عمليات داعش ضد الجيش النيجيري: إخفاق استراتيجية أم اختراق استخباراتي؟
في تطور نوعي، استطاع تنظيم "ولاية غرب إفريقيا" (داعش)، أسر ضابط برتبة عميد، وقائد اللواء 25 للجيش النيجيري في ولاية "بورنو"، الواقعة شمال شرق نيجيريا والتي تعد مركز التمرد الجهادي في البلاد والمستمر منذ 16 عامًا. ووفقًا لوسائل الإعلام المحلية والدولية، واعتمادًا على مصادر تابعة لولاية غرب إفريقيا، استطاع الأخير نصب كمين لدورية عسكرية تضم ضباطًا من الجنود ومجموعة من قوة المهام المشتركة المدنية.
وقد نصب مقاتلو التنظيم الكمين بمجرد وصول معلومات استخباراتية تفيد بمرور الدورية من قرية "واجيروكو Wajiroko"، إحدى القرى التي تتبع ولاية "بورنو". وبالفعل تم أسر العميد "موسى أوبا" ومجموعة من الجنود وقتل مجموعة أخرى. وعلى الرغم من رفض الجيش النيجيري ادعاءات "ولاية غرب إفريقيا"، فإن الرئيس "بولا تينمبو" قد أقر بوقوع الحادث.
وتكشف حادثة الأسر عن الفجوة الاستخباراتية بين تنظيم "داعش" والجيش النيجيري، خاصة وأن منطقة الحادث "وايجوريكو"، باعتبارها ضمن القرى النائية، تقع ضمن سيطرة فصائل "بوكو حرام". وهو ما سيتم مناقشته على النحو الآتي:
أولًا: الفصائل المتنافسة في الشمال الشرقي النيجيري
ظلت جماعة "بوكو حرام" جماعة مركزية يقودها "الشيكوي" بعد وفاة مؤسس الجماعة "محمد يوسف". ومنذ اندلاع تمرد الجماعة عام 2009، أعلنت شنّ الجهاد ضد الدولة النيجيرية ومواطنيها. وبعد الدعم الدولي والإقليمي الذي تمتعت به نيجيريا، استطاعت أن تحجم خطر الجماعة.
وبعدها تحول التنظيم – بفضل الضغط العسكري – من جماعة مركزية إلى فصيلين متنافسين؛ انضم أحد الفصائل إلى "داعش" وأصبح "ولاية غرب إفريقيا"، بينما ظل الآخر على ولائه "للشيكوي". وبعد مقتل الأخير، انقسمت الجماعة إلى جماعات متفرقة لا مركزية، أكبرها فصيل "ولاية غرب إفريقيا"، وفصيل "باكورا دورون" الذي رفض الانضمام إلى الأول، وبعض المجموعات الصغيرة التي تحمل اسم "بوكو حرام" لكنها تمارس نفس تكتيكات الجماعة القديمة مثل القتل والاختطاف والاعتداء على المدنيين.
وعلى أي حال، يعتبر فصيل "ولاية غرب إفريقيا" مركزيًا إلى حدّ ما، ويطبق نموذجًا للحكم يعتمد على كسب ثقة المدنيين وتطبيق نظام لجمع الضرائب وتطبيق أحكام الشريعة (على حد زعمهم)، وتحريم التعامل مع الدولة النيجيرية.

ثانيًا: ملابسات حادث 15 نوفمبر
وفقًا لبعض التقارير الميدانية، وقع الحادث في الساعة 5 صباحًا على طريق "دامابوا–بيو"، أحد الطرق الرئيسية في ولاية "بورنو". وخلال مرور قافلة عسكرية أثناء دورية أمنية تقليدية، وقعت القافلة في كمين نصبه مقاتلو "ولاية غرب إفريقيا". إذ تعد الولاية مركز التمرد وتعاني من سيطرة فصائل "بوكو حرام".
وعلى الرغم من رواية الجيش النيجيري بأن الضابط المأسور، وهو عميد وقائد اللواء 25، قد اختفى لمدة ساعات ثم ظهر مرة أخرى، فإن التنظيم نشر صورًا للضابط مرفقة بفيديو لقتله. ومن ثم شهدنا الرئيس النيجيري يعزي الضابط المقتول.
ووفقًا للمعلومات المتاحة يمكن استنباط ملابسات الحادث، وذلك على الرغم من عدم إدلاء الجيش النيجيري بأي تصريحات عن تفاصيل العملية.
وكما سبقت الإشارة، فإن منطقة الكمين تقع ضمن سيطرة فصائل "بوكو حرام" المتنافسة. وعلى الرغم من أن الحادث تم أثناء دورية تأمين لمجتمع "واجيروكو" – منطقة نائية على أطراف الولاية وقريبة من غابات "سامبيسا" – وهي الدوريات الروتينية التي يتم تنفيذها ضمن استراتيجية "المعسكرات الحامية" التي طبقها الجيش النيجيري منذ عام 2019 لتأمين المجتمعات المحلية من هجمات مقاتلي فصائل "بوكو حرام".
لكن بعد الانسحاب من القرى والمناطق النائية، ظلت الأخيرة تعاني من هجمات المقاتلين عبر استهداف الدوريات العسكرية ونقاط التفتيش ونصب الكمائن والإغارة، وهي التكتيكات التي يتفوق فيها المقاتلون، وتعتبر نقطة ضعف في الاستراتيجية العسكرية لمواجهة الإرهاب.
كما أن المعسكرات military super camps والمدن الحامية نفسها لم تسلم من هجمات "ولاية غرب إفريقيا". وردًا على استراتيجية "المعسكرات الحامية"، رد التنظيم بشن هجمات تحمل اسم "المعسكرات الحارقة" أو "المدن الحارقة" في إشارة إلى استهداف هذه المعسكرات وتحويلها إلى مدن محروقة. وبالتالي استمر التهديد الإرهابي مستمرًا واستمرت الهجمات ضد النقاط العسكرية والمسيحيين من قبل تنظيم "ولاية غرب إفريقيا"، واستمر تهديد فصيل "بوكو حرام" التابع لـ"باكورا" المتمركز في جزر بحيرة تشاد.
وعلى الرغم من أن منطقة الحادث تبتعد عن أقرب منطقة تضم معسكرات حامية (مايدجوري، مايلاماري، موننغو) بحوالي 86–200 كيلومتر، وتقترب أكثر من غابات "سامبيسا–الأغارنو"، فإن محور "دامابوا–بايو" يضم مقر اللواء 25، وهو اللواء الذي يقوده "موسى أوبا" العميد المقتول. وبطبيعة الحال يصبح هدفًا مهمًا لتنظيم "ولاية غرب إفريقيا". أي أن تمركز القوات على محور "دامابوا–بايو" جعلها ضمن أهداف التنظيم.

ثالثًا: فجوة استخباراتية (الجيش – تنظيم ولاية غرب إفريقيا)
اللافت هنا هو القدرة الاستخباراتية التي تميز بها تنظيم "ولاية غرب إفريقيا"، إذ استطاع تحديد ميعاد مرور الدورية واستهدافها وأسر عدد من الجنود والضباط. ووفقًا لبعض المصادر الميدانية، فإن المقاتلين تركوا هاتف الضابط مفتوحًا لبعض الوقت ثم سمحوا له بإجراء مكالمة هاتفية مع أحد زملائه – حتى يستطيع الجيش تحديد مكانه – ثم قاموا بقتله، في تحدٍّ واضح للجيش وإمكانياته.
وفي تفسير لهذا الموقف، يعتبر المحلل "مالك صومائيل" أن (الهجوم يُظهر قدرة الجماعة على تنفيذ عمليات معقدة ومتعددة المراحل، ويبرز – على الرغم من استمرار قتالها العنيف مع فصيل باكورا، والذي أسفر عن خسائر فادحة في صفوفها – قدرتها المستمرة على المناورة بثقة داخل ممر سابون غاري–واجيروكو–الأغارنو الغابي).
ويضيف: (يشير مطاردة الجماعة للجنرال وأسره إلى وجود وحدات متنقلة منضبطة مدعومة بشبكات استخبارات قوية، مما يعكس تطورها العملياتي المستمر رغم الضغط العسكري).

وتشير رسالة ولاية غرب إفريقيا إلى أن الجماعة كانت على علم بحركة القافلة واستهدفت الجنرال تحديدًا. ووفقًا للمعلومات المنشورة، فقد سعت إلى تحديد هويته مع بدء الكمين، وعندما أدركت أنه مفقود، سارعت الجماعة إلى إرسال فريق بحث منسق. وهذا يشير إلى الفعالية الهائلة لنشرها الاستخباراتي.
وبحسب "صومائيل"، فإن التنظيم صرح بأن الجنرال "أوبا" لم يُقتل إلا بعد أن أجرى مقاتلوه "تحقيقًا ميدانيًا" معه. وهذا يشير على الأرجح إلى أنه خضع لاستجواب يهدف إلى استخلاص معلومات. وبطبيعة الحال، يصبح هاتف الضابط مصدرًا مهمًا للمعلومات. ومن المعروف أن "ولاية غرب إفريقيا" تعتمد على مقاتلين أجانب لتدريب أفرادها على الاختراق الرقمي واستغلال الحواسيب.
ختامًا:
في ضوء ما سبق، تكشف حادثة أسر ومقتل العميد موسى أوبا، عن تحول خطير في معادلة الصراع بين الجيش النيجيري وتنظيم ولاية غرب إفريقيا، ليس فقط من حيث الجرأة العملياتية، بل من حيث التفوق الاستخباراتي الواضح الذي أظهره التنظيم في رصد تحركات القوات واستهداف أحد أهم قادتها بدقة. وتوضح العملية أن استراتيجية "المعسكرات الحامية" لم تعد قادرة على احتواء تمدد الفصائل المسلحة، وأن المناطق النائية، خصوصًا ممر سابون غاري–واجيروكو–الألغارنو، باتت فضاءً عملياتيًا مفتوحًا للجماعات الجهادية التي تستثمر في ضعف الدولة وتراجع حضورها.

كما تعكس العملية استمرار ديناميكية التنافس بين الفصائل الجهادية، وتحديدًا بين ولاية غرب إفريقيا وبقايا بوكو حرام التابعة لباكورا، حيث يسعى كل طرف لإثبات التفوق والهيمنة على مسرح الشمال الشرقي. ومع أن الجيش النيجيري يعلن تحقيق تقدم ميداني، إلا أن قدرة التنظيم على تنفيذ عمليات معقدة، متعددة المراحل، تعتمد على وحدات متنقلة وشبكات استخبارية متقدمة، تشير إلى أن الصراع ما زال بعيدًا عن الحسم.
وبناءً على ذلك، تبدو الحاجة ملحة لإعادة تقييم شامل للنهج العسكري والاستخباراتي في نيجيريا، بما يشمل تعزيز حضور الدولة في المناطق الطرفية، وتطوير أدوات الرصد المبكر، وإعادة هيكلة النظام الأمني لمواجهة تهديد عابر للحدود يتطور بوتيرة متسارعة. فالعملية ليست مجرد حادث ميداني، بل مؤشر على خلل استراتيجي أعمق، يفرض على الدولة النيجيرية إعادة التفكير في شكل المواجهة ومستقبلها قبل أن تتحول هذه الاختراقات إلى نمط دائم يهدد تماسك الدولة وأمنها القومي.



