النفط والقواعد العسكرية الأمريكية: أبرز تحديات الحكومة العراقية المقبلة
يبدو أن النظام السياسي العراقي سيمر خلال الفترة المقبلة بموجة من التقلبات والاضطرابات السياسية على خلفية نتائج الانتخابات التي تم إجراؤها مؤخرا، إذ لم ينجح أي حزب سياسي عراقي في الحصول على الأغلبية المناسبة لتدفعه إلى تشكيل الحكومة بشكل منفرد أو بائتلاف صغير.
تشير التوقعات إلى حصول "ائتلاف الإعمار والتنمية" الذي يترأسه رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني على الأكثرية بـ 60 مقعدا تقريبا من أصل 329 مقعدا إجمالي مقاعد مجلس النواب، وهي النسبة التي لا تمكنه منفردا من تشكيل الحكومة، الأمر الذي سيدخله في مشاورات موسعة لأجل تشكيل ائتلاف موسع.

في خضم المناقشات والمفاوضات لتشكيل الائتلاف الحاكم في الحكومة المقبلة، تبرز صعوبات كبرى تحول دون تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، ألا وهي انسحاب "التيار الصدري" من سياق الانتخابات من الأساس، الأمر الذي أدى إلى ضعف نسبة المشاركة في الانتخابات الماضية والتي بلغت قرابة 56% بعد أن كانت 80% في انتخابات سابقة.
وفوق ذلك يوجد ما يشبه "فيتو" أمريكي مضاد لأية حكومة عراقية يتم تشكيلها من عناصر وأحزاب موالية لإيران، وفي تلك الحالة سيتم إبعاد معظم المكون الشيعي من الحكومة المقبلة، خاصة ما يسمى تحالف "الإطار التنسيقي الشيعي" والذي يتشكل في الغالب من تيارات شيعية موالية لإيران وذات عضوية في الحشد الشعبي، ومن المرجح حتى الآن حصول ذلك الائتلاف على 187 مقعدا.
انقسامات داخل الإطار التنسيقي
يشهد الإطار التنسيقي حاليا انقسامات واضحة بين أعضائه على خلفية احتمالية ترشح السوداني لرئاسة الوزراء لفترة ثانية، إذ يرغب العديد من قادة تحالف الإطار التنسيقي في إزاحة السوداني من على سدة الحكم لما أبرزه خلال السنوات الثلاث الماضية من قدرات سياسية واقتصادية جعلت أسهمه الشعبية تتعالى، وهو ما قد يرسخ سلطته ونفوذه على الشأن الداخلي العراقي خلال السنوات الماضية.
ضعف نسب الأحزاب السنية والكردية
لا يمكن للسوداني التعويل كثيرًا على التكتل مع الأحزاب السنية مثل "حزب التقدم" بزعامة محمد الحلبوسي، ولا على الأحزاب الكردية بزعامة الحزب "الديمقراطي الكردستاني" بزعامة مسعود بارزاني، نظرًا لضعف حصولهم على المقاعد الكافية للدخول في ائتلاف سياسي موحد. فحزب التقدم على سبيل المثال حصد 28 مقعدًا على الأقل، وتكاد تقترب نسبة الحزب "الديمقراطي الكردستاني" من نفس النسبة التي حصل عليها حزب الإعمار والتنمية.
وهو الأمر الذي سيدفع السوداني إلى إجراء ترتيبات مع الأحزاب الشيعية الواقعة تحت "ائتلاف الإطار التنسيقي"، وهو ما قد يترتب عليه أزمات دولية خاصة مع الولايات المتحدة التي تصنف العديد من كوادر الإطار التنسيقي كمنظمات وأشخاص مرتبطين بتنظيمات إرهابية مثل هادي العامري، فضلا عن ارتباطاتهم الوثيقة بالنظام الإيراني وفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.

ففي وقت سابق صرح وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين أن إدارة ترامب أبلغت المسؤولين في بغداد رفضها اشتراك عناصر مدعومة إيرانيا ومصنفة إرهابيا في أن تكون ضمن الحكومة العراقية. ومن أبرز الكتل البرلمانية المرتبطة بإيران والمصنف أعضاؤها إرهابيا كتلة "صامدون" التي يترأسها، قيس الخزعلي، مؤسس "عصائب أهل الحق".
تحديات منتظرة
توجد العديد من الملفات الأمنية والاقتصادية العالقة والتي تنتظر تشكيل الحكومة الجديدة للبت فيها، لعل أبرزها مستقبل العلاقات الأمنية بين العراق والولايات المتحدة بعد انتهاء عملية "العزم المتأصل".
تعد عملية العزم المتأصل المهمة التي أطلقها التحالف الدولي في عام 2014 لصد هجوم تنظيم "داعش" في العراق وسوريا، واستمرت العمليات الرئيسية للتحالف الدولي حتى عام 2017 والذي شهد تراجعًا في أداء تنظيم "داعش" وخسارته للعديد من الأراضي المسيطر عليها.

بعد تراجع أداء "داعش" في سوريا والعراق، انتقلت المهام بشكل رئيسي إلى الشركاء والوكلاء المحليين مثل الحشد الشعبي وقوات سوريا الديمقراطية. ونتيجة دحر تنظيم "داعش" أعلنت إدارة الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، عن اقتراب نهاية عملية العزم المتأصل في سبتمبر/أكتوبر 2025، وبعدها سيحدث انسحاب تدريجي للقوات الأمريكية من العراق، وكان من المفترض حدوث انسحاب جزئي وغلق بعض القواعد قبيل الانسحاب الرسمي والنهائي في آخر عام 2026.
ورغم حلول موعد انتهاء العملية والتي من المفترض أن تنسحب خلالها القوات الأمريكية المتمركزة في العراق، إلا أن الخطوات النهائية للانسحاب لم يتم الاتفاق عليها حتى الآن، ويرجع ذلك إلى عدد من الأسباب، أبرزها استمرار هجمات الميليشيات الشيعية على القواعد الأمريكية في العراق، فضلًا عن تخوفات أمنية من أن يشكل الانسحاب الأمريكي فرصة لاستعادة التنظيم قواه مرة أخرى.

التمركز في إقليم كردستان
من المرجح أن يتم تقليص الوجود الأمريكي في العراق، خاصة في بغداد، وإعادة التركيز في مناطق شمال البلاد في كردستان، إذ تحتفظ أربيل بعلاقات قوية مع الولايات المتحدة من ناحية، وقد يلعب التواجد الأمريكي في أربيل دورا آخر في حماية خطوط أنابيب النفط شمال البلاد.
ففي شهر أكتوبر الماضي نجحت الولايات المتحدة في إعادة فتح خط أنابيب نقل النفط من كركوك إلى ميناء جيهان التركي واستئناف الصادرات بشكل جدي خلال الشهر الماضي. ويرجع السبب في الاهتمام الأمريكي بنقل النفط الخام الكردستاني إلى تركيا لعدة أسباب، أولها استمرارية مصالح شركات النفط الأمريكية العاملة في كردستان، وثانيا ممارسة المزيد من الضغوط على روسيا وتقليل الاعتماد الأوروبي التركي على النفط الروسي، واستبداله بالنفط الكردستاني العراقي الذي يتشابه تمامًا في نقائه ومعدلات حموضته مع النفط الروسي.
ختامًا:
يبدو أن واشنطن نجحت إلى حد ما في إبعاد مسألة النفط العراقي وتصديره عن معترك الخلافات السياسية الداخلية، لكن تبقى مسألة القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة بالقرب من بغداد ومسألة الانسحاب منها، إذ سيكون من أولويات الحكومة المقبلة مناقشة ترتيبات الانسحاب الأمريكي.



