روايات متضاربة حول النووي الإيراني: رسائل مرتبكة أم تكتيك تفاوضي؟
شهد الملف النووي الإيراني تضاربًا لافتًا في الروايات الرسمية الإيرانية بشأن احتمالية وقف تخصيب اليورانيوم. فبعدما نقلت صحيفة "اعتماد" الإيرانية عن فاطمة مهاجراني المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية قولها: إن "تخصيب اليورانيوم لا يتم حاليًا، وتتم دراسة احتمالية إيقاف عملية التخصيب تمامًا، تماشيًا مع المصالح الوطنية"، سارعت وكالة أنباء "فارس" الرسمية إلى نفي هذه التصريحات ولكن على لسان مصدر لم تذكر اسمه.
وتأتي هذه الخطوة في ظل إشارات أمريكية إلى أن إيران تريد التفاوض، ومن الممكن الوصول للاتفاق، ولذلك قد يُقرأ هذا التناقض ضمن سياقين: إمّا أنه اضطراب في إدارة الرسائل السياسية داخل طهران، وإمّا أنه مناورة تفاوضية محسوبة تهدف إلى رفع سقف الإشارات ثم سحبها لقياس ردود الفعل الدولية، وأيضًا ردود أفعال الداخل الإيراني.
سياق الروايات المتضاربة
جاءت رسائل إمكانية وقف تخصيب اليورانيوم في تصريحات نقلتها صحيفة "اعتماد" الإيرانية عن فاطمة مهاجراني، المتحدثة باسم الحكومة، والتي قالت فيها: "إن تخصيب اليورانيوم لا يتم حاليًا، وتتم دراسة احتمالية إيقاف عملية التخصيب تمامًا تماشيًا مع المصالح الوطنية".

وإلى جانب أن تصريحات فاطمة مهاجراني تأتي باعتبارها متحدثة باسم الحكومة الإيرانية، ما يعطي طابعًا رسميًا لهذه التصريحات، فإنها أسندت تقييم المسألة إلى مؤسسات رسمية إيرانية، حيث قالت إن الهيئات التي تقيّم المسألة، وهي منظمة الطاقة الذرية بالبلاد، ووزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي، ستقرر الأفضل من أجل البلاد.
سبق هذه التصريحات أيضًا إشارات من جانب مستشار للمرشد الإيراني علي خامنئي، حيث نقلت وسائل إعلام إيرانية عن المستشار كمال خرازي قوله: "إن طهران مستعدة لاستئناف المحادثات النووية مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وإن إيران ستكون مستعدة كذلك للتفاوض على خفض درجة التخصيب"، وهي الرسائل والإشارات التي تتفق مع تصريحات فاطمة مهاجراني المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية.
خرازي قال أيضًا في تصريحات خاصة لشبكة "CNN"، إن إيران مستعدة لاستئناف المحادثات النووية مع الولايات المتحدة إذا أُجريت باحترام، في حين أصر على أن طهران لن تتحرك من الموقف الذي اتخذته قبل أن تهاجمها الولايات المتحدة وإسرائيل في يونيو، معتبرًا أن الولايات المتحدة الأمريكية عليها أن تبادر بالخطوة الأولى لإظهار استعدادها للتفاعل مع إيران وفقًا للشروط التي تضعها.
في المقابل، جاء رد سريع من وكالة "فارس" الإيرانية للأنباء نافيًا ما تردد بشأن استعداد إيران لوقف تخصيب اليورانيوم، ونقلت عن مصدر وصفته بـ"المطلع" نفيه مناقشة وقف كامل لتخصيب اليورانيوم من قبل الحكومة الإيرانية، مشيرًا إلى أن إيران دائمًا تتمسك بمواصلة أنشطتها النووية السلمية، موضحًا عدم وجود أي تغيير في برنامجها النووي على جدول أعمال الحكومة.

هذه الروايات المتضاربة جاءت في سياق ضاغط تتعرض له إيران، بعد فرض مزيد من العقوبات عليها، واستهداف شبكاتها السرية التي تمثل متنفسًا لها في الالتفاف على العقوبات أو تخفيف أثرها، وهو ما يجعل الوصول لاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية طوق نجاة للنظام الإيراني، باعتبار أن هذا المسار سيؤدي إلى رفع العقوبات وفك القيود الاقتصادية التي تتعرض لها طهران.
الضغط الآخر الذي تتعرض له إيران خلال هذا التوقيت هو اجتماع مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن المتوقع أن تسعى الدول الأوروبية الثلاث، المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، خلال هذه الدورة إلى اعتماد قرار يدين إيران، مدفوعة بمخاوف بشأن تقليص عمليات تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية في إيران، والوضع غير المؤكد لمخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب.
ماذا وراء تضارب الروايات؟
المتابع للخطاب الإيراني في إدارة الأزمات، يلاحظ أن النظام الإيراني يعتمد دائمًا على الخطاب المزدوج، سواء أكان ذلك يُدار عبر الثنائية المعروفة للنظام وجناحيه: "الخطاب الإصلاحي" الذي يبدي مرونة ويستهدف إرسال إشارات للخارج، أو "الخطاب الأصولي" الذي يبدي تشددًا وتمسكًا بمبادئ الثورة وخطابها، ويرسل رسائل للداخل الإيراني لترسيخ لهجة السيادة الإيرانية.

وفي التصريحات التي خرجت عن المتحدثة باسم وزارة الخارجية الإيرانية، فاطمة مهاجراني، بشأن أن تخصيب اليورانيوم لا يتم حاليًا، وأن احتمالية إيقاف عملية التخصيب قيد الدراسة تماشيًا مع المصالح الوطنية، إضافة إلى إمكانية دراسة ذلك من المؤسسات المختصة، هي إشارات صريحة للخارج بإمكانية ذلك ولكن وفقًا للمقابل الذي سيتم تقديمه.
التأكيد على أن هذا القرار إن تم "فسيكون تماشيًا مع المصلحة الوطنية"، إشارة إلى المكاسب التي يمكن أن تتحقق في حال التوقف عن تخصيب اليورانيوم، وهو ما يتطلب من الجانب الآخر تقديم محفزات واضحة، والإفصاح عن حجم الفوائد التي يمكن أن تحققها إيران، وهل سيتم رفع العقوبات بشكل كامل أم بشكل جزئي.
على الجانب الآخر، جاء النفي من جانب وكالة "فارس" الإيرانية، التي نقلت عن مصدر لم تسمه أن "الحكومة الإيرانية لم تناقش الوقف الكامل لتخصيب اليورانيوم"، وهو الخطاب الذي يستهدف الداخل الإيراني بعدم الخضوع لاشتراطات الولايات المتحدة الأمريكية والحفاظ على الكرامة الوطنية التي يرتكز عليها خطاب النظام.

اللافت أن تصريحات المتحدثة باسم الحكومة الإيرانية تمثل اتجاهًا رسميًا صادرًا على لسان الحكومة، في حين أن تصريحات النفي صدرت عن مصدر "مجهول"، وهو ما يعزز تصريحات المتحدثة باسم الحكومة أكثر من النفي الصادر من وكالة "فارس"، إضافة إلى أن التلميح إلى "المصلحة الوطنية" من جانب مهاجراني هو بمثابة تمهيد أو اختبار لرد فعل الشارع الذي يعاني اقتصاديًا، إذا ما كان وراء هذه الخطوة تخفيف الضغوط الاقتصادية التي أنهكت المواطنين.
الأمر الآخر، أن اللجوء لاستخدام الخطاب المزدوج، ووجود أكثر من اتجاه في التصريحات بشأن "الملف النووي"، قد يأتي في إطار المناورة التفاوضية، إضافة إلى صناعة حالة من "اللايقين" في الداخل الإيراني، والقدرة على امتصاص أي ردّات فعل غاضبة، والاستفادة من قياس ردود الأفعال في اتخاذ القرار الأنسب، خاصة وأن الأمر برمته يتم الحديث عنه في إطار الدراسة وليس اتخاذ القرار.
ختامًا:
يمكن القول إن استراتيجية الخطاب المزدوج هي استراتيجية ثابتة لدى النظام الإيراني في إدارة الأزمات، وليست استراتيجية مستحدثة في إطار الأزمة الراهنة. ففي الوقت الذي ترسل فيه هذه الازدواجية إشارات تفاوضية مرنة إلى الخارج، ترسل في الوقت ذاته إشارات للداخل بقوة النظام المحافظ على السيادة. وإن كان الأمر يبدو تناقضًا في التصريحات أو خللًا في تنسيق الرسائل، إلا أن الأقرب هو استخدامها كأداة لإدارة الضغوط الداخلية والخارجية، أو كأداة تكتيكية لقياس ردود الفعل.



