رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التوتر بين الهند وباكستان: هل يشتعل الصراع مجددًا بين الجارتين النوويتين؟

الصراع الهندي الباكستاني
الصراع الهندي الباكستاني

يظل الصراع بين الهند وباكستان من أكثر الصراعات تعقيدًا في منطقة جنوب آسيا، خاصة في ظل الظروف والعوامل المتشابكة التي تؤجج هذا الصراع من حين لآخر، وتشمل هذه العوامل أبعادًا جيوسياسية ودينية وتاريخية، ما يعني أن محفزات الصراع متعددة وقائمة، وبالتالي فإن الأمور مرشحة للانفجار في أي وقت، خاصة عندما تتوافر المحفزات التي تبدو قائمة ومتصاعدة في الوقت الحالي.

المؤشر على احتمالية تجدد الصراع بين الجارتين النوويتين جاء على لسان وزير الدفاع الباكستاني خواجه آصف، الذي حذر من أن خطر اندلاع حرب أخرى مع الهند لا يزال قائمًا، مؤكدًا أن الصراعات بالوكالة لا تزال تشكل تهديدًا مستمرًا بعد عقود من بدايتها، معتبرًا أنها اشتدت في السنوات الأخيرة وأصبحت أداة من أدوات الحرب الحديثة، ما يعني أن أسباب اشتعال الصراع قائمة.

محفزات التوتر بين الهند وباكستان

أولًا: حروب الوكالة

في ظل تصاعد التوترات مؤخرًا بين باكستان والهند، يبدو أن أهم المحفزات هو نشاط الجماعات المتطرفة التي تنفذ عمليات مستمرة ضد قوات الأمن الباكستانية، وذلك في الوقت الذي تعتبر فيه باكستان أن هذه الجماعات مدعومة من الهند وتلعب دور الحرب بالوكالة عن نيودلهي، حتى إن الحكومة الباكستانية أطلقت مصطلح "فتنة الهندستان" على كل الجماعات الإرهابية التي تعمل على أراضيها، وعممت هذا المصطلح في الخطابات الرسمية في إشارة إلى أن هذه الجماعات مدعومة من الهند.

وزير الدفاع الباكستاني- خواجة آصف
وزير الدفاع الباكستاني- خواجة آصف

ومؤخرًا، اعتبر وزير الدفاع الباكستاني خواجه آصف أن خطر اندلاع حرب أخرى بين بلاده والهند لا يزال قائمًا، وأن هذا الخطر لم يختف بعد، مرجعًا ذلك إلى استمرار الحرب بالوكالة التي تديرها الهند على الأراضي الباكستانية، قائلًا: "حرب الوكالة بدأت في ثمانينيات القرن الماضي، وأصبحت أداةً من أدوات الحرب الحديثة، وهذه الحرب لم تنته ولكنها اشتدت في السنوات الأخيرة".

وخلال الفترة الماضية، تصاعدت المواجهات بين القوات الأمنية الباكستانية والجماعات المتطرفة، حيث أعلن الجيش الباكستاني عن تصفية عدد من الخلايا الإرهابية، خاصة في إقليمي بلوشستان وخيبر بختونخوا، ودائمًا ما تتهم البيانات الرسمية الصادرة بعد هذه العمليات الهند بالوقوف وراءها ودعم الجماعات المتطرفة. كما أن العمليات الإرهابية امتدت مؤخرًا إلى لاهور وروالبندي وإسلام آباد، وهو ما تعتبره الحكومة الباكستانية إعلان حرب.

وزير الدفاع الهندي راجناث سينغ
وزير الدفاع الهندي راجناث سينغ

وفي مواجهة الاتهامات الباكستانية بدعم الهند للجماعات الإرهابية، تنفي نيودلهي دائمًا هذه الاتهامات، وتتهم باكستان برعاية جماعات في كشمير، ما يعني أن الاتهامات برعاية الإرهاب من الطرفين متواصلة ومستمرة، وهذه الاتهامات في حد ذاتها هي أحد محفزات التوتر والتصعيد بين الجانبين، إضافة إلى تغذية الاحتقان بين كلا الشعبين الباكستاني والهندي.

ثانيًا: تقارب الهند مع أفغانستان

من محفزات التوتر أيضًا بين الهند وباكستان، التقارب بين نيودلهي وحكومة طالبان الأفغانية، خاصة في ظل التوتر القائم حاليًا بين كابول وإسلام آباد؛ لذلك فإن باكستان قد تعتبر هذا التقارب تهديدًا جيوسياسيًا داخل "عمقها الاستراتيجي"، حيث إن باكستان تعتبر أفغانستان عمقًا استراتيجيًا لها، وكانت الحكومة الباكستانية تعتبر أن وصول "طالبان" إلى حكم أفغانستان سيزيد من نفوذها داخل الأراضي الأفغانية.

الجيش الباكستاني - أرشيفية 
الجيش الباكستاني - أرشيفية 

وفي ظل التوتر الذي يزداد بين أفغانستان وباكستان، فإن الأخيرة ستعتبر أي انفتاح هندي على طالبان يُنظر إليه في إسلام آباد كاختراق مباشر لمنطقة كانت تعتبرها منطقة نفوذ حصري تقريبًا، وهو ما يمثل تهديدًا أمنيًا لها في ظل احتمالية وجود نشاط استخباراتي هندي قرب الحدود الغربية الباكستانية، خاصة إذا كان هذا التقارب يمثل إعادة تشكيل لخريطة التحالفات بما قد يضغط على باكستان من الجانبين.

وبطبيعة الحال، فإن التقارب الهندي مع طالبان الأفغانية سيقلص مساحة النفوذ والتأثير الباكستاني داخل أفغانستان، وما يزيد الأمور تعقيدًا هو أن هذه المساحة ستشغلها دولة معادية وفق تصور باكستان، ما سيتسبب في تراجع الحيز السياسي والدبلوماسي الباكستاني ويقلل أيضًا من قدرة باكستان على التأثير في الساحة الأفغانية، وهو ما سيوفر بيئة إقليمية مضطربة ومعقدة بالنسبة للأمن القومي الباكستاني.

ثالثًا: النزاع حول إقليم كشمير

يعد النزاع حول "إقليم كشمير" من محفزات التوتر الأخرى بين الهند وباكستان، وهو نزاع تاريخي بدأ بعد انسحاب بريطانيا من جنوب آسيا عام 1947، وما تبعه من اتفاق لتقسيم شبه القارة الهندية إلى باكستان ذات الغالبية المسلمة، والهند ذات الغالبية الهندوسية، وبعد ذلك اندلعت أحداث "الحرب الهندية الباكستانية الأولى"، واستمرت المعارك حتى عام 1948، وبعد وساطة من الأمم المتحدة، انتهت بتوقيع "اتفاق كراتشي" عام 1949، الذي حدد خط وقف إطلاق النار.

الجيش الباكستاني - أرشيفية 
الجيش الباكستاني - أرشيفية 

وفي عام 1965، نشبت "الحرب الهندية الباكستانية الثانية" بفعل مجموعة من الأحداث، منها إرسال باكستان قواتها إلى منطقة خاضعة للسيطرة الهندية، أعقبتها هجمات من الجانبين في أبريل من العام نفسه، واستمرت المعارك 17 يومًا، مخلفة آلاف القتلى من الجانبين. وفي عام 1966، وقعت الهند وباكستان على "إعلان طشقند"، وهو معاهدة سلام تعهد فيها الطرفان بإعادة الأراضي التي تم الاستيلاء عليها وسحب القوات والعودة إلى حدود عام 1949.

وتجدد الصراع مرة أخرى في عام 1971–1972، واندلعت حرب ثالثة بين البلدين بعد دعم الهند للوطنيين البنغاليين بشرق باكستان، الذين كانوا يسعون للاستقلال عنها، وهو ما أدى إلى ولادة جمهورية بنغلاديش الشعبية في مارس من العام نفسه. وأسفرت هذه الحرب القصيرة عن مقتل 3 ملايين شخص، وفي العام التالي، توصل الطرفان إلى اتفاقية شِملا، التي حددت "خط السيطرة" في كشمير، ودعت إلى أن يكون هذا الخط حدودًا مؤقتة بين البلدين، إلا أنه استمر بشكل دائم.

الجيش الهندي - أرشيفية
الجيش الهندي - أرشيفية

وجاء قرار الهند في أغسطس 2019 بإلغاء المادتين 370 و35A من الدستور – اللتين كانتا تمنحان إقليم جامو وكشمير وضعًا خاصًا وحكمًا ذاتيًا واسعًا – أحد أهم محفزات التوتر بين البلدين خلال العقد الأخير. فقد مثّل هذا الإجراء تحولًا استراتيجيًا في طبيعة العلاقة بين نيودلهي والإقليم، إذ ألغى الأساس القانوني للحكم الذاتي الكشميري، وسمح للحكومة المركزية بفرض تشريعاتها وإعادة هيكلة الإقليم إداريًا وديموغرافيًا، وهو ما اعتبرته باكستان خطوة أحادية تهدف إلى “دمج” كشمير بشكل كامل داخل الهند وتقويض هويتها السياسية والديموغرافية.

الجيش الهندي - أرشيفية
الجيش الهندي - أرشيفية

وكان آخر محطات الصراع بين الهند وباكستان خلال العام الجاري في مايو 2025، حيث وقعت اشتباكات عدة بين الجانبين في كشمير، وأعلنت الهند يوم 6 مايو 2025 إطلاق عملية عسكرية تستهدف ما سمته "البنية التحتية الإرهابية" في باكستان وفي إقليم جامو وكشمير، وقالت إن قواتها قصفت 9 مواقع باكستانية، وتبادلت القوات الهندية والباكستانية القصف في مواقع عبر حدود السيطرة في كشمير، وأعلنت باكستان حالة الطوارئ في إقليم البنجاب، مؤكدة أن الهند انتهكت سيادة جارتها باستخدام أسلحة بعيدة المدى من داخل المجال الجوي الهندي.

ختامًا:

 يمكن القول إن احتمالات الصراع ستظل قائمة ما دامت محفزات التوتر موجودة، خاصة وأن البلدين – رغم هذا التاريخ من الصراع – لم يتخذا خطوات حاسمة لإنهائه، ولكن يمكن القول إنهما يواصلان إدارة الصراع بدلًا من حله. وما يعزز ذلك هي تصريحات وزير الدفاع الباكستاني خواجه آصف، الذي اعتبر أن خطر تجدد الحرب مع الهند لا يزال قائمًا، في ظل استمرار الحروب بالوكالة لصالح نيودلهي من جانب جماعات متطرفة تعمل على الأراضي الباكستانية.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء