رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

منشآت ما بعد القصف: لماذا تصر إيران على منع التفتيش النووي؟

المنشآت النووية الإيرانية
المنشآت النووية الإيرانية التي تم تفجيرها - أرشيفية

تمثل المنشآت النووية الإيرانية التي تعرضت للاستهداف خلال حرب الاثني عشر يومًا في يونيو الماضي أحد أبرز العقبات التي تقف أمام التوافق بين النظام الإيراني والوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث تصر إيران على عدم تفتيش هذه المنشآت بعد استهدافها وتدميرها، بينما ترى وكالة الطاقة الذرية أن الموقف الإيراني غير مقبول.

المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، اعتبر مؤخرًا أن مبررات إيران بأن "تفتيش المنشآت التي تم استهدافها غير ضروري لأن كل شيء تم تدميره" غير مقبولة، موضحًا أن المنشآت النووية الإيرانية لم تُدمَّر بالكامل، رغم أن بعضها تعرّض لـ"أضرار جسيمة".

المنشآت المستهدفة

عقب استهداف المنشآت النووية الثلاث "نطنز وفوردو وأصفهان"، أثير الكثير من الجدل بشأن مدى الأضرار التي تعرضت لها هذه المنشآت، ففي الوقت الذي صدرت فيه تصريحات بأن البرنامج النووي الإيراني تم تدميره تمامًا، صدرت تقديرات أخرى بأن هذه المنشآت تعرضت لأضرار لكن لم يتم تدميرها بشكل تام، ما يعني احتفاظ إيران بقدرات نووية غير معلومة.

وفي تقديرات للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإنه على الرغم من تدمير المباني فوق الأرض في "نطنز"، إلا أنه لم يتم ضرب مواقع استراتيجية تحت الأرض، حيث أوضح رافائيل غروسي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية أنه في حين تم تدمير المباني فوق الأرض في موقع تخصيب اليورانيوم الرئيسي في إيران في نطنز، فإن المواقع الاستراتيجية تحت الأرض لم تتعرض للضرب.

وفي تقرير فصلي للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أعلن غروسي أن الوكالة لم تتلقَ بعد أي تقارير من إيران حول المنشآت المتضررة أو المواد النووية المرتبطة بها، مشددًا على أن إيران يجب أن تُقدّم "دون تأخير"، تنفيذًا لالتزامات طهران في إطار اتفاق الضمانات، ما يؤشر على أن الوكالة بحاجة ماسة إلى تفتيش هذه المنشآت للوقوف على القدرات النووية السلمية.

فيما يتعلق بمنشأة "فوردو"، فيبدو أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية لم تستطع حتى الآن تقييم الأضرار التي لحقت بها، وهو ما قاله رافائيل غروسي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية: "لم يكن من الممكن تقييم مدى الضرر الذي لحق بمنشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم - التي بُنيت في عمق جبل في وسط إيران - نظرًا لموقعها تحت الأرض وطبيعة القنابل المستخدمة فيها، لكن لا يمكن تحديد درجة الضرر داخل قاعات تخصيب اليورانيوم على وجه اليقين".

عدم اليقين الذي تبديه الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن منشأتي "نطنز وفوردو" يطال أيضًا منشأة "أصفهان"، حيث أوضحت الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن العديد من المباني في مجمع أصفهان تضررت، وقد يكون بعضها يحتوي على مواد نووية، وأوضح مدير الوكالة: "ألحقت الهجمات أضرارًا بمبانٍ أخرى في أصفهان، وتأكدنا من تأثر مداخل الأنفاق تحت الأرض في الموقع". وبالتالي، فإنه على الرغم من إعلان الوكالة أن المنشأة تعرضت لأضرار، فإن القدرات النووية بالمنشأة لا تزال غير معلومة.

المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي 
المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي 

تفتيش مشروط

منذ حرب الاثني عشر يومًا في يونيو الماضي بين إيران وإسرائيل، اتخذت إيران خطوات تكتيكية لاستخدامها كأوراق ضغط، وكان من بين هذه الخطوات التصعيد مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث أصدر البرلمان الإيراني قرارًا بتعليق التعاون مع الوكالة، لتكون إعادة التعاون ورقة تفاوضية بدلًا من كونها ورقة مضمونة وقائمة.

وعلى الرغم من محاولة حلحلة الموقف بـ"اتفاق القاهرة" لتقريب وجهات النظر بين الوكالة وإيران، ومحاولة إيران احتواء الدول الأوروبية لعدم إعادة تفعيل آلية "سناب باك"، فإن إيران عادت للتصعيد مرة أخرى ضد الوكالة بعد تفعيل الآلية من جانب دول "الترويكا"، وأعلنت تعليق اتفاق القاهرة.

وفي ظل الضغوط الأخيرة على إيران للسماح بالوصول للمنشآت التي تعرضت للقصف، تضع إيران شروطًا لتحقيق هذه المطالب، حيث أعلن وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، أن طهران لن تسمح للوكالة الدولية للطاقة الذرية بدخول منشآتها النووية التي تعرضت للقصف خلال الحرب الأخيرة مع إسرائيل قبل التوصل إلى اتفاق ملموس.

واعتبر وزير الخارجية الإيراني أن المنشآت التي تعرضت للهجوم لها وضعها الخاص، وإلى حين اتخاذ قرار والتوصل إلى نتيجة بين إيران وبين الوكالة الدولية للطاقة الذرية والآخرين، فإن التعاون غير ممكن. ولذلك تمثل المنشآت المستهدفة عقبة تضعها إيران أمام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وذلك يعود لعدة أسباب.

المنشآت النووية الإيرانية - أرشيفية
المنشآت النووية الإيرانية - أرشيفية

 

دوافع منع التفتيش

رغم مطالب الوكالة الدولية للطاقة الذرية المتجددة بالسماح لها بالوصول إلى المنشآت التي تم استهدافها، إلا أن إيران قد يكون لديها عدة أهداف تتمثل في إصرارها على المنع، وعلى رأس هذه الأهداف استمرار الغموض النووي كورقة ضغط على المجتمع الدولي، وذلك من خلال إخفاء القدرات النووية عن الوكالة سواء أكانت قائمة أم مدمرة.

ومن بين الأهداف المحتملة أيضًا، مساعي إيران إلى إعادة بناء القدرات التي تم تدميرها، وبما أن القدرات النووية لم يتم تدميرها بشكل كامل، وفق اعترافات رافائيل غروسي، فإن النظام الإيراني قد يسعى إلى إعادة إصلاح هذه المنشآت أو تأهيلها بعيدًا عن رقابة الوكالة، حيث إن تقييد التفتيش قد يمنحها وقتًا لإعادة تشغيل أجهزة الطرد المركزي أو منشآت التخصيب تدريجيًا، وهي خطوات من شأنها تعزيز قدرات إيران النووية وتعويض الخسائر التي وقعت دون عراقيل قد تضعها الوكالة.

السبب المهم أيضًا الذي يدفع إيران إلى تقييد التفتيش، هو أزمة الثقة التي أظهرتها تجاه الوكالة بعد حرب الاثني عشر يومًا، حيث إن العلاقات بين إيران والوكالة ربما تضررت بشدة بعد الضربات، إذ قطعت إيران علاقاتها مع الوكالة بعد الحرب الأخيرة في يونيو، بل وحملتها أيضًا جزءًا من مسؤولية اندلاعها، وتسريب معلومات عن البرنامج النووي الإيراني.

المنشآت النووية الإيرانية - أرشيفية
المنشآت النووية الإيرانية - أرشيفية

ومن الأسباب المحتملة أيضًا، مساعي إيران السرية إلى نقل القدرات النووية من المنشآت المتضررة إلى منشآت أخرى أو أماكن سرية أخرى لا يمكن الوصول إليها، وما يستلزمه ذلك من إجراءات للحفاظ على سرية هذه التحركات. وهو الأمر الذي لم يستبعده مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بل ذهب إلى أن إيران قد تكون بنت منشآت نووية جديدة دون علم الوكالة، حيث حذر في التقرير الأخير من أن إيران الآن تنتج ما يكفي من المواد الانشطارية لصنع سلاح نووي واحد في غضون شهر.

ختامًا:

يمكن القول إن تقييد إيران لعمليات تفتيش الوكالة على المنشآت النووية التي تم استهدافها "نطنز – فوردو – أصفهان" لا يتعلق فقط بالأضرار التي لحقت بهذه المنشآت، بل يرتبط باستراتيجية التعامل مع الملف النووي ما بعد الحرب، ومحاولات إيران الاستفادة من حالة الغموض الحالية المتعلقة بقدراتها النووية، ومحاولة كسب الوقت لإعادة بناء القدرات وتأهيل المنشآت المتضررة بعيدًا عن رقابة الوكالة، فضلًا عن توظيف هذه الحالة في التفاوض، على أن يكون الكشف عن القدرات الحالية مقابل مكاسب وليس كشفًا مجانيًا.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء