المخيمات الفلسطينية في لبنان: واقع الميليشيات وجدلية السلاح المنسي
تشهد لبنان حاليًا أزمة سياسية وعسكرية على خلفية قرار حكومة نواف سلام نزع سلاح "حزب الله" قبيل انتهاء العام الجاري، وتصاعد احتمالية اشتباك عسكري بين الحزب وقوات الجيش في حال إقدام الجيش على تفعيل خطط نزع سلاح الحزب.
وعلى الجانب الفلسطيني، بات مجلس الأمن أقرب إلى إقرار مسودة واشنطن الخاصة بتشكيل قوة الاستقرار الدولية في قطاع غزة، والتي ستكون موكلة بنزع سلاح "حركة حماس" وتفكيك خلاياها العسكرية.
وفي خضم معضلتي نزع سلاح "حماس" و"حزب الله"، تبرز للواجهة مشكلة أخرى متعلقة بنزع سلاح الفصائل الفلسطينية الخاملة عملياتيًا في مخيمات جنوب لبنان. فرغم انسحاب منظمة التحرير من جنوب لبنان في خريف 1982، إلا أن العديد من الميليشيات والفصائل الفلسطينية بقيت في مخيماتها حتى بعد انسحاب المنظمة، وكانت تلك الفصائل هي من انخرطت فيما يسمى حرب المخيمات (1983 ـــ 1988)، وكانت تتلقى دعمًا مباشرًا من الاستخبارات السورية في عهد نظام حزب البعث المنقضي بقيادة حافظ الأسد ونجله بشار.

ورغم الطابع الراديكالي اليساري الذي هيمن على الفصائل المسلحة الفلسطينية في لبنان في مرحلة ما بعد حصار بيروت 1982، إلا أن التيارات الجهادية سرعان ما تسربت إلى المخيمات الفلسطينية، مؤسسة ما يسمى تنظيم فتح الإسلام الذي نشط خلال العقد الأول من الألفية. ففي عام 2007، على سبيل المثال، شهد مخيم نهر البارد اقتتالًا عنيفًا بين قوات الجيش اللبناني وجماعة فتح الإسلام المرتبطة بتنظيم القاعدة.
تاريخ التنظيمات المسلحة الفلسطينية في لبنان
تعود نشأة التنظيمات المسلحة الفلسطينية في لبنان إلى نهاية الستينيات، وتحديدًا عقب ما يسمى الحرب الأردنية–الفلسطينية في سبتمبر 1969 والمعروفة إعلاميًا باسم أحداث أيلول الأسود. وقتها اجتمعت الدول العربية في القاهرة، وعُقد اجتماع ثلاثي بين الرئيس اللبناني ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات تحت رعاية الرئيس الراحل جمال عبد الناصر. وتم الاتفاق خلال الاجتماع على انتقال منظمة التحرير الفلسطينية وقواعدها وتشكيلاتها العسكرية إلى لبنان، وتحديدًا مناطق الجنوب اللبناني. وفي مرحلة لاحقة، وفي خضم الحرب الأهلية اللبنانية، عام 1987 ألغت بيروت الاتفاق، وبالتالي لم يعد للسلاح الفلسطيني أية شرعية قانونية أو سياسية في الجنوب اللبناني.
ورغم افتقاره للشرعية المناسبة، إلا أن الإدارة السياسية في بيروت وقتها لم تكن قادرة على تنفيذ أهدافها في نزع السلاح، وبقي السلاح متكدسًا في مخازن التنظيمات طوال تلك الفترة. ومما ساهم في غض الطرف اللبناني عن السلاح الفلسطيني هو توجيه السلاح فقط نحو المكون الفلسطيني، أي بين الفصائل الفلسطينية وبعضها البعض وداخل المخيمات، وليس خارجها.

اتفاق فلسطيني–لبناني لتسليم السلاح
ويوجد حاليًا 12 مخيمًا فلسطينيًا في جنوب لبنان، ويتراوح عدد اللاجئين حوالي 490 ألف لاجئ مسجلين وفقًا لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا). وفي مايو 2025 تم الاتفاق بين الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية محمود عباس "أبو مازن"، وفيه تم الاتفاق على نزع سلاح منظمة التحرير الفلسطينية من المخيمات، وفي المقابل ستساهم الدولة اللبنانية في تقديم العون والخدمات الاجتماعية والإنسانية إلى سكان المخيمات وتحسين أحوال معيشتهم. وبالفعل تم تنفيذ الاتفاق في أغسطس 2025 حيث سلمت منظمة التحرير أسلحتها للجيش اللبناني، واعتُبرت تلك الأسلحة بمثابة عهدة لدى الجيش اللبناني.
في نهاية أغسطس 2025 أعلنت العديد من الفصائل الفلسطينية رفضها القاطع لمسألة تسليم السلاح في منطقة برج البراجنة، واقتصار عملية التسليم على منظمة فتح، وأن قرار الرئيس عباس أبو مازن يخص فقط حركة فتح.
فقط منظمة التحرير التي يترأسها أبو مازن هي من سلمت السلاح الخاص بها من مخيمات الرشيدية والبرج والبص في منطقة صور جنوبي لبنان، أما باقي التنظيمات العسكرية الفلسطينية فقد تهربت وامتنعت عن تسليم السلاح. وتنشط حاليًا العديد من الفصائل الفلسطينية المسلحة في لبنان، وهي:
حركة فتح: تأسست في بداية الستينيات تحت قيادة ياسر عرفات، وأسسـت كتائب شهداء الأقصى عام 2000، ويتولى قيادتها حاليًا في لبنان منير القدح.
حركة حماس: تأسست عام 1987 وتمتلك العديد من القيادات النشطة في الداخل اللبناني، كانوا عرضة للاستهداف الإسرائيلي مثل صالح العاروري وفتح شريف أبو الأمين الذين اغتالتهم إسرائيل في غارات جوية.
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين: نشأت في الأساس في الجامعة الأمريكية ببيروت على يد جورج حبش تحت مسمى حركة القوميين العرب، وسرعان ما تحولت لمسمّاها الحالي، وتتبع التوجه الماركسي–اللينيني، ويعد أحمد سعدات المعتقل حاليًا في السجون الإسرائيلية أمينها العام.
الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين – القيادة العامة: تأسست عام 1968 منشقة عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وتولى قيادتها أحمد جبريل الذي لعب دورًا كبيرًا في الحرب الأهلية اللبنانية وحرب المخيمات (1983 ـــ 1988).
الجبهة الديمقراطية الشعبية لتحرير فلسطين: منظمة ماركسية ماوية تأسست عام 1968 على يد نايف حواتمة، وهي عضو في منظمة التحرير الفلسطينية.
ميليشيا الأنصار: تأسست في بداية التسعينيات مع بدء موجة التنظيمات الجهادية، ويوجد لها وجود مهم في مخيم عين الحلوة الفلسطيني.
جماعة جند الشام: مرتبطة بتنظيم القاعدة، وتأسست عام 1991، ودخلت في مناوشات عسكرية مع حركة فتح في عام 2006. وقُتل قائدها غاندي السمحراني عام 2010 في ظروف غامضة.
جماعة النور: جماعة سلفية مرتبطة بتنظيم القاعدة، وشهدت اشتباكات مع عناصر فتح في مخيم عين الحلوة.
فتح الإسلام: تأسست عام 2006 بعد الانشقاق عن تنظيم قديم يدعى فتح الانتفاضة، ودخل التنظيم في حرب مع الجيش اللبناني في مخيم نهر البارد الذي نجح في تطهير المخيم، وانتقلت بعض عناصره لاحقًا إلى مخيم عين الحلوة.

تردد سياسي
رغم قرار الحكومة اللبنانية بحصر السلاح في المخيمات، إلا أنها ما زالت مترددة خشية اندلاع أعمال عنف في المخيمات قد لا تتحملها الدولة اللبنانية، خاصة أن أغلب المخيمات الفلسطينية مجاورة لمناطق لبنانية فقيرة ومعدمة، الأمر الذي قد يعزز نشوب ثورات أهلية ضد التحركات العسكرية.
فما لم يتم أخذه في الحسبان هو ضرورة إيجاد خطة تنموية اقتصادية اجتماعية تتماشى مع خطة نزع سلاح الفصائل الفلسطينية، لذا يسود احتمال أن يواجه مصير نزع سلاح تلك الميليشيات التجميد الفعلي.
أما فيما يخص حركة حماس، فلم يتبين حتى الآن امتلاكها لميليشيات مسلحة في الداخل اللبناني، إلا أنها تمتلك خطوط اتصال واضحة وملموسة ببقية الميليشيات الأخرى في الداخل، فضلًا عن مهربي السلاح العاملين في الجنوب اللبناني.

كانت الحكومة اللبنانية تنظر إلى مسألة نزع سلاح الميليشيات الفلسطينية على أنها تجربة مبدئية لنزع سلاح حزب الله، إذ يعتبر نزع سلاح الحركات الفلسطينية هو الجزء الأيسر في العملية الأمنية والعسكرية.
وختامًا..
يمكن القول إن الخطط اللبنانية لنزع سلاح المخيمات مُنيت بصدمة وطنية، إذ يجب أن تترافق الخطط العسكرية مع خطط أخرى في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فمستويات الفقر المتدنية في المخيمات من شأنها أن تصعّب عملية نزع السلاح.
ونقطة أخيرة ينبغي الإشارة إليها، وهو افتراض يمكن أن يتحقق على أرض الواقع، وهو: ماذا لو نجحت حركة حماس في تسريب مقاتليها وسلاحها إلى مخيمات الفلسطينيين في جنوب لبنان؟



