رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

إعادة الهيكلة العسكرية: كيف تواجه إيران احتمالات التصعيد الإسرائيلي؟

البرنامج الصاروخي
البرنامج الصاروخي الإيراني - أرشيفية

ظهرت العديد من المؤشرات على اتجاه إيران إلى إعادة بناء قدراتها العسكرية، وذلك عقب حرب يونيو مع إسرائيل، والتي عُرفت أيضًا بحرب الاثني عشر يومًا، والتي تعرضت فيها إيران لضربات جوية إسرائيلية واسعة على منشآت استراتيجية داخل الأراضي الإيرانية، بما في ذلك مواقع صاروخية ومنصات إطلاق صواريخ ومواقع نووية، فضلًا عن استهداف قيادات داخل الأجهزة الأمنية، ما يعني تضرر القدرات العسكرية الإيرانية بشكل كبير.

ورغم الخسائر التي تعرضت لها إيران خلال الحرب، إلا أنها دفعت النظام الإيراني إلى إعادة تقييم قدراته الدفاعية وقوته العسكرية ومنظومته الأمنية، والسعي إلى تعزيز منظومة الردع وتطوير الصناعات العسكرية وتقليل الاعتماد على الخارج، وهو الأمر الذي تعلنه قيادات عسكرية إيرانية تؤكد جاهزيتها لأي جولة مقبلة مع إسرائيل. 

قائد الوحدة الصاروخية في الحرس الثوري- العميد مجيد موسوي
قائد الوحدة الصاروخية في الحرس الثوري- العميد مجيد موسوي

وأبدت تقارير إسرائيلية قلقها من أن أجهزة الاستخبارات الغربية رصدت ارتفاعًا ملحوظًا في دخول مواد ذات استخدام مزدوج إلى إيران. وتتركز المخاوف الكبرى حول "بيركلورات الصوديوم"، وهي مادة يتم تحويلها إلى "بيركلورات الأمونيوم"، المُكوّن الأساسي في وقود الصواريخ الباليستية العاملة بالوقود الصلب، إضافة إلى إرسال شحنات من الموانئ الصينية إلى بندر عباس تُقدّر بـ10 و12 شحنة، تحمل أكثر من ألفَي طن من المواد اللازمة لإنتاج الوقود الصاروخي، وهي من كبرى الشحنات المسجّلة في السنوات الأخيرة.

مؤشرات إعادة بناء القدرات العسكرية

تتضمن مؤشرات إعادة بناء القدرات العسكرية عدة جوانب، على رأسها إعادة الهيكلة الأمنية ورفع قدرات الحرس الثوري واستعداداته القتالية، وهو ما جاء على لسان نائب قائد "الحرس الثوري" الجنرال علي فدوي، الذي قال إن قواته زادت من قدراتها القتالية بما يفوق حرب الـ12 يومًا مع إسرائيل في يونيو، مؤكدًا أن استعدادات الحرس الثوري أصبحت أكبر مما كانت عليه قبل ذلك، مُصدرًا أوامر لوحداته في أنحاء البلاد للاستنفار والإبقاء على الجاهزية الحربية. 

ومؤخرًا اعتبر المتحدث باسم "الحرس الثوري" الجنرال علي محمد نائيني أن قواته تستعد لمواجهة أكثر تعقيدًا من حرب الـ12 يومًا بين إيران وإسرائيل، إلا أنه أكد في الوقت نفسه أن إسرائيل ليست في وضع يسمح لها بالحرب في الوقت الراهن، وأن ما يُطرح حاليًا ليس سوى عمليات نفسية وحرب إدراكية أكثر منه تعبيرًا عن واقع ميداني، معتبرًا أن الاستراتيجية الإسرائيلية هي الإبقاء على ظل الحرب فوق البلاد، وخلق حالة "لا حرب ولا سلم". 

قيادات الحرس الثوري الإيراني - أرشيفية
قيادات الحرس الثوري الإيراني - أرشيفية

وفي إطار إعادة بناء القدرات، تسعى إيران إلى توسيع قدراتها الهجومية، وذلك وفق ما قاله نائب قائد مقر "ثار الله" التابع للحرس الثوري الإيراني حسين نجاة، الذي اعتبر أن القوة الهجومية للبلاد زادت عشرة أضعاف منذ الحرب، وأن التحسينات امتدت إلى ما هو أبعد من أنظمة الأسلحة لتشمل الخطط العملياتية المحدَّثة والتدريبات المنظمة، والتي قال إنها ستسمح لإيران بتوجيه ضربات أقوى إلى المراكز الحساسة لإسرائيل إذا استؤنف الصراع.

وفي ذات السياق نقلت تقارير إيرانية عن وزير الدفاع الإيراني، عزيز نصير زاده، قوله أمام مجلس الشورى الإسلامي، إن الإنتاج الدفاعي الإيراني شهد زيادة ملحوظة كمًّا ونوعًا مقارنةً بفترة ما قبل حرب الأيام الاثني عشر، كما أعلن عن تعاون وزارة الدفاع مع أكثر من 8200 شركة خاصة ومعرفية، وتوطين مئات القطع والمعدات الدفاعية، وأن إجمالي الإنتاج الدفاعي للبلاد أعلى كمًّا ونوعًا مما كان عليه قبل حرب الاثني عشر يومًا.

القدرات العسكرية الإيرانية
القدرات العسكرية الإيرانية

ويأتي تطوير القدرات الصاروخية ضمن تحركات إيران لإعادة بناء قدراتها، وهو ما بدا خلال مناورة عسكرية في خليج عمان وشمال المحيط الهندي بعد حرب يونيو، وحاولت خلالها إظهار عزم طهران على قدرتها على الصمود والردع البحري بعد أسابيع فقط من حرب إقليمية شديدة، حيث أطلقت سفن البحرية الإيرانية صواريخ كروز من طرازي "قدير" و"ناصر" ذات المدى البعيد والقصير.

وحاولت إيران من خلال هذه المناورات إرسال إشارات بقدرتها على إظهار القوة والقدرة على تهديد المصالح الإقليمية مع تجنب المواجهة العسكرية مع الولايات المتحدة وإسرائيل، إضافة إلى تعزيز الردع وإبراز القوة للجمهور الأجنبي والمحلي، كما أرسلت رسالة بأن من تولَّى قيادة المناورات هي البحرية الإيرانية، وليس بحرية الحرس الثوري، لإبراز مرونة القوات المسلحة النظامية لطهران، والتأكيد على أن قدراتها العسكرية التقليدية لا تزال فعّالة.

البرنامج الصاروخي الإيراني - أرشيفية 
البرنامج الصاروخي الإيراني - أرشيفية 

وبالنظر إلى الإمكانات التي أظهرتها المناورات، يتبين أن التمرين لا يخدم فقط الردع، لكنه يظهر أيضًا القدرة المرنة على استخدام كل أدوات القوة سواء البحرية النظامية أو منظومات الصواريخ أو الحرب الإلكترونية أو الطائرات المسيّرة، فضلًا عن إظهار أن القوة المركزية لا تزال مركزية، والتأكيد على أن إيران تعزز مكانتها كدولة لديها جيش منظم وقوة بحرية، ما يرسخ وجودها كـ"دولة نظامية" بعيدًا عن سياستها اللادولتية.

أهداف بناء القدرات

في ظل الواقع المضطرب الذي تعيشه المنطقة، ومحاولات فرض واقع جديد ليس بعيدًا عن إيران بل تجد طهران نفسها في القلب منه، ليس فقط على صعيد وجودها كدولة، ولكن أيضًا وجود مشروعها ومحورها في المنطقة، والعمل على تقويض نفوذها الذي رسخته في عدد من الدول؛ تسعى إيران من خلال بناء القدرات إلى تحقيق عدة أهداف يأتي على رأسها التحول من سياسة الدفاع إلى الهجوم في ظل حالة التوتر الدائم مع إسرائيل والغرب واحتمالية تجدد الصراع في أي وقت.

 القدرات العسكرية الإيرانية
 القدرات العسكرية الإيرانية

تتضمن الأهداف أيضًا تحقيق القدرة على التأثير الإقليمي من خلال تطوير القدرات الهجومية، وهو ما بدا من خلال المناورات وإظهار القدرة المرنة والمتنوعة لاستخدام القدرات العسكرية، خاصة القدرات الصاروخية التي تعتبرها إيران أهم قدراتها على إحداث التأثير الإقليمي وتحقيق الردع من خلال تهديد قدراتها الصاروخية للمصالح الغربية ودول الإقليم على حد سواء، كما إن إظهار تطور القدرات الهجومية له أهداف تكتيكية تتمثل في إرسال إشارات بإمكانية تهديد قواعد وإمداد السفن في المضائق الاستراتيجية.

القدرات العسكرية الإيرانية
القدرات العسكرية الإيرانية

ومن خلال إظهار هذه القدرات، تسعى إيران أيضًا إلى ترسيخ استراتيجية الردع، وذلك من خلال إظهار الاستفادة من تجربة حرب الـ12 يومًا لتعزيز قدراتها لمنع أي ضربات مستقبلية وصد أي محاولات تستهدف المنشآت الاستراتيجية، وإن كان إظهار ذلك يبدو من خلال التدريبات والمناورات وأيضًا تصريحات القادة العسكريين باستعداد إيران لردع أي هجوم مستقبلي في ظل ارتفاع مستوى الاستعداد بشكل أكبر من مستوى حرب يونيو، والاستعداد أيضًا لصراع أكثر تعقيدًا.

ختامًا:

 يمكن القول إن حرب الـ12 يومًا كانت بمثابة جرس إنذار لإيران لتعزيز قدراتها العسكرية والاستفادة من التجربة، ما دفعها إلى إعادة البناء بشكل ممنهج يبدأ من إعادة الهيكلة العسكرية وتوظيف القوة العسكرية التقليدية المتمثلة في الجيش وتعزيز المرونة العملياتية للقوات المسلحة بهدف تعزيز الردع الاستراتيجي والقدرة على التأثير الإقليمي، والاستعداد لأي مواجهة محتملة، خاصة في ظل التوقعات المستمرة باشتعال الصراع في ظل التوتر الدائم مع الغرب وإسرائيل، ما يدفعها إلى توازن الردع والهجوم وتعويض تآكل محورها في المنطقة، وإن كانت كل هذه التحركات تصطدم بالعديد من التحديات التي تتمثل في العقوبات والقيود الدولية، وقدرة إسرائيل والولايات المتحدة على ردع هذه التطورات.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء