رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

التهديد الهجين: جماعة "لاكوارا" الإرهابية في نيجيريا

جماعة لاكوارا  الإرهابية
جماعة لاكوارا الإرهابية في نيجيريا -أرشيفية

أصبحت جماعة "لاكوارا Lakurawa" أو "لاكورجي Lakuruji" كما يطلق عليها النيجيريون بلغة الهاوسا الفولاني، من أبرز التهديدات الإرهابية في الشمال الغربي النيجيري. وتتواجد الجماعة في ولاية "سوكوتو" و"كيبي" و"زامفارا"، وقد صنّفت نيجيريا الجماعة كمنظمة إرهابية في يناير من العام الجاري، غير أن أنشطتها الإرهابية استهدفت المدنيين والعسكريين والسياسيين. وتزعم الجماعة أنها تريد إقامة "خلافة إسلامية" في الشمال الغربي، ولا تعترف بشرعية الحكومة. وعلى غرار الجماعات الإرهابية تنشط الجماعة في المناطق التي تغيب عنها سيطرة الدولة. ويسعى التقرير للبحث في طبيعة التهديد الذي تمثله الجماعة، وذلك على النحو الآتي: 

أولًا: النشأة والتطور

تستمد المجموعة اسمها من الكلمة الفرنسية "التجنيد La recrue"، فيما تشير بعض المصادر إلى قبيلة في مالي تحمل الاسم نفسه. ووفقًا لعدد من المصادر الحكومية والإعلامية النيجيرية، فإن "لاكوارا" قد تسربت إلى الشمال الغربي النيجيري في وقت متأخر من عام 2023. وقد استطاعت التواجد بفضل زيادة نشاط عصابات اللصوصية في ولايات الشمال الغربي. والواقع أن السلطات المحلية كان لها الفضل في اجتذاب مجموعة "لاكوارا" من مالي وبوركينا فاسو كأحد "الحراس الفولانيين" الذين يمكن الاعتماد عليهم في مواجهة إرهاب "رعاة الفولاني" الذين يستهدفون المسلمون ويتخصصون في أنشطة الجباية والسرقة بالإكراه والاعتداء على الممتلكات العامة.  

جماعة لاكوارا  الإرهابية - أرشيفية 
جماعة لاكوارا  الإرهابية - أرشيفية 

ويرجع هذا بشكل أساسي إلى غياب دور الدولة في مواجهة التهديد الناشئ، مما دفع المجتمعات المحلية لمواجهة هذا التهديد بالطرق التقليدية، وهي إما تكوين مجموعات "دفاع ذاتي" أو مجموعات "الحماية المحلية"، أو اجتذاب مجموعات من الرعاة الذين يمكن الاعتماد عليهم في مواجهة عصابات اللصوصية التي تخصصت في سرقة الماشية. والملاحظ أن هذه المجتمعات تعتمد على الزراعة والرعي كأحد الاقتصادات المحلية الأساسية لتدبير سبل العيش للمحللين.

ويبدو أن السحر انقلب على الساحر، فبعد الاتفاق بين السلطات المحلية والمجموعة، انقلبت الأخيرة على هذا الاتفاق وبدأت في ممارسة العنف ضد المجتمعات التي سمحت لها بالدخول والتعاون معها، ومن ثم حاولت تطبيق نظام خاص بها، فهم يجمعون الزكاة، ويطبقون أحكام الشريعة كما يفهمونها، ويحرمون المعازف والأغاني. وبحسب أحد الخبراء الأمنيين فإن الجماعة قد تسللت بحذر واعتمدت على كسب القلوب والعقول مع بناء قدراتها التنظيمية بهدوء، كما توسعت مؤخراً لترسل مقاتلين إلى بعض ولايات شمال غرب وشمال وسط نيجيريا.

ثانيًا: لاكوارا كتهديد هجين Hybrid Threat

يُعرَف التهديد الهجين بأنه نوع من التهديدات التي تجمع بين أساليب متعددة ومتنوعة من العنف أو الصراع أو الضغط السياسي، بحيث لا تعتمد على طريقة واحدة، بل مزيج من أدوات تقليدية وغير تقليدية. وبمعنى آخر، هو خصم يستخدم تكتيكات غير نظامية (غير تقليدية) مع أدوات تقليدية في نفس الوقت، بالإضافة إلى الإرهاب والجريمة والتمرد، بهدف تعطيل سلطة الدولة وتحقيق مكاسب سياسية أو عسكرية. أي أن الخصم قد يقاتل كمقاتل إرهابي، ويخطف مثل العصابات، ويستخدم تكتيكات عسكرية نظامية — all at once.

  جماعة لاكوارا  الإرهابية - أرشيفية 
  جماعة لاكوارا  الإرهابية - أرشيفية 

وتمثل "لاكوارا" تهديدًا هجينيًا للأمن في نيجيريا، فزعيم الجماعة قائد قطاع الطرق "شارابي Charambe"، ووفقًا لأحد الخبراء الأمنيين فإن تقديرات الجماعة تصل إلى 3000 مقاتل. وقد حدث تحول في أساليب تجنيدها، فبعد أن اعتمدت على التجنيد الطوعي أو حتى الإغراء بالمال، أصبح التجنيد الإجباري ملازمًا للجماعة. كما أن أعضاء المنظمات الإجرامية واللصوصية أصبحوا الآن مصدرًا مهمًا للتجنيد في "لاكوارا" وذلك بعد أن قضت العمليات العسكرية على أبرز قادتهم ضمن عمليات مكافحة إرهاب الجريمة المنظمة في الشمال الغربي.

وعادة ما يصاحب نشاط "لاكوارا" القتل والتدمير ونهب الممتلكات والأراضي، ونصب الكمائن والاعتداء على الثكنات العسكرية، وممارسة الخطف مقابل الفدية، والاعتداء على السياسيين. وقد ترسخ هذا الاعتقاد بعد الروابط التي تم الكشف عنها مع عصابات الجريمة المنظمة وعصابات اللصوصية "بانديتاري Banditary"، مما تسبب في أزمات إنسانية، إذ يدفع نشاط المجموعة العديد من الأهالي للنزوح سواء داخليًا أو التحول للجوء إلى الخارج. ولقد تسبب هذا في اعتبار نيجيريا أحد أبرز الدول التي تعاني من خطر قطاع الطرق، وتصنيفها عالميًا ضمن الدول العشر الأوائل الأخطر في إفريقيا على مؤشر الإرهاب العالمي. وما يزيد الأمر تعقيدًا هو التحالف الذي نشأ بين بعض هذه العصابات والتنظيمات الإرهابية سواء بقيادة داعش أو القاعدة.

  جماعة لاكوارا  الإرهابية - أرشيفية 
  جماعة لاكوارا  الإرهابية - أرشيفية 

ثالثًا: الاستجابة الحكومية

من اللافت الإشارة إلى أن هناك تضاربًا في المصادر الحكومية والأكاديمية حول تصنيف "لاكوارا"، سواء كانت تتبع القاعدة (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) أو داعش (ولاية الصحراء)، إذ إن ممارساتهم تتشابه إلى حد كبير، فهم يطبقون الشريعة ويجمعون الزكاة، ويحرمون المعازف، ويسعون لتكوين خلافة محلية في الشمال الغربي. لكن الثابت أن المحكمة الفيدرالية النيجيرية قد اقتضت بتصنيف الجماعة كمنظمة إرهابية، وهو التصنيف الذي يشرعن استهدافهم من قبل المؤسسة العسكرية النيجيرية.

وبالفعل شنت الأخيرة عملية "أوبريشن لاكوارا أوت Flush Lakurawa Out"  بهدف طرد الجماعة من المناطق الريفية في "كِبّي" و"سوكوتو". حيث أعلن اللواء "أولوينكا سويلي"، قائد مسرح العمليات في قوة المهام المشتركة شمال غرب "عملية فانسان ياما"، عن التزامه خلال زيارة إلى المقر التكتيكي للواء العمليات الخاصة التابع للقيادة العامة منطقة "جودو" الحكومية المحلية في ولاية "سوكوتو". لكن بعض المحللين الأمنيين لفتوا النظر إلى قصور في استراتيجية نيجيريا في عمليات مكافحة الإرهاب، والتي تعتمد على تعاون المحللين لمواجهة التهديد المتصاعد. وعلى جانب آخر، أدت العلاقات المتوترة بين نيجيريا والسلطات الجديدة في دولة النيجر إلى تعاظم خطر الجماعة التي تسربت عبر الحدود الهشة والتي تتخذ من النيجر والمناطق الحدودية مع نيجيريا كقاعدة أو مخابئ لها، مما قوض من عمليات مكافحة الإرهاب.

ختامًا:

 شكلت جماعة "لاكوارا" أحد التهديدات الإرهابية الهجينة التي قوّضت الأمن والاستقرار في الشمال الغربي النيجيري، والتي استفادت من الحدود الهشة، وزيادة المساحات غير الخاضعة لحكم الدولة، والفقر والبطالة، وازدياد خطر التنظيمات اللصوصية للتسلل داخل القرى والمناطق الحكومية، والتي تسعى لإقامة خلافة إسلامية بحسب معتقداتها.

شيماء حسن* 

 باحث دكتوراه متخصصة في الشأن الإفريقي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء