

ثانيًا: استبعاد عناصر البعث

تشير الباحثة إلى أن أحد الأسباب غير المباشرة لنشوء الميليشيات هو استبعاد العناصر الأمنية والعسكرية التي كانت تعمل تحت مظلة نظام صدام حسين من النظام الجديد، وتعاونها بشكل موسع مع العناصر المعارضة لنظام البعث، الذي كان عبارة عن ميليشيات تابعة للنظام. إيران كانت أحد الأسباب التي أدت إلى ذلك.

وجدير بالذكر أن ظاهرة الميليشيات الشيعية العراقية قديمة منذ ثمانينيات القرن العشرين، إذ سعت إيران لتدريب ميليشيات عراقية مناهضة مثل فيلق بدر.

ساهم استبعاد عناصر البعث من النظام الجديد في تنامي شعور الغبن السياسي من الأقلية السنية في البلاد وشعورها بطغيان المكون الشيعي، الأمر الذي دفع عناصر البعث للتعاون مع الجماعات الإسلامية السنية إلى شن هجمات مضادة للنظام الجديد ذو المكون الشيعي، مما ترتب عليه بروز الميليشيات الطائفية في العراق، خاصة الشيعية، والتي أدخلت البلاد في عام 2008 إلى نفق الحرب الأهلية، خاصة في ظل ضعف الحكومة الجديدة في بسط سيطرتها الكاملة على كافة الأقاليم في البلاد.

وبرز في هذا الإطار ما يُسمى "كتائب حزب الله" العراقي، الذي تأسس ما بين عامي 2007 و2008 برعاية إيرانية، والذي تركزت أعماله على استهداف المجمعات السنية والقوات الأمريكية، ملبّياً في ذلك الوقت طموحات الحكومة الإيرانية ومقوضًا للحكومة العراقية.

ثالثًا: فقدان الأجهزة الأمنية للشرعية الشعبية

اتضح سوء الخطة الأمريكية لإدارة العراق في مرحلة ما بعد صدام حسين، خلال عام 2011، أي بعد تحقيق الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق، فقوات الجيش العراقي لم تكن قادرة على مواجهة المد المتزايد لهجمات تنظيم داعش، والذي نجح خلال شهور قليلة من عام 2014 في اقتطاع أجزاء كبيرة من التراب العراقي، كمدينة الموصل.

كما أن الأجهزة الأمنية العراقية، التي أشرفت واشنطن على تأسيسها، واجهت مشكلة كبيرة في دمج مكونات الشعب العراقي (السنة والشيعة والأكراد) في أروقتها، الأمر الذي أفقدها الشرعية بين مختلف الجماعات العراقية، إذ تم حرمان المكون السني من المشاركة في صناعة القرار الأمني، مما دفع العديد من عناصره للانخراط في صفوف التنظيمات الإرهابية الموالية للقاعدة وداعش.

أما المكون الكردي فقد اعتبر سقوط النظام فرصة مواتية لتوسيع الحكم الذاتي للأكراد، مع الاحتفاظ بالميليشيات الكردية (البشمركة) التي عملت في السابق ضد نظام صدام حسين. أما الأغلبية الشيعية، فكانت التباينات السياسية بين عناصرها دافعًا لتقسيم المسؤولية الأمنية بين الميليشيات المسلحة بدلًا من توحيدها.

رابعًا: الإجراءات القمعية لحكومة نوري المالكي

ساهمت الإجراءات القمعية التي اتخذتها حكومة رئيس الوزراء العراقي الأسبق نوري المالكي في تغول وتوحش التنظيمات الإرهابية، الأمر الذي جعلها قادرة على تدمير قدرات الجيش العراقي رغم تلقيه تدريبات ومساعدات أمريكية، وهو ما أتاح الفرصة أمام الميليشيات الشيعية لتولي زمام المبادرة بدلًا عن الجيش العراقي المنهار.

كتائب حزب الله في العراق
كتائب حزب الله في العراق

مكاسب "الحشد الشعبي"

حقق الحشد الشعبي من مشاركته في مواجهة تنظيم داعش في الموصل عام 2014 العديد من المكاسب المادية والسياسية والاقتصادية، أهمها:

1- إعادة تصنيف الحشد كونه قوة عسكرية تدافع عن العراق ودول المنطقة ضد أخطار تنظيم داعش، والاشتراك في الجهود الدولية المبذولة لمجابهة التنظيم.

2- الحصول على دعم الدولة العراقية، بتكوين جامعة للميليشيات العراقية، وأصبحت تلك الميليشيات ضمن منظومة الأمن القومي العراقي، مما استدعى تدخل الحكومة العراقية لدعم الحشد ماليًا، حيث تم إنشاء شركة حكومية لتمويل أنشطة الحشد تحت اسم "شركة المهندس"، تيمّنًا بأبو علي المهندس، أول قائد للحشد، والذي اغتيل مطلع عام 2020 رفقة قائد فيلق القدس قاسم سليماني بالقرب من مطار بغداد.

كتائب حزب الله في العراق
كتائب حزب الله في العراق

3- تكييف الوضع القانوني للحشد، ففي عام 2016 صدر تشريع يجعل الحشد جزءًا لا يتجزأ من القوات الحكومية، ويتبع رئيس الحشد رئيس الوزراء مباشرة، وترسل تقارير الحشد مباشرة إلى رئيس الحكومة.

4- مكّن الوضع القانوني الذي أُقر في عام 2016 الحشد من عقد صفقات التسليح وشراء المعدات العسكرية على غرار وزارة الدفاع العراقية.

5- بعد انتهاء عمليات القتال ضد داعش، تحول الحشد إلى فاعل رئيس في الحياة السياسية العراقية، إذ بات يلعب دور الضابط للحياة السياسية، من خلال عدة تطورات، أبرزها التصدي لقمع الاحتجاجات الوطنية والتدخل في عام 2022 في تشكيل حكومة محمد شياع السوداني، بعد مواجهات دامية مع أنصار الزعيم الشيعي مقتدى الصدر غير الموال لإيران.

كتائب حزب الله في العراق
كتائب حزب الله في العراق

6- تعزيز مكانة الحشد بمشروع قانون تم التقدم به في صيف 2025، يحمل سلطات أوسع للحشد، إذ ينفي أولًا صفة قوات الطوارئ على الحشد، ويحوّله إلى مؤسسة دائمة تعمل على حفظ النظام السياسي.

ختامًا:

أفضت الدراسة البحثية الإسرائيلية إلى أن الحكومات العراقية منذ نشأتها بعد سقوط نظام صدام حسين هي من سمحت بنشأة الميليشيات وتعاظم الدور الإيراني في دعم تلك الميليشيات، وذلك لاعتماد الحكومة العراقية على إيران في جملة أمور، أبرزها قطاع الطاقة والكهرباء والغاز، وشيئًا فشيئًا تحولت إيران إلى دولة راعية للعراق.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء