رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

سيناريو ما بعد مالي: هل تصبح نيجيريا الهدف التالي للجماعات الإرهابية؟

جماعة نصرة الإسلام
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بإفريقيا - أرشيفية

يشهد الإقليم الإفريقي وبخاصة منطقة الساحل حالة من إعادة التشكل الاستراتيجي في ظل تصاعد نفوذ الجماعات الجهادية وتراجع قدرة الحكومات على احتواء التهديدات الأمنية المتنامية. وفي هذا السياق، يطرح الباحث الأمريكي "مايكل روبن" قراءة نقدية للسياسة الأمريكية في مالي، محذرًا من تداعيات الانسحاب أو التردد في اتخاذ قرارات حاسمة، ومقدمًا مجموعة من التوصيات للرئيس ترامب حول كيفية التعامل مع الأزمة المتفاقمة. ويهدف هذا التحليل إلى استعراض أبرز ما طرحه روبن بشأن الأزمة المالية، وأوجه القصور التي يراها في السياسة الأمريكية، إضافة إلى استشراف السيناريوهات المحتملة لـ"ما بعد مالي" في منطقة الساحل وغرب إفريقيا.

عمل "مايكل روبن"، مستشارًا لشؤون إيران والعراق في مكتب وزير الدفاع، في 18 نوفمبر، نشر بحثا على "موقع المشروع الأمريكي"، تحت عنوان "إذا سقطت مالي، هل ستكون نيجيريا الدولة القادمة؟"، فنّد فيه الأحداث في مالي، ووضع بعض التنبؤات بما يمكن أن يحدث في الساحل الإفريقي.  

الرئيس ترامب
الرئيس ترامب

أولًا: الاستفادة من دروس الماضي

استعرض الباحث آخر تطورات الأوضاع في مالي، كما استعرض تصريحات وزير الخارجية الدفاع الأمريكي "بيت هيغسيت" بأن الولايات المتحدة لن تتدخل في مكافحة الإرهاب في إفريقيا إلا إذا شكّلت الخلايا تهديدًا مباشرًا للوطن الأمريكي، والواقع أن الباحث هنا قد وجّه اللوم إلى وزير الدفاع وإلى إدارة الرئيس "ترامب"، إذ اعتبر الباحث أن كل رئيس أمريكي يتعامل مع الأزمات دون الالتفات إلى التاريخ أو حتى التعلم من الدروس في الماضي، حيث قال: "كثيرًا ما يتصرف الرؤساء الأمريكيون وكأن التاريخ يُعاد ضبطه مع توليهم السلطة، لكن لا وجود لصفحة بيضاء".   

الرئيس المالي - الجنرال أسيمي غويتا 
الرئيس المالي - الجنرال أسيمي غويتا 

ويزعم الباحث أن أزمة مالي لم تكن حديثة، لكنها مستمرة منذ إدارة "أوباما" حينما رفض الأخير إرسال قوات برية إلى ليبيا، واكتفى بتوجيه ضربات جوية لحماية المدنيين من "نظام القذافي"، وهو الأمر الذي عجّل بسقوط النظام وفتح مخازن الأسلحة التي استغلها الإرهابيون والمجرمون والمتمردون، وهو الوضع الذي استفاد منه الطوارق ليقوموا بمهاجمة مالي والسيطرة على أجزاء كبيرة منها. وهنا يوجّه الباحث النصيحة لإدارة ترامب، حيث يزعم أنه عند مهاجمة "عش الدبابير" إما أن تتركه وشأنه أو تتخلص منه، ويزعم الباحث أن "الخيار الوسطي المتمثل في الوقوف تحته والضغط عليه برفق بعصا هو أسوأ خيار".

الرئيس النيجيري بولا تينوبو 
الرئيس النيجيري بولا تينوبو 

ثانيًا: ليبيا كنموذج لا يجب أن يتكرر في مالي

أوضح الباحث بأن افتراض عدم إرسال قوات أمريكية إلى ليبيا لحماية مخازن الأسلحة والسيطرة عليها أدى إلى تسرب هذه المخزونات إلى كافة الجماعات المسلحة. ويرى الباحث: "لم تُحكم الأسلحة الليبية على ليبيا بالموت جوعًا والحرب الأهلية فحسب، بل تدفقت جنوبًا إلى منطقة الساحل، حيث نقلتها شبكات التهريب الراسخة إلى عدد لا يُحصى من الجماعات المتمردة والجهادية. لم تُسبب هذه الأسلحة وحدها فشل الدولة أو تمكّن من الانقلابات، بل صبّت الزيت على النار".

ويمكن القول إن الباحث هنا يدعو إدارة ترامب لاتخاذ قرار حاسم في مالي، فهو لم يقتنع بالحلول الدبلوماسية، إذ استعرض العرض الأمريكي في الماضي حينما عرضت إدارة ترامب على مالي عبر المبعوث "عطا الله" دعم الأخيرة بالأسلحة وتقديم الدعم الاستخباراتي للقضاء على الإرهاب، ولكن يبدو أن النتيجة لم تكن مرضية، وربما نظام الرئيس " أسيمي غويتا" وارتباطه بالطرف الروسي قد قوّض جهود إدارة "ترامب". وعلى أي حال، فعلى الرغم من العرض الأمريكي، فإن الولايات المتحدة نفسها قد حظرت رعاياها الموجودين في مالي من الانتقال خارج العاصمة خوفًا من الاستهداف، كما حذرت من السفر إلى مالي.

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بإفريقيا - أرشيفية
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بإفريقيا - أرشيفية

ثالثًا: ماذا بعد مالي؟

طرح الباحث سؤالًا: "لكن عندما تسيطر جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" على مالي، يصبح السؤال: ماذا بعد؟" هنا يلفت النظر إلى ما يمكن أن يكون بعد مالي، وبالطبع هو يقصد نيجيريا. وربما هذا التحذير نابع من إعلان جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" عن توسيع عملياتها للتسلل إلى الداخل النيجيري، عبر استهداف دوريات عسكرية في الشريط الحدودي مع بنين. ويذكر الباحث أن نيجيريا ذات القدرات والإمكانات الكبيرة لا يمكن للولايات المتحدة أن تتركها، كما أن الأخيرة تعاني من تحديات أمنية وعدم استقرار، وربما محاولات انقلاب يمكن أن تتكرر. كما يلفت النظر إلى المخاطر التي يمكن أن تواجهها ساحل العاج وتوغو إذا استمرت "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" في التوسع، وربما السيطرة على "باماكو". 

ويرى الباحث أن "انهيار مالي سيشعل فتيل حرب طويلة الأمد في جميع أنحاء غرب إفريقيا"، ويؤجج التطرف عبر نشر المذهب الوهابي بدلًا من المذهب المالكي بين سكان الغرب الإفريقي، وهو ما يمكن أن يمتد تأثيره على المغرب وأوروبا وصولًا إلى الولايات المتحدة. ويختم الباحث نصيحته مذكّرًا ترامب بحلمه في الحصول على جائزة "نوبل" وأن سقوط مالي سيكون السابقة التي يمكن أن تلطخ إرثه، مثل سقوط "أفغانستان" الذي لطخ إرث "بايدن".

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بإفريقيا - أرشيفية
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بإفريقيا - أرشيفية

ويمكن القول إن التيار اليميني من المفكرين في الولايات المتحدة يرى أن سقوط مالي في أيدي القاعدة سيمثل وقوع العاصمة الثالثة التي يتحكم فيها تيار ديني متطرف، وهو يدعو إدارة ترامب إلى اتخاذ إجراءات حاسمة لوقف تقدم جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، إذ إن تداعيات هذا السقوط ستطال الغرب والولايات المتحدة عبر وقوع مزيد من العواصم ونشر مزيد من التطرف الأيديولوجي. 

والواقع أن الباحث قدم نصيحته بضرورة اتباع استراتيجية "جزّ الرؤوس" للتعامل مع الإرهابيين، لكن حتى هذه الاستراتيجية لا يمكن أن تكون مجدية، فهي تتعامل مع القيادات باستهدافها ولا تتعامل مع الأسباب الجذرية للإرهاب. وحينما يُقتل قائد، سرعان ما يتم استبداله. وقد أغفل الباحث التعامل الأمريكي المنفعي الذي اعتمد على التجارة والاستثمار بما يفيد الولايات المتحدة، وهو النهج الاستغلالي الغربي الذي تكرهه شعوب المنطقة. أغفل الباحث المزاج الشعبي الذي لا يريد أن يقع في قبضة تنظيم القاعدة أو داعش، ويرغب في التنمية والإصلاح. 

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بإفريقيا - أرشيفية
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بإفريقيا - أرشيفية

وبالفعل يمكن أن تكون القيادة في مالي ترى في النهج العسكري لمكافحة الإرهاب طريقًا – وهو أمر مفهوم بالنظر للخلفية العسكرية للحكام – لكن كان أولى بالباحث أن يقدم حلولًا للدبلوماسية والحوار كنهج مرافق لمواجهة الإرهاب. فعلى أي حال، لا يمكن لأي جيش أن يهزم عدوًا غير مرئي وينتهج تكتيكات مرنة ويتحرك بمرونة، إذ إن الأمر يشبه توصيف أحد المتخصصين الأمريكيين بأنه "الأمر أشبه بمكافحة فئران الحقل بالدبابة".

ختامًا:

يتضح من التحليل أن رؤية "مايكل روبن" تنطلق من مقاربة أمنية بحتة، تُحمّل الولايات المتحدة مسؤولية تاريخية وسياسية عن الفراغ الذي أدى إلى صعود الجماعات الجهادية في مالي وانتقال عدوى الفوضى إلى دول الجوار. ومع ذلك، فإن التركيز على الحلول العسكرية وحدها يبدو اختزالًا لمشهد معقد تتداخل فيه اعتبارات الهوية والانقسامات الاجتماعية وتراجع التنمية وسياسات القوى الكبرى. ورغم دعوته لاتخاذ خطوات أكثر حسمًا تجاه مالي، فإن التجارب السابقة تؤكد أن الاستراتيجيات القائمة على "جزّ الرؤوس" لا تضع حدًا للإرهاب بقدر ما تؤدي إلى إعادة إنتاجه في صور أكثر عنفًا. ومن ثم، فإن مستقبل الاستقرار في مالي والساحل يتوقف على صياغة مقاربة شاملة تجمع بين الأمن والتنمية والحوار السياسي، بما يحقق توازنًا يمنع تكرار النموذج الليبي ويحافظ على استقرار غرب إفريقيا قبل أن يتسع نطاق الانهيار.

شيماء حسن* 

 باحث دكتوراه متخصصة في الشأن الإفريقي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء