رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

استمرار الضغط العسكري على حزب الله.. ما هي الارتدادات المحتملة؟

أبو علي طباطبائي
أبو علي طباطبائي - قائد "قوات الرضوان" في حزب الله

تواصل إسرائيل الضغط الأمني على حزب الله، وذلك من خلال الاستهداف العسكري المتكرر والعمليات الاستخباراتية الدقيقة وتعزيز الانتشار على الحدود، وذلك بالتزامن مع ضغوط دولية تطالب بنزع سلاح الحزب وحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية. ومن جهته يحاول الحزب الحفاظ على معادلة الردع، خاصة في ظل القلق من عدم وجود ضمانات لتحجيم إسرائيل حال موافقة الحزب على تسليم السلاح.

فخلال الساعات الماضية نفذ جيش الاحتلال الإسرائيلي هجوما استهدف مبنى يُعتقد أنه كان يضم القيادي البارز في حزب الله هيثم علي طبطبائي، في حي حارة حريك، التي تعد المربع الأمني لحزب الله، بوصفه أحد آخر القادة المؤثرين في البنية العسكرية للحزب، والرجل الذي شكّل حضوره ثقلاً نوعياً في العمليات الإقليمية خلال السنوات الماضية.

برنامد مكافآت من أجل العدالة الأمريكي
برنامد مكافآت من أجل العدالة الأمريكي

يُعد طبطبائي، المعروف بكنيته "أبو علي طبطبائي"، من أبرز القادة العسكريين الذين لعبوا دورًا مفصليًا في توسع نشاط حزب الله خارج لبنان، ويلقب إعلاميا بالرجل الثاني في هرم القيادة العسكرية في الحزب. وبحسب وزارة الخارجية الأمريكية، فقد تولّى قيادة قوات النخبة، وشارك بفاعلية في إدارة عمليات الحزب في سوريا خلال الحرب، كما أشرف على عناصر من قوات خاصة عملت في اليمن ضمن ما تعتبره الولايات المتحدة دورًا مباشرًا للحزب في دعم "أنشطة مزعزعة للاستقرار" عبر التدريب وتوفير العتاد والخبرات.

هذا الدور جعله هدفًا رئيسيًا لواشنطن، إذ وضع برنامج "مكافآت من أجل العدالة" التابع لوزارة الخارجية الأمريكية مكافأة تصل إلى 5 ملايين دولار مقابل الإدلاء بمعلومات تؤدي إلى تحديد موقعه أو إيقافه.

وفي 26 أكتوبر 2016، صنّفته الخارجية الأمريكية على لائحة "الإرهابيين العالميين المخصصين" بموجب الأمر التنفيذي 13224، ما ترتب عليه تجميد ممتلكاته داخل الولاية الأمريكية ومنع أي تعامل مالي معه. كما يحظر القانون الأمريكي تقديم الدعم لحزب الله، المصنف كمنظمة إرهابية أجنبية، باعتبار ذلك جريمة فيدرالية.

ويأتي ذلك مع تغيّرات داخل المشهد اللبناني، أبرزها رغبة الحكومة اللبنانية في استعادة الدولة وتفعيل مؤسساتها بعيدًا عن امتلاك القرار من أي جهة أو الهيمنة من جانب الحركات المسلحة التي أصبحت تملك قرار الحرب والسلم، وهو ما يمكن اعتباره محاولة لإعادة موازين القوى في الداخل اللبناني عبر استخدام القوة العسكرية والأوراق السياسية والدبلوماسية، إضافة إلى تحركات أمريكية لتجفيف منابع تمويل الحزب.

ومؤخرًا أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قصف مواقع عسكرية لحزب الله اللبناني وعددًا من منصات إطلاق الصواريخ في منطقة البقاع، مشيرًا إلى أن قوات الجيش الإسرائيلي قصفت مواقع عسكرية لحزب الله وعددًا من منصات إطلاق الصواريخ حيث تم تحديدها على أنها مواقع لنشاط إرهابي، بما في ذلك مخازن أسلحة ومنشآت عسكرية إضافية، مما شكّل انتهاكًا واضحًا للتفاهمات بين إسرائيل ولبنان، وفق بيان الجيش الإسرائيلي.

أدوات الضغط الأمني الإسرائيلي

تستخدم إسرائيل العديد من الأدوات لاستمرار الضغط الأمني على حزب الله، وتتمثل هذه الأدوات في تنفيذ غارات إسرائيلية تستهدف مواقع مهمة وحساسة، ومنها مراكز تخزين الأسلحة إضافة إلى منصات الصواريخ أو نقاط القيادة. كما أن هذه الغارات تستهدف البُنى التحتية العسكرية الحساسة، وليس على أساس المواجهة الشاملة، كما أنها تعتمد سياسة الاستهداف النوعي على مستوى الهياكل والبُنى التحتية.

كما أن الضغط الأمني من جانب إسرائيل يشمل الضربات الاستخباراتية المتقدمة، والتي حققت من خلالها ضربات نوعية استهدفت منشآت تخزين أسلحة "تحت الأرض" تابعة لحزب الله، مع تأكيد أن الاستخبارات الإسرائيلية رصدت هذه المواقع. وتشير العديد من التقارير المتخصصة إلى أن عددًا كبيرًا من الضربات منذ وقف إطلاق النار يستهدف "مرافق تحت أرضية" لحزب الله، بما في ذلك مواقع إنتاج الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما يعني تقدّم المعلومات الاستخباراتية التي تتم على أساسها هذه الضربات.

وتستخدم إسرائيل الحرب السيبرانية في إطار الضغط الأمني على حزب الله، والتي تتمثل في تشويش الاتصالات واستهداف شبكات الحزب، إضافة إلى تقنيات التجسس المتقدمة التي تستهدف مراقبة الاتصالات وإشارات الأقمار الصناعية. ولعل أبرز وقائع هذه الحروب كانت واقعة "أجهزة البيجر" التي جاءت في عملية معقدة تشابكت فيها المعلومات الاستخباراتية واستهداف شبكات التوريد إضافة إلى الحرب التكنولوجية، ولذلك كان للواقعة العديد من التأثيرات على مختلف الأصعدة.

وتمثّل ضربات الضغط الحدودي أحد أبرز أدوات الضغط الأمني التي تمارسها إسرائيل ضد حزب الله. ووفق تقديرات فقد نفذت إسرائيل 613 غارة في لبنان خلال وقف إطلاق النار، ويتمثل التوزيع الجغرافي للضربات في:  47.5% من الضربات كانت جنوب نهر الليطاني، والتي كانت تضم قبل الحرب آلاف الأهداف الثابتة للبُنية التحتية لحزب الله.

وترتكز 37.5% من الضربات شمال الليطاني، وهي مركز الثقل العملياتي الحالي، إضافة إلى حوالي 13% من الضربات في منطقة البقاع، وهي المنطقة العملياتية واللوجستية ذات العمق الاستراتيجي.

وتهدف الضغوط الأمنية بتنوعاتها وأدواتها إلى الحد من حرية عمل عناصر حزب الله وتنقلهم وتدمير الأسلحة والبنية التحتية، والتي تضم البنية التحتية المدنية التي تُشكّل قاعدة وغطاء لإعادة الإعمار العسكري، وهو ما يستهدف تقويض أي جهود لحزب الله أو أي محاولات لإعادة بناء أو تأهيل جبهة وخط التماس مع إسرائيل، وخلق شعور بالتعرض للمطاردة والضعف. وينصب تركيز الضربات في جنوب لبنان على عرقلة، بل ومنع، جهود حزب الله لإعادة تأهيل جبهة وخط التماس مع إسرائيل، فضلًا عن استهداف محاولات إعادة بناء القدرات بشكل عام.

تداعيات الضغط الأمني على حزب الله

لا تقتصر تداعيات الضغط الأمني على حزب الله على إضعاف قدرات الحزب فحسب، وإنما سيكون لها ارتدادات على لبنان كدولة، خاصة إذا كانت الدولة تخوض الآن معركة إعادة تشكيل موازين القوى مستندة إلى "شعار سيادة الدولة"، وبالتالي فإن هذه الضغوط على حزب الله تمثل ضغوطًا على الدولة في الوقت نفسه.

وفي حال استمرار هذه الضغوط دون تحقيق معادلة متزنة بين حزب الله وإسرائيل، وعدم موازنة الردع وتقديم ضمانات من جانب إسرائيل، فإن ذلك قد يهدد بانزلاق الوضع إلى رفض الحزب تقديم أي تنازلات أو المساهمة في خطة حصر السلاح، في ظل استمرار التهديدات الإسرائيلية وتزايد الضغوط على الحكومة اللبنانية التي ستجد نفسها أمام أزمات تمس المدنيين أنفسهم في حال اضطرارهم للنزوح من أماكن الضغط الجارية واحتياجهم لتوفير الخدمات في أماكن النزوح الجديدة.

كما أن الضربات التي تستهدف حزب الله تأتي أيضًا في إطار استراتيجية إسرائيلية تستهدف محور المقاومة بشكل عام. فإذا كانت عدة تقارير قد كشفت عن استمرار تمويل إيران لحزب الله، فإن الأطراف الأخرى المنضوية تحت لواء المقاومة قد تجد نفسها مضطرة للتدخل وتنفيذ عمليات ضد إسرائيل لتخفيف الضغط على حزب الله، وهو ما قد يشعل التوتر في المنطقة إذا لم يتم تحجيم الضغوط الإسرائيلية.

ختامًا:

يمكن القول إن الضغط الأمني على حزب الله يمثل أحد محاور التوتر في لبنان والمنطقة بهدف تقليص قدرة الحزب على إعادة بناء ترسانته العسكرية وفرض قيود على تحركاته، وهو الأمر الذي سيكون له ارتدادات داخلية تهدد استقرار لبنان وتضع الحكومة أمام اختبار لإعادة ترتيب موازين القوى بين الدولة والحركات المسلحة. وهو ما يبقي الوضع في لبنان متأرجحًا بين الردع والتحفظ، والحاجة إلى تدخلات دولية وإقليمية لضبط المعادلة بين لبنان وإسرائيل.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء