رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التوترات الحدودية بين إثيوبيا وإريتريا: تحركات عسكرية وتحذيرات متبادلة

العلاقات الأثيوبية
العلاقات الأثيوبية الأريترية - أرشيفية

في إطار تحليل "ديناميات الصراع وسبل الاستجابة للتوترات بين إثيوبيا وإريتريا"، طرح الباحث الإثيوبي "ماهدار ناصيبو Mahder Nesibu". دراسة حول محركات للصراع بين الجارتين، أولها الطموح الإثيوبي للتواجد الدائم على البحر الأحمر (فك عقدة الدولة الحبيسة)، وثانيها طبيعة نظرة إريتريا للآخر (داخليًا وخارجيًا)، وثالثًا اختزال الأزمة في نزاع ثنائي. ويختتم الباحث تحليله ببعض التوصيات لفهم ديناميات الصراع وتحسين سبل الاستجابة للأزمة التي يمكن أن تندلع في أحد أخطر المناطق جيوسياسيًا في إفريقيا، وهو "القرن الإفريقي"، وذلك على النحو الآتي:

أولًا: إشكالية فك عزل الدولة الحبيسة ومسألة الوصول إلى البحر

كما هو معروف، "إثيوبيا" دولة حبيسة حرمت من الوصول إلى البحر الأحمر بعد أن استقلت "إريتريا"، مستحوذة على ميناء "عصب" و"مصوع" عام 1993. ومن المعروف أن أحد طموحات الدول الحبيسة هو الوصول إلى المياه الدافئة لفك عزلتها وتحسين قدراتها وإمدادها اللوجستي والاقتصادي والعسكري.

 الواقع أن "آبي أحمد" لم يخفِ طموحات إثيوبيا في الوجود البحري على البحر الأحمر، خاصة بعد إصدار وثيقة "النييلين"، وتصريحاته أمام الرأي العام وخطاباته في البرلمان الإثيوبي، والتي صرح فيها علنًا بالرغبة في احتلال ميناء "عصب". بل إن هذه الرغبة تم شرعنتها في الآونة الأخيرة لتبرير الاستيلاء على الميناء عبر مزاعم الحق التاريخي والاقتصادي.

 الرئيس الإريتري أسياس أفورقي
 الرئيس الإريتري أسياس أفورقي

وقد صرح "آبي أحمد" أن بلاده لن تبقى منغلقة على نفسها "سواء أراد البعض ذلك أم لا"، مؤكدًا أن السلام والحوار يمثلان السبيل الأمثل لمعالجة القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها قضية البحر الأحمر. وتابع قائلًا إن إثيوبيا فقدت منفذها البحري في ظروف "لم تُحسم بعد"، مضيفًا أن استعادة الحقوق المفقودة لا تستلزم عقودًا طويلة. وأشار إلى أن القرار الذي حرم البلاد حدودها البحرية "لم يصدر بموافقة الشعب ولا عُرض على ممثليه".

هنا يمكن استنتاج أن إثيوبيا تعتبر الوصول إلى البحر ضرورة استراتيجية ووجودية، وليست مجرد رغبة اقتصادية. ما يثبت ذلك هو مضي "الدولة الحبيسة" جغرافيًا في بناء الأسطول الإثيوبي بدعم روسي وفرنسي، ومؤخرًا تم الإعلان عن انتهاء إثيوبيا من إنشاء مقرات الأسطول البحري في "أديس أبابا" على مساحة 3 هكتارات، يضم مكاتب إدارية وخدمات طبية وقاعات تدريب وبنية تحتية حديثة ومراكز لتطوير الكوادر مثل مركز "بيشفتو".

على الرغم من تصريحات "آبي أحمد"، ثمة تناقضات بين التصريحات والسلوك، في ظل روايات خارجية تتهم إثيوبيا بنوايا توسعية أو عدوانية. كما أنه لا توجد أدلة على تحركات عسكرية لإثيوبيا على الحدود -وفق الباحث-، وبتفنيد التوترات على الحدود الإثيوبية والإريترية، يتضح بعض الأمور أهمها:

1- هناك تقارير تحدثت عن تحركات عسكرية إثيوبية على الحدود مع إريتريا، وبنفس النمط من الجانب الإريتري أيضًا، إذ اعتبر الأخير أن تصريحات إثيوبيا تهديد مباشر لسيادته وأمنه.

2- تحذيرات من بعض العسكريين الإثيوبيين من إمكانية أن تكون الحرب "وشيكة" بين الجانبين، وأن الاستعدادات العسكرية وصلت لمراحل متقدمة.

3- بيان الخارجية الإثيوبية الأخير الذي أشار إلى أن التوترات بين الجانبين نمط تاريخي متكرر، وأن إريتريا نفسها تقوم بأدوار بالوكالة لتهديد النظام الإثيوبي عبر دعم المعارضين والمنتقدين للنظام. هنا يمكن الإشارة إلى بعض التقارير الإعلامية التي تؤكد قيام إريتريا بتدريب ميليشيات "فانو" المعارضة لنظام "آبي أحمد"، وأيضًا التعاون الإريتري مع "جبهة تحرير تيغراي"، وهو ما أبلغه فعليًا وزير الخارجية الإثيوبي عبر رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة في أكتوبر الماضي.

4- أخيرًا، يمكن القول إن رئيس الوزراء يستخدم لغة مراوغة بشكل كبير، فمن جهة يصعد في تصريحات، ومن جهة أخرى يؤكد أن إثيوبيا لا تهدد جيرانها، ويؤكد على اتباع لغة الحوار والدبلوماسية كخيار أمثل.

ثانيًا: النظرة الإريترية تجاه إثيوبيا

يزعم الباحث أن النظام الإريتري يتميز بأن لديه نظرة عدائية متشككة داخليًا وخارجيًا، وهذه النظرة تنعكس في الداخل الإريتري عبر تقويض المعارضة الداخلية، وخارجيًا تجاه إثيوبيا عبر اعتبار الأخيرة تقوم بدور مناهض للنظام الإريتري وتشن حربًا بالوكالة تجاه النظام الحاكم، وفي سبيل ذلك فهي تتعاون إقليميًا ودوليًا لتدريب المعارضة الإثيوبية. وبحسب الباحث، فإن الأدلة التي يتم جمعها تدلل على هذا، حيث تعتمد فلسفة الرئيس الإريتري على عقلية المواجهة والشك تجاه الآخر سواء كان الآخر (معارضة داخلية، دولة مجاور، مجتمع دولي).

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد 
رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد 

هذا الخطاب من الباحث يتوافق مع ما يتم ترويجه في الإعلام الإثيوبي وبيانات الخارجية الإثيوبية، والتي أكدت مؤخرًا على عقيدة "آسياس أفورقي" التي تربط إريتريا بعدم استقرار إثيوبيا على الساحة، بالإضافة إلى طبيعة الدولة البوليسية في إريتريا، وتعزيز علاقاتها مع دول مثل السودان ومصر. وبالتالي، فإن مجمل تحليل الباحث يفيد بأن إريتريا فاعل يصعب التنبؤ به، وسلوكها الخارجي ليس رد فعل على إثيوبيا فقط، بل امتداد لنهج سياسي أيديولوجي طويل الأمد.

والواقع أن هذا التحليل يمكن نقده عبر وضع بعض النقاط في الاعتبار، وهي كالتالي:

أن الباحث نفسه إثيوبي ويعتمد في تحليله على مصادر بلاده، وبطبيعة الحال يعكس تحليله وجهة نظر ومصالح الدولة التي ينتمي لها، ولكن إذا أردنا الوصول إلى الحقيقة، لابد أن يعتمد على مصادر محايدة لتفنيد الروايتين الإثيوبية والإريترية، كما أن الباحث أغفل الأدلة التي تثبت موقفه.

أغفل الباحث طبيعة السياسة الخارجية للدول الصغيرة، والتي تعتمد في سياستها الخارجية على بناء شبكات نفوذ خارجي، تستخدم جماعات مسلحة كوسيلة ردع غير مباشر، وتتبع سياسة خارجية هجومية لمنع تهديدات محتملة قبل أن تتضخم.

ليس أدل على عدم وجاهة هذا الطرح إلا التحركات الإريترية خلال حرب "التيغراي" ودعم نظام "أفورقي" للدولة الإثيوبية، وعلى أي حال فإن "آبي أحمد" قد حصل على جائزة نوبل للسلام بفضل توقيعه اتفاقية مع الجانب الإريتري لإنهاء حالة النزاع الحدودي مع "إريتريا"، والتي أنهت عقودًا من "حالة لا سلم ولا حرب".

أغفل الباحث أن السلوك الإريتري نفسه يعتبر رد فعل للسياسة الإثيوبية ضد الدولة الإريترية، وأن النوايا الإثيوبية والطموحات التاريخية ظلت ملازمة للسلوك الإثيوبي، غير أن التصرفات العدائية لإثيوبيا لا تشمل إريتريا فقط، بل امتدت إلى جيرانها في الصومال وجيبوتي والسودان ومصر. وكأن من المفترض أن تستسلم إريتريا لسياسات "آبي أحمد" التوسعية، والتي تستدعيها بالأساس، دون النظر إلى مصالحها ووجودها كدولة.

وأخيرًا، زعم الباحث أن الفشل في رؤية الصورة الكاملة جعل المقاربات الدولية غير قادرة على منع التصعيد في المنطقة، ودعا إلى ضرورة فهم الديناميات الداخلية الإثيوبية والسلوك الإقليمي لإريتريا لفهم ما يدور من أزمات يمكن أن تعصف بالقرن الإفريقي.

ختامًا:

يمكن القول إن الصراع بين إثيوبيا وإريتريا يتجاوز الخلافات التقليدية على الحدود، ليشكل معقدًا من الديناميات الداخلية للطرفين وطموحاتهما الإقليمية والجيوسياسية. فإثيوبيا، بدورها كدولة حبيسة، ترى في الوصول إلى البحر الأحمر ضرورة استراتيجية للحفاظ على مصالحها الاقتصادية والعسكرية، بينما تعتمد إريتريا على عقلية المواجهة والشك تجاه جيرانها، مما يجعلها فاعلًا يصعب التنبؤ بسلوكه. هذه التفاعلات، إلى جانب التاريخ الطويل للنزاعات والتدخلات بالوكالة، تجعل القرن الإفريقي منطقة شديدة الهشاشة والاستقطاب، حيث يمكن لأي شرارة أن تتصاعد إلى مواجهة أوسع. وعليه، تبدو الحاجة ملحة لفهم ديناميات الصراع بشكل كامل، واعتماد مقاربات دولية وإقليمية دقيقة، تراعي مصالح الأطراف وتحاول بناء آليات للتهدئة والحوار، لتفادي الانزلاق نحو تصعيد يهدد الأمن والاستقرار في واحدة من أخطر المناطق الجيوسياسية في أفريقيا.

شيماء حسن* 

 باحث دكتوراه متخصصة في الشأن الإفريقي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء