رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

بريطانيا وحقول الغاز في شرق المتوسط: حضور صامت أم نفوذ متجدد؟

حقول الغاز في شرق
حقول الغاز في شرق المتوسط - أرشيفية

يشكل شرق البحر المتوسط أحد أكثر الميادين الجيوسياسية حساسية في العالم، خاصة بعد التقديرات التي أعلنتها دائرة المسوح الجيولوجية الأمريكية عام 2010 حول حجم الاحتياطات غير المكتشفة من الغاز الطبيعي في المنطقة.

 فرغم أن دولًا مثل مصر، وفلسطين، وقبرص، وإسرائيل، وتركيا، واليونان، ولبنان، وسوريا تتصدر المشهد في هذا الملف، إلا أن المفارقة تكمن في وجود لاعب آخر غائب حاضر في المعادلة هي  المملكة المتحدة، فهذه الجزيرة الواقعة على تخوم أوروبا الغربية تمتلك فعليًا أراضي ذات سيادة على ضفاف شرق المتوسط، وتتمتع بأدوار عسكرية واستخباراتية تمتد لقرون.

ورغم محدودية الحديث العلني عن الوجود البريطاني، فإن لندن تسيطر على إقليمين خاضعين لسيادتها الكاملة في جنوب جزيرة قبرص هما "أكروتيري" و"ديكيليا"، وهما ليسا مجرد قواعد عسكرية بل أراضٍ بريطانية كاملة السيادة، تستثمر فيهما بريطانيا لتثبيت النفوذ وممارسة السيطرة على شرق المتوسط، كما فعلت تاريخيًا في مضيق جبل طارق وقناة السويس.

لا يتم الحديث كثيرًا عن الوجود البريطاني في شرق المتوسط، إلا أنه بالفعل توجد أقاليم بريطانية في جنوب جزيرة قبرص وتستخدم في العديد من الحملات العسكرية البريطانية، والكلام هنا عن أقاليم وليس قواعد عسكرية أو بحرية.

الأقاليم البريطانية في جزيرة قبرص
الأقاليم البريطانية في جزيرة قبرص

بريطانيا.. الموقف الغامض

كان البحر المتوسط محط نزاع وصراع بين القوى الكبرى على مدى التاريخ الحديث والقديم، ولعبت القوى الكبرى دورًا كبيرًا في ضمان السيطرة عليه حتى لو أدى ذلك لاحتلال الدول والأقاليم الواقعة عليه، وقد سعت بريطانيا باعتبارها أحد أهم القوى الاستعمارية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى السيطرة على البحر المتوسط، خاصة مناطق المضايق فيه مثل قناة السويس ومضيق جبل طارق.

شرق المتوسط والسياسة الاستعمارية البريطانية

نجحت بريطانيا في بناء إمبراطورية استعمارية مترامية الأطراف شملت العديد من الأقطار العالمية ابتداءً من الهند شرقًا حتى قارة أمريكا الشمالية غربًا، وإزاء الحفاظ على مستعمراتها عملت على التمركز في مناطق تسهّل عليها الولوج إلى مستعمراتها بكل سهولة وتؤمّن طريقها إلى تلك المستعمرات.

ارتأت السياسة الاستعمارية البريطانية في سبعينيات القرن التاسع عشر ضرورة تأمين خطوط المواصلات البريطانية لمستعمراتها في الهند، خاصة بعد افتتاح قناة السويس في نوفمبر 1869، وحددت تلك السياسة منطقة شرق المتوسط كمنطقة استراتيجية تتمكن من خلالها من تحقيق التواصل الفعال مع مستعمراتها في الهند من ناحية، واحتلال العديد من الأقاليم الواقعة تحت سيادة الدولة العثمانية من ناحية أخرى.

سياسة التعويض.. حيلة بريطانية للاستيلاء على قبرص

لم تكن بريطانيا هي القوة الدولية الوحيدة الراغبة في السيطرة على شرق المتوسط، حيث تبارت العديد من الدول لأجل السيطرة عليه لأسباب مختلفة، منهم روسيا القيصرية التي نصبت همّها الرئيسي في ضمان الولوج إلى المياه الدافئة وإنهاء سيطرة تركيا (الدولة العثمانية) على المضائق البحرية البوسفور والدردنيل. لذا كان التاريخ العثماني الروسي قائمًا على الحروب والصراعات لأجل تحقيق رغبة موسكو في الوصول للمياه الدافئة.

حقول الغاز في شرق المتوسط - أرشيفية 
حقول الغاز في شرق المتوسط - أرشيفية 

في عام 1877 اندلعت الحرب الروسية العثمانية، الأمر الذي وجدته بريطانيا فرصة جيدة للسيطرة على شرق المتوسط، حيث نجحت في إبرام معاهدة مع الدولة العثمانية في عام 1878، بمقتضاها سيطرت بريطانيا عسكريًا على جزيرة قبرص في مقابل دعم بريطانيا للدولة العثمانية في حربها ضد روسيا والحيلولة دون سقوط الأقاليم الآسيوية للدولة العثمانية في القبضة الروسية.

وبتوقيع معاهدة قبرص 1878 رسخت بريطانيا أقدامها الاستعمارية في شرق المتوسط، وما لبثت أن سيطرت على مصر في ديسمبر 1882 لتكون بذلك ضمنت حرية الملاحة تمامًا في شرق المتوسط والسيطرة على قناة السويس وضمان خطوط مواصلاتها إلى الهند.

حقول الغاز في شرق المتوسط - أرشيفية 
حقول الغاز في شرق المتوسط - أرشيفية 

ظلّت السيطرة البريطانية على الجزيرة القبرصية حتى عام 1960، ففي ذلك العام تم التوقيع على معاهدة لندن زيوريخ، وبموجبها حصلت قبرص على استقلالها السياسي، إلا أن بريطانيا احتفظت بسيادتها الكاملة على منطقتي "أكروتيري" و"ديكيليا" باعتبارهما أراضي تخضع للسيادة البريطانية. وتقع منطقة أكروتيري في جنوب غرب قبرص، فيما تقع "ديكيليا" في جنوب شرق قبرص، وكلا المنطقتين تطلّان على البحر المتوسط.

رغم صغر مساحة الإقليمين التي لا تتعدى 98 ميلًا، إلا أنهما يمثلان أهمية عظمى بالنسبة للمملكة المتحدة، حيث تتمركز فيهما أهم قاعدتين جويتين بريطانيتين (بقوة 3500 عسكري بريطاني)، تستغلهما المملكة المتحدة في إدارة تدخلاتها في منطقة شرق المتوسط، حيث تحتوي القاعدتان على سربي طائرات "تورنيدو" و"تايفون". وقد تم استخدام القاعدتين في العمليات العسكرية الآتية:

 -  عملية Granby في حرب تحرير الكويت 1990

-  عملية Telic في غزو العراق 2003

-  عملية Ellamy في ليبيا 2011

-  عملية Luminous لحماية قبرص

-  عملية SBAs لحل أزمة الأسلحة الكيميائية السورية 2013

-  عملية Shader ضمن التحالف الدولي ضد داعش 2014

-  تمثل المنطقتان نقطتين استخباريتين مهمتين لجمع معلومات الشرق الأوسط

-  كما تُستخدمان في تدريب الطيارين البريطانيين الجدد

مما سبق يتضح لنا أن بريطانيا تمتلك أقاليم تمارس عليها السيادة القانونية وتقع في الجهة الشرقية لحوض البحر المتوسط الشرقي، ومن المثير للجدل أن الأقاليم البريطانية (أكروتيري وديكيليا) تقع ضمن مثلث الاحتياطات غير المكتشفة للغاز الطبيعي (طرطوس – جبل إراتوستينس – دلتا النيل). ومن المؤكد أن الوضع البريطاني في شرق المتوسط يثير العديد من التساؤلات حول الموقف البريطاني الغامض من التنقيب في شرق المتوسط، وما موقفها من اتفاقيات ترسيم الحدود القبرصية–المصرية والقبرصية–الإسرائيلية.

حقول الغاز في شرق المتوسط - أرشيفية 
حقول الغاز في شرق المتوسط - أرشيفية 

التسلل الحذر

لا تبدي بريطانيا أي تفاعلات رسمية إزاء تطورات شرق المتوسط، فلم تصدر الحكومة البريطانية أية تقارير أو معلومات حول التنقيب في شرق المتوسط وإمكانية الاستفادة من الاحتياطات غير المكتشفة استنادًا لامتلاكها إقليمين في الجزيرة القبرصية.

غموض الموقف البريطاني من شأنه تعقيد الأزمة وليس حلها، فلندن تنتهج تكتيك "التسلل الحذر" في تلك الأزمة، وتحقيق الاستفادة القصوى دون الدخول في اشتباكات مع دول الإقليم. ويتضح هذا من النقاط التالية:

1)  تمثل أكروتيري وديكيليا أهمية قصوى لرسم السياسة الخارجية البريطانية تجاه الشرق الأوسط، ومن المحتمل أن تلعب لندن دور "شرطي المنطقة" انطلاقًا من أقاليمها في شرق المتوسط، لذا من المرجّح أن تتريث بريطانيا قبل التدخل المباشر في صراعات شرق المتوسط.

2)  ما لا يُدرك كله لا يُترك جلّه: وهي القاعدة التي تتبعها بريطانيا، فبينما تُبقي موقفها السياسي غامضًا، تنشط شركة BP البريطانية في التنقيب عن الغاز في شرق المتوسط، وتمتلك 10% من أسهم مشروع حقل "ظهر" المصري.

3)  تمتلك بريطانيا سوابق تاريخية في الدفاع عن حقوقها البحرية لأقاليمها ما وراء البحار، مثل أزمة الفوكلاند مع الأرجنتين عام 1982.

4)  لكن الفارق أن أكروتيري وديكيليا تقعان في منطقة مضطربة مليئة بالصراعات بين قبرص وتركيا وإسرائيل واليونان وفلسطين، ما يجعل بريطانيا أكثر حذرًا في التحرك.

ختامًا:

يبيّن التحليل أن الحضور البريطاني في شرق البحر المتوسط ليس هامشيًا كما يبدو ظاهريًا، بل هو حضور مركّب يجمع بين الإرث الاستعماري القديم والحسابات الجيوسياسية الحديثة. فبريطانيا، التي تملك أراضي ذات سيادة كاملة داخل قلب الإقليم عبر أكروتيري وديكيليا، تدير وجودها بحذر شديد، معتمدة على استراتيجية «النفوذ الصامت» التي تحقق لها المكاسب دون التورط في صراعات علنية مع الأطراف المتنازعة.

حقول الغاز في شرق المتوسط - أرشيفية 
حقول الغاز في شرق المتوسط - أرشيفية 

ورغم أن لندن لم تُظهر موقفًا واضحًا إزاء ثروات الطاقة أو اتفاقات ترسيم الحدود، فإن نشاط شركاتها — ولا سيما "بي بي" — يكشف أن بريطانيا ليست بعيدة عن خريطة الغاز في المنطقة. كما يعكس الغموض البريطاني رغبة في انتظار تبلور المشهد الإقليمي قبل اتخاذ خطوات قد ترتب التزامات سياسية أو عسكرية غير محسوبة.

وعليه، فإن الدور البريطاني في شرق المتوسط سيظل عاملًا مؤثرًا في توازنات الإقليم، حتى وإن بقي بعيدًا عن الأضواء. فالتاريخ، والموقع العسكري، والقدرات الاستخباراتية، والبنية الاقتصادية؛ كلها تجعل من بريطانيا لاعبًا صامتًا لكنه حاضر بقوة، ينتظر اللحظة المناسبة لإعادة تموضعه وفق ما يحقق أكبر قدر من المصالح بأقل قدر من المخاطر.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء