سيناريو التقسيم في السودان: أخطر تداعيات استمرار الحرب والهدنة الطويلة
في 12 سبتمبر الماضي، أصدرت الرباعية الدولية بيانًا يضع الأساس لخطة سلام في السودان، تبدأ بهدنة إنسانية والتفاوض على وقف الحرب وتقديم الإغاثة الإنسانية. ولم تُفضِ هذه الجهود إلى تنفيذ الخطة نظرًا لأن طرفي الحرب لديهما الرغبة في تحقيق الحسم العسكري، وهو أمر طبيعي مفهوم نظرًا للخلفية العسكرية لكلٍّ منهما، واعتقاد كلٍّ من الطرفين امتلاك القدرة على تحقيق النصر، أضف إلى ذلك استمرار الأطراف الداعمة لكليهما.
ولطالما فضّلت واشنطن عدم التدخل في الصراع السوداني، لكن يبدو أنه منذ إعلان خطة السلام قد عدّلت موقفها، ويمكن فهم ذلك من تصريحات وزير الخارجية "ماركو روبيو"، ومستشار "ترامب" للشرق الأوسط "مسعد بولس"، وهي التصريحات التي أكدت ضرورة إرساء هدنة وتقديم الإغاثة الإنسانية ووقف الحرب. لكن كيف يمكن أن تصبح الهدنة في السودان نقطة ضعف للجيش السوداني؟ هذا ما سيتم مناقشته في هذا التقرير، وذلك على النحو الآتي:
أولاً: معارك الكر والفر بين الجانبين
منذ اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع في أبريل 2023، حققت قوات الدعم السريع مكاسب تسببت في السيطرة على ولايات مهمة في السودان، ولكن لم تستطع الأخيرة الاحتفاظ بالسيطرة عليها، وسرعان ما أعاد الجيش تنظيم صفوفه واستعان بميليشيات الدفاع الذاتي، والقوات المشتركة لمواجهة التهديد. وهو ما انعكس على الواقع الميداني بشن هجوم مضاد لاستعادة الخرطوم والجزيرة وغيرها من الولايات ذات الثقل في الشمال والشرق. وبينما تراجع الدعم السريع وتركّز في الغرب، استمرّت قدرته على تهديد العاصمة واستهداف البنى التحتية والمنشآت الحيوية بفضل الاستعانة بسلاح المسيّرات.

كما لم يتوقف الدعم المقدّم للقوات المتمردة التي استخدمت أسلحة ثقيلة ومتطورة، وقامت بمحاصرة مدينة الفاشر لشهور وقطع خطوط الاتصال بالحامية العسكرية للجيش السوداني، ومن ثم مهاجمة المدينة والسيطرة عليها. ويمكن لهذا الوضع طرد الجيش من آخر معاقله في "دارفور" وإمكانية فتح ممر نحو الخرطوم والولايات الشمالية. وقد عزّز الدعم السريع هذه الخطوة بعد الإعلان عن حكومة موازية تتحدى حكومة "بورتسودان" وتسعى لشرعنة موقفها وترسيخ مكاسبها في أي مفاوضات مستقبلية. وخلال هذه الفترة، جاءت الجهود الدولية والإقليمية لمحاولة وقف الحرب، لكنها لم تجد الإرادة لتحقيقها.

ثانيًا: لماذا دفعت الأطراف الإقليمية واشنطن للتدخل؟
هناك عدة أسباب دفعت الدول الداعمة لطرفي الصراع إلى الضغط على واشنطن لضرورة التدخل. فعلى الرغم من رغبة الرئيس "ترامب" في الظهور كـ"صانع سلام" يتدخل في الصراعات ليحلّها عبر توقيع اتفاقات تنهي الصراعات الممتدّة ولو بشكل ظاهري، والتباهي بما يصنعه لتحقيق مكاسب داخلية وخارجية، فإن الأطراف الداعمة للجيش والدعم السريع تسعى أيضًا لاستمالة الجانب الأمريكي. غير أن استمرار الحرب وارتكاب الجرائم ضد المدنيين له تداعياته على دول الجوار، سواء مصر أو السعودية. أضف إلى ذلك الخلافات بين الدول العربية والخليجية التي قوّضت فرص تحقيق سلام حقيقي- فشل اجتماعات لندن، فشل حوارات جدة وسويسرا- ويبدو أن قدرة الدعم السريع على شن هجمات على العاصمة المؤقتة للحكومة السودانية في "بورتسودان" قد أثارت غضب مصر والسعودية، ومما زاد الأمر تعقيدًا فقدان السيطرة على عاصمة إقليم "دارفور" والتوجّه نحو إقليم "كردفان".
وعلى أي حال، اتفقت الرباعية الدولية وفق بيان 12 سبتمبر على دفع الأطراف السودانية نحو هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر تصبح في نهاية تلك الفترة وقفًا دائمًا لإطلاق النار. والخطوة التالية هي عملية سياسية مدتها تسعة أشهر بين السودانيين لاختيار حكومة انتقالية "بقيادة مدنية". ويحدّد البيان أنه لا ينبغي أن يسيطر أي طرف متحارب على العملية السياسية. ويدين بند آخر "الجماعات المتطرفة العنيفة"، في إشارة واضحة إلى الحركة السياسية الإسلامية التي حكمت البلاد في ظل نظام البشير، وإلى جانب الميليشيات المرتبطة بها التي تُعد عنصرًا مهمًا في ائتلاف البرهان. كما ينص الاتفاق على ضرورة وقف المساعدات الخارجية لأطراف النزاع، على الرغم من أنه لا يصل إلى وعد صريح من القوى الرباعية بإنهاء دعمها.

وبحسب تقرير لمجموعة الأزمات الدولية، فإن الخلافات بين الدول العربية والخليجية الداعمة لطرفي الحرب في السودان تركزت حول الخطوات التنفيذية للتعامل مع الأزمة. فبينما فضّلت مصر والسعودية إجراء مفاوضات وقف الحرب أولًا ثم الدخول في عملية سياسية، فضّلت الإمارات العربية وضع إطار زمني لتشكيل حكومة انتقالية، وهو ما يقوّض الموقف التفاوضي للجيش الذي يمتلك اليد العليا. وعلى أي حال، حصلت مصر والسعودية على النهج المتسلسل، بينما حصلت الإمارات على جدول زمني مضغوط مدته 3 أشهر يبدأ بهدنة والدخول في مفاوضات سلام. وعلى الرغم من ذلك، لم يتم التنفيذ واستمرت الحرب؛ فمن ناحية كثّفت قوات الدعم السريع هجماتها على إقليم "كردفان"، ومن ناحية أخرى أعلن البرهان التعبئة العامة وشنّ هجمات مضادة على محاور تقدم الدعم السريع في "كردفان".

ثالثًا: كيف يمكن أن تصبح الهدنة في السودان نقطة ضعف الجيش السوداني؟
يمكن أن تشكّل الهدنة في السودان نقطة ضعف للجيش السوداني إذا جاءت في توقيت يمنح قوات الدعم السريع مساحة لإعادة تنظيم صفوفها وتعزيز قدراتها. فبينما يلتزم الجيش عادةً بالبنود الإنسانية والسياسية المصاحبة لأي هدنة، قد يستغل الطرف الآخر هذا التوقف لإدخال الإمدادات، وتحصين مواقعه، والتوسع داخل المناطق المدنية بطريقة تُقيّد قدرة الجيش على الرد لاحقًا. كما أن الهدنة قد تُضعف الزخم العسكري الذي يكتسبه الجيش بعد عمليات ناجحة، وتخلق ضغوطًا دولية تقيّد تحركه وتمنح خصومه فرصة لتقديم أنفسهم كقوة مساوية للدولة. وبهذا، تتحول الهدنة من أداة لتخفيف المعاناة الإنسانية إلى عامل يعيد رسم ميزان القوى ميدانيًا لصالح الطرف الأكثر قدرة على استغلالها.
ختامًا:
يمكن لأي هدنة غير مراقبة دوليًا وطويلة أن تضفي شرعية على الدعم السريع، وتمكّنه من تعزيز مواقعه وبناء التحصينات وزيادة التجنيد وتعزيز الدعم بالأسلحة، ما قد يفقد الجيش السوداني نجاحاته ويحدّ من قدرته على تحقيق النصر الحاسم، ويؤثر على الروح المعنوية للجنود. وعلى جانب آخر، قد يؤدي استمرار الحرب إلى سيناريو التقسيم في السودان، وهو أسوأ واقع يمكن أن يتحقق، وسيكون له تداعيات مروّعة.



