رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

ممر الإرهاب غرب إفريقيا: نيجيريا في مرمى الجماعات المسلحة

جماعة نصرة الإسلام
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بإفريقيا - أرشيفية

في 29 أكتوبر، استهدفت مجموعة مسلّحة - تابعة لجماعة نصرة الإسلام والمسلمين - دورية نيجيرية في ولاية "كوارا" النيجيرية - شمال الوسط - وبالقرب من الحدود النيجيرية مع دولة "بنين"، وقد أسفر الهجوم عن قتل جندي نيجيري ومصادرة الإرهابيين لعتاد الجنود مثل البندقية الهجومية ودراجات نارية كانوا يستقلّها الجنود. وقد جاء الإعلان عن الهجوم بعد تحليلات قد ربطت بين وصول جماعة نصرة الإسلام والمسلمين إلى دول مثل "بنين" و"توجو" و"ساحل العاج" وقيامها بشنّ هجمات مسلّحة في هذه الدول. ويناقش التقرير هذا الهجوم وذلك على النحو الآتي:

أولاً: ملابسات استهداف الدورية على الحدود في 28 أكتوبر الماضي

وقع الحادث في ولاية "كوارا" النيجيرية في الحزام الأوسط النيجيري، حيث تشترك مع دولة "بنين" في حدود مساميّة كانت ولا تزال نقطة الضعف الاستراتيجية التي تعاني منها الدول التي تواجه تهديدات أمنية غير تقليدية (الإرهاب، عصابات الجريمة المنظمة). والواقع أن جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" قد كثّفت عملياتها في دولة "بنين" خاصة حدائق "دبليو" و"بندجاري" شمال البلاد، وهي المنطقة الرخوة التي تشترك حدوديًا مع مناطق سيطرة الجماعة في "بوركينا فاسو" و"النيجر". 

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في إفريقيا - أرشيفية
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في إفريقيا - أرشيفية

ويمكن القول إن بعض المحللين قد أشاروا إلى إمكانية تمدد الجماعة نحو دول "خليج غينيا"، وهو ما أثبتته عدة تقارير دولية. كما أن بعض الباحثين قد توقّعوا منذ يوليو الماضي إمكانية مهاجمة الجماعة للشمال الغربي النيجيري، خاصة وأن الجماعة ترتبط بصلات مع مهربي الماشية وعصابات الجريمة المنظمة، وبالطبع يمكن أن تتعاون مع بعض الفصائل الجهادية مثل جماعات "لاكوارا" وجماعة "أنصارو" الناشطة في الشمال النيجيري. والواقع أن هذا الهجوم قد ضاعف من حجم التحديات الأمنية التي تواجهها نيجيريا. كما ترافق الهجوم مع التغييرات في الهيكل القيادي للجيش النيجيري، حيث أجرى الرئيس "بولا تينوبو" مؤخرًا تغييرات واسعة في قيادة الجيش شملت استبدال رئيس هيئة الأركان وقادة القوات البرية والبحرية والجوية.

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في إفريقيا - أرشيفية
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في إفريقيا - أرشيفية

الواقع أن تحذيرات المحللين بأن جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" قد جاءت بعد نشر الأخيرة مقطع فيديو في يوليو الماضي لمجموعة من المسلحين يزعمون أنهم متواجدون على أرض نيجيريا - في الجزء الجنوبي من ولاية النيجر - ومن ثم سوف يشرعون في استهداف الجيش النيجيري. وهو ما جعل المتخصص "برانت فيليب" ينشر عبر منصة "X" على حسابه الشخصي تعليقًا يقول فيه إن الجماعة لم تهاجم من قبل الجيش النيجيري، ولكن بعد هذا الفيديو لن تصبح نيجيريا مجرد قاعدة خلفية مثل موريتانيا أو توغو، ولكن إن مسألة الهجوم على الجيش النيجيري ما هي إلا مسألة وقت، وهو ما تأكد فعليًا في نهاية أكتوبر الماضي.

ثانيًا: هجوم أكتوبر (التوقيت ودلالاته)

يأتي هجوم جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" (JNIM) على الجيش النيجيري في إطار استراتيجية توسعية واضحة تسعى من خلالها الجماعة إلى نقل عملياتها من منطقة الساحل نحو دول خليج غينيا، وفي مقدمتها نيجيريا. ويعود هذا التحول إلى عدة عوامل رئيسية؛ أبرزها استغلال هشاشة الوضع الأمني في الشمال الغربي لنيجيريا، وهي منطقة تعاني منذ سنوات من انهيار بنية الأمن المحلي وانتشار العصابات المسلحة ونقص الوجود العسكري الفعّال، مما يجعلها بيئة خصبة لاختراق الجماعات الجهادية. كما تستفيد JNIM من شبكات تعاون مع عصابات محلية تساعدها على تأمين طرق الحركة والإمداد وتنفيذ هجمات محدودة التكلفة، وهو نهج سبق أن استخدمته الجماعة في مالي وبوركينا فاسو.

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في إفريقيا - أرشيفية
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في إفريقيا - أرشيفية

إضافة إلى ذلك، يمثّل الهجوم رسالة سياسية وإعلامية تهدف الجماعة من خلالها إلى إعلان حضورها داخل نيجيريا ومنافسة تنظيمات أخرى مثل "داعش غرب إفريقيا" (ISWAP). كما يهدف إلى السيطرة على طرق التهريب والموارد التي تشكّل مصدرًا مهمًا لتمويل الجماعة. ويعد الهجوم أيضًا محاولة لاختبار رد فعل الدولة النيجيرية وقدرتها على فتح جبهة جديدة في ظل تعدد التحديات الأمنية. وأخيرًا، تستغل الجماعة حالة التهميش الاجتماعي والاقتصادي في بعض المناطق الريفية لتوسيع حضورها المحلي وتعزيز قبولها بين السكان.

ثالثًا: تداعيات الهجوم

يمثّل هجوم جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" على قوات الجيش النيجيري في الشمال الغربي تطورًا نوعيًا ينذر بتوسع رقعة التهديدات الجهادية داخل البلاد. فالهجوم يفتح جبهة أمنية جديدة في منطقة كانت تعاني أصلًا من نشاط العصابات المسلحة، مما يزيد الضغوط على قدرات الجيش ويجبر الدولة على إعادة توزيع مواردها العسكرية. كما يعد الهجوم مؤشرًا على احتمال نشوء تحالفات بين الجماعات الجهادية والبلطجية المحلية، وارتفاع وتيرة العنف بسبب دخول فاعل مسلح أكثر تنظيمًا وخبرة.

جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في إفريقيا - أرشيفية
جماعة نصرة الإسلام والمسلمين في إفريقيا - أرشيفية

 أما التداعيات على المجتمعات في الأسوأ، فربما تلجأ هذه المجتمعات إلى الاستسلام لهذه الجماعات مقابل توفير الحماية، خاصة إذا شعرت بخيبة أمل من الإهمال الحكومي أو ضعف سيطرة الدولة على هذه المناطق. وهنا يمكن الحديث عن إنشاء إمارات تتبع الجماعة وفيها تنفذ نموذجها للحكم عبر فرض الضرائب، جمع الزكاة، تطبيق نظامها الاجتماعي والديني، والسيطرة على موارد هذه المنطقة. 

داعش إفريقيا - أرشيفية
داعش إفريقيا - أرشيفية

ولكن الأخطر من ذلك هو إنشاء ممر جهادي مسلح في دول الساحل يصل إلى خليج غينيا، مثلما توقعت بعض الدراسات. وعلى جانب آخر، يمكن لهذا الهجوم أن يرفع من معنويات المقاتلين، وأن تستغله الجماعة في تجنيد المزيد من الناقمين والمظلومين والمهمشين في الشمال النيجيري، وزيادة الضغط على الجيش النيجيري الذي يواجه إرهاب "بوكو حرام" وفصائلها في الشمال الشرقي وعصابات الجريمة المنظمة في الشمال الغربي، والتمرد في الجنوب الشرقي، في وقت يعاني فيه الجيش أساسًا من قلة الموارد المتاحة، وهو ما صرح به قائد الجيش الجديد "أولافيمي أوليدو" في مستهل تصريحاته بعد تنصيبه أواخر أكتوبر الماضي.

ختامًا:

 شكّل استهداف جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" نموذجًا للتمدد الجهادي لأحد أبرز فصائل تنظيم القاعدة في إقليم الغرب الإفريقي، والذي أصبح بؤرة الإرهاب العالمي بحسب توصيف مؤشر الإرهاب الدولي، إذ سمحت الحدود المسامية والتعاون مع عصابات الجريمة المنظمة والتعاون مع فصائل تابعة للقاعدة في الشمال الغربي (أنصارو) بالتسلل واستهداف دوريات تابعة للجيش النيجيري، مما يضاعف الضغط على الأخير، ويمثل متنفسًا للجماعة من الضغط العسكري عليها في مالي. الحادث أيضًا يشير إلى دخول نيجيريا في دائرة التوسع الجهادي مع وجود مخاطر كبيرة على الأمن الوطني والسلام الإقليمي والتماسك الاجتماعي في الشمال الغربي.

شيماء حسن* 

 باحث دكتوراه متخصصة في الشأن الإفريقي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء