حصار باماكو يشتد: هل يقترب تنظيم القاعدة من إسقاط العاصمة المالية؟
أصدر المتحدث باسم جماعة نصرة الإسلام والمسلمين "أبو حذيفة البمباري"، المعروف أيضًا باسم "بينا ديارا"، بيانًا مصورًا مطولًا خلال الساعات الماضية، أعلن فيه تشديد الحصار على الوقود في العاصمة المالية "بامكو"، وأن جميع سائقي شاحنات الوقود أصبحوا أهدافًا عسكرية، وسيتم إعدامهم "تمامًا كما يُعدم الجنود الماليون".
وهدد "البمباري" الموردين الرئيسيين للوقود في مالي، مطالبًا إياهم بوقف نقل الوقود إلى باماكو، ودعا سكان العاصمة إلى "التوبة" والتوقف عن تشغيل النوادي الليلية. وأضاف "البمباري" أن النساء مُلزمات الآن بارتداء الحجاب الإسلامي عند استخدام وسائل النقل العام، وأن أصحاب وسائل النقل التي يستخدمونها سيتحملون العواقب إذا لم تلتزم النساء اللواتي ينقلنهن بزي محتشم، ويمكن القول إن هذا البيان له دلالات، وذلك على النحو الآتي:

أولاً: تشديد الحصار واستهداف فئات جديدة
يبدو أن الجماعة قررت تشديد حصارها المفروض على العاصمة "باماكو" ضمن حرب الاستنزاف التي تستخدمها كتكتيك لخنق العاصمة وتأليب المدنيين على الحكومة المالية، إذ أن استهداف سائقي شاحنات الوقود واعتبارهم أهدافًا عسكرية، بما يعني خطفهم وقتلهم، وتهديد الموردين الرئيسيين للوقود في مالي، وهنا يمكن القول إن الجماعة ركزت أهدافها على شاحنات الوقود القادمة من السنغال وساحل العاج عبر الطرق البرية للعاصمة، كما أن شركات النقل المحلية أصبحت في مرمى الجماعة، إذ تدير محطات الوقود وتتحكم في المخزون داخل العاصمة والمدن الكبرى. وبالتالي فإن الهدف الاستراتيجي هو شل الإمدادات الحيوية للدولة الحبيسة التي تعتمد بشكل شبه كامل على الاستيراد، بما يعني أن الجماعة تستهدف سلسلة الإمداد بأكملها من الموانئ الإقليمية إلى شركات النقل المالية وصولًا إلى محطات الوقود.
بيان الجماعة هنا يعني توسيع "استهداف العدو" الذي انتقل من استهداف الجيش إلى استهداف البنية اللوجستية للدولة. كما أن استهداف الوقود يعني إدخال الصراع إلى الاقتصاد المدني مباشرة، ومن ثم تأكيد سيطرة الجماعة على مساحات واسعة من الطرق الرئيسية التي تربط العاصمة بالمحاور المختلفة. فضلًا عن أن تحديد "الوقود" يستهدف شل حركة الاقتصاد، وحينما تحاصر الجماعة العاصمة وتستهدف شاحنات المواد الغذائية، فإنها تسعى لإظهار أن الدولة عاجزة، وهذا يهدف إلى تآكل الثقة العامة في الحكومة والمجلس العسكري.
ثانيًا: فرض قواعد اجتماعية ودينية
وفقًا لبيان "البمباري" فإن سكان "باماكو" مدعوون إلى إعلان "التوبة" والتوقف عن تشغيل النوادي الليلية، وأن النساء مُلزمات الآن بارتداء الحجاب الإسلامي عند استخدام وسائل النقل العام، وأن أصحاب وسائل النقل التي يستخدمونها سيتحملون العواقب إذا لم تلتزم النساء اللواتي ينقلنهن بزي محتشم. ويتفق هذا النهج مع أيديولوجية الجماعة التي تعبّر عن "المنهج السلفي المسلح" والموالية فكريا وحركيا لتنظيم "القاعدة"، والذي يلتزم بقواعد إسلامية صارمة، وتسعى لتطبيق أحكام الشريعة وإلزام النساء بارتداء الحجاب- على حد زعمهم.
لكن اللافت هنا هو أن الجماعة ألزمت سائقي وسائل النقل بضرورة إلزام النساء بالحجاب. هنا يمكن الحديث عن كيفية قيام الجماعة بمراقبة سائقي وسائل النقل؟ وما مصيرهم إذا ثبت فعلًا عدم الالتزام بهذه التوجيهات؟ وأي نوع من العقاب سوف توقعه الجماعة على النساء غير المحجبات وسائقي الشاحنات؟ وأي سند شرعي ستعتمد عليه في إيقاع العقاب على السائقين؟ واللافت أيضًا هو دعوة سكان العاصمة إلى التوبة، وذلك باعتبارهم عصاة، ما يطرح تساؤلات حول نظرة الجماعة إلى الآخر، وكيفية التعامل معهم في حالة السيطرة الفعلية على العاصمة -إن حدث ذلك- وهو احتمال شكك الكثيرون في حدوثه.
ثالثًا: مآلات بيان "أبو حذيفة البمباري"
واقع الأمر، فإن الجماعة تسعى لتطبيق نظامها في الحكم، وذلك عبر فرض قواعد دينية واجتماعية، وتطبيق نظام للضرائب وجمع الزكاة، وتمويل نشاطها عبر السيطرة على مناجم الذهب، إلى جانب الاشتراك في الاقتصاد الإجرامي. ويمكن فهم الدعوة الأخيرة بأن الجماعة تسعى لجس نبض سكان العاصمة وقياس ردود الفعل المحلية، والتي غالبًا لن تكون في صالحها أو متوافقة معها.
وما يعزز ذلك هو التركيبة السكانية للعاصمة "باماكو" التي تتكون فعليًا من مجموعة مختلفة من الإثنيات، حيث تمثل "البامبارا" أكبر مجموعة إثنية في العاصمة، وتمثل "الفولاني" الإثنية الثانية من حيث التواجد، ثم الطوارق وهم أقلية تواجدت في العاصمة بسبب الهجرة من الشمال المالي بعد سيطرة الإرهابيين عليه عام 2012، ومجموعات أخرى مثل السونغاي والسونينكي والمالينكي.
ويعتبر الإسلام الديانة الأولى مع وجود أقليات مسيحية وأديان تقليدية محلية. ووفقًا لبعض وسائل الإعلام التي حاولت استطلاع آراء سكان العاصمة، فإن سكان العاصمة لم يتجابوا بشكل فعال لخطاب "البمباري"، ولكن التقارير أثبتت أيضًا تقويض ثقة سكان العاصمة في القيادة العسكرية التي تولت السلطة عبر انقلاب.

والثابت أيضًا أن شعور الخوف واليأس قد سيطر على السكان، خاصة بعد قتل المؤثرة المالية "مريم سيسيكو" بعد اقتيادها من قلب مدينة "تومبكتو" في الشمال وإعدامها في ساحة "الاستقلال" أمام العامة. لكن فكرة السيطرة الكاملة على باماكو تبدو غير واردة أيضًا، وقد يكون من ضمن الاحتمالات التي تراهن عليها الجماعة هو تغيير القيادة عبر انقلاب عسكري، ومن ثم الإتيان بقيادة جديدة تستطيع التفاوض معها، وربما توقيع اتفاق سلام آخر على غرار اتفاق "الجزائر".
وخلاصة القول تسعى الجماعة عبر بيانها الأخير إلى تشديد الحصار على العاصمة، وذلك بمنع دخول شاحنات الوقود والمواد الغذائية لتأليب العامة ضد نظام الحكم الجديد. كما اعتمدت الجماعة على الترهيب والترويع كاستراتيجية تستهدف زعزعة ثقة المجتمع في القيادة السياسية وإبراز ضعفها في حمايته. وربما تستهدف الجماعة تأليب القيادات العسكرية ضد بعضها لتغيير القيادة والإتيان بنظام حكم جديد.
ختامًا:
فإن المعطيات الواردة في بيان "أبو حذيفة البمباري"، وما تلاه من تحركات ميدانية للجماعة، تكشف عن مرحلة جديدة من الصراع في مالي تتجاوز مجرد العمليات الهجومية التقليدية، لتقترب من محاولة فرض واقع سياسي وأمني على الأرض يضع العاصمة نفسها في دائرة الخطر المباشر. فاستهداف شرايين الإمداد الحيوية، وفرض قواعد اجتماعية صارمة، وتكثيف الضغوط الاقتصادية والنفسية على سكان باماكو، يشير إلى أن الجماعة تعمل على تهيئة البيئة المناسبة لزعزعة سلطة المجلس العسكري وخلق فراغ يمكن استغلاله عسكريًا وسياسيًا.

ومع تصاعد السخط الشعبي تجاه القيادة العسكرية، وتراجع قدرة الدولة على تأمين الطرق الحيوية وإدارة الأزمة الاقتصادية، تتزايد احتمالات أن تجد الجماعة في هذا الضعف فرصة للتقدم نحو العاصمة، أو على الأقل فرض حصار خانق يجعل سقوط باماكو احتمالًا قابلًا للتحقق، سواء عبر الهجوم المباشر أو من خلال انهيار تدريجي للبنية الأمنية والاقتصادية من الداخل. وفي هذا السياق، يصبح السؤال المطروح ليس ما إذا كانت الجماعة ترغب في السيطرة على باماكو، بل ما إذا كانت الظروف القائمة ستتيح لها اللحظة المناسبة للانقضاض على العاصمة، في ظل غياب حلول سياسية وعسكرية حقيقية لكبح تمددها.



