أنقرة وتل أبيب على خط التوتر: هل تلوح مواجهة عسكرية بعد خطة واشنطن؟
هل باتت المواجهة العسكرية التركية الإسرائيلية على وشك الاندلاع؟ سؤال يتم تداوله بكثافة في الأوساط السياسية والبحثية الإسرائيلية خلال العام الأخير، وزاد تحديدًا بعد اتفاق وقف إطلاق النار في غزة في 9 أكتوبر الماضي، إذ كشفت العديد من الدوائر السياسية والبحثية وجود ثمة ملفات وتحديات بين الجانبين من المحتمل أن تدفعهما للاشتباك لأول مرة في التاريخ بين الدولتين.
ثمة مصطلح يُجرى حاليًا تداوله في إسرائيل حول أن تركيا هي "إيران الجديدة"، فبعد نجاح تل أبيب في تحييد الخطر الإيراني في حرب الإثني عشر يومًا خلال شهر يونيو الماضي، برزت للواجهة "المعضلة التركية" وهي إمكانية المواجهة بين الطرفين؛ فأنقرة تتداخل وتتشابك مع إسرائيل في العديد من الملفات السياسية والاستراتيجية، ليس فقط مسألة قطاع غزة، بل توجد ملفات أكثر حيوية وخطورة عالقة بين الجانبين، لعل أبرزها مبيعات السلاح الإسرائيلية لدول شرق أوروبا مثل اليونان وقبرص، فضلًا عن تداخل المصالح فيما يخص منطقة شرق المتوسط.

ومؤخرًا برزت أهمية الوجود التركي في الساحة السورية؛ فبعد أن كان الحضور التركي مقصورًا على المناطق الشمالية لأجل ضبط الحدود مع سوريا وإحباط التطلعات الكردية في الشمال السوري، بات الوجود التركي حاليًا يمتد إلى وسط وجنوب سوريا بعدما استولت هيئة تحرير الشام على العاصمة دمشق وتولى أحمد الشرع الذي جرى إعداده في تركيا مسؤولية رئاسة البلاد. وأخيرًا يبرز الملف التركي في غزة واحتمالية اشتراك تركيا في قوة فرض الاستقرار في قطاع غزة.
عضوية الناتو لا تكفي

تزداد التخوفات داخل الأوساط الإسرائيلية من أن تتحول تركيا إلى "إيران جديدة"، إذ ازدادت التخوفات الإسرائيلية مؤخرًا. وفي هذا السياق تشير غاليا ليندنشتراوس، الباحثة في معهد دراسات الأمن القومي، ومحررة مجلة "التقييم الاستراتيجي" والمتخصصة في الشأن التركي، إلى التقليل من شأن التهديدات الإيرانية، وفي المقابل صعود نبرة التهديدات التركية، رغم أن أنقرة عضو فاعل وأساسي في حلف شمال الأطلسي "الناتو".
توظيف خطابات معاداة السامية
ترى ليندنشتراوس أن أنقرة ما زالت توظف خطابًا معاديًا للسامية في خطاباتها الموجهة لإسرائيل؛ فعلى سبيل المثال لا الحصر صرح الرئيس التركي في مارس 2025: "ياليْت الله يدمر إسرائيل الصهيونية". كما اتخذت خطوات إجرائية قانونية معادية لإسرائيل، مثل الانضمام إلى دعوى جنوب إفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية في لاهاي بهولندا وذلك في أغسطس 2024.
وأخيرًا، في 7 نوفمبر الماضي، أصدر المدعي العام التركي قرارات بتوقيف 27 مسؤولًا إسرائيليًا على رأسهم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، ورئيس هيئة الأركان إيال بن زامير، وذلك تحت تهم متعلقة بالإبادة الإنسانية في قطاع غزة.
وذلك رغم المحاولات الأمريكية الجادة في تقريب وجهات النظر بين الطرفين، كما أن تركيا تحاول تجنب خطوة تجنيد الوكلاء على الأرض المناهضين للسياسات الإسرائيلية، على عكس التحركات الإيرانية التي تسعى دومًا إلى إيجاد وكلاء لها في المنطقة ليكونوا أذرعًا لها في مواجهة تل أبيب مثل حزب الله وحركتي حماس والجهاد الإسلامي.
الجهود التركية في تثبيت وقف إطلاق النار
وعلى الرغم مما سبق تشير الباحثة الإسرائيلية إلى كون تركيا قدمت خدمات لا يمكن إغفالها خلال مرحلة التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار؛ فهي من ساهمت في الضغط على حركة حماس من أجل الموافقة على شروط وقف إطلاق النار، كما كانت ضمن الدول الضامنة للاتفاق رفقة مصر وقطر والولايات المتحدة.
وهو الأمر الذي أشار إليه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في أكثر من مناسبة؛ إذ أثنى على الدور الذي تلعبه تركيا في وقف إطلاق النار وإطلاق سراح المحتجزين، وأوضح ترامب أن أردوغان شخص يمكن الاعتماد عليه في حل المشكلات الإقليمية وإنهاء الحروب.

وفي مرحلة ما بعد وقف إطلاق النار عززت وكالة الإنقاذ التركية دورها في قطاع غزة في إزالة الأنقاض والمساهمة في إيجاد جثامين القتلى المختطفين، فضلًا عن توزيع المعونات الإغاثية التي من أبرزها إعادة استخدام الحاويات التي استخدمت في إيواء المتضررين من زلزال 2023 المدمر ونقلها إلى قطاع غزة لإيواء المتضررين الذين تهدمت منازلهم.
تحديات العلاقات البينية
رغم ما سبق يتضح أن المواقف التركية متناقضة جدًا؛ ففي الوقت الذي تستخدم فيه خطابًا معاديًا للسامية نجدها في ذات الوقت تساهم بشكل فعال في تثبيت وقف إطلاق النار وكابح لطموحات حركة "حماس" في استئناف عمليات القتال مرة أخرى. ومن هنا تظهر العديد من التحديات الأخرى التي تحاول أنقرة توظيف ملف غزة من أجل تحقيق مكاسب فعلية في ملفات أخرى، وهي كالتالي:
1- توسيع الانتشار العسكري جنوبًا:
يتضح مع مضي الوقت أن تركيا تسعى جاهدة لنشر قوة قوامها ألفا جندي تركي في قطاع غزة، وبذلك تكون قد حققت انتشارًا على طول الساحل الشرقي للبحر المتوسط؛ من أزمير شمالًا إلى غزة جنوبًا، وهو ما قد يترتب عليه تموضع استراتيجي قوي لتركيا في مسألة غاز شرق المتوسط، الذي يشغل بال القيادة التركية حاليًا.
2- إثبات التفوق العسكري والاستخباراتي التركي:
في خضم أزمة غاز شرق المتوسط تحاول تركيا إثبات تفوقها العسكري والاستخباراتي في المنطقة؛ فهي من ناحية تحاول احتواء الموقف الأمريكي لصالحها لأجل تمرير العديد من الصفقات العسكرية. فعلى سبيل المثال تنخرط أنقرة حاليًا في صناعة مقاتلات من الجيل الخامس (مقاتلة "قآن" قيد التجربة)، فضلًا عن تفوقها الفريد في صناعة المسيّرات المقاتلة والانتحارية التي جرى اختبارها في ميدان الحرب الأذرية-الأرمينية. ويأتي الضغط التركي في ملف غزة لأجل استغلاله دبلوماسيًا وعسكريًا في تثبيت القوة التركية في منطقة شرق المتوسط.

وهنا يجب أن نشير أيضًا إلى تسارع وتيرة التسليح التركي الأخيرة والمتمثلة في شراء 20 طائرة تايفون بريطانية، وشراء 24 طائرة تايفون مستعملة من الإمارات وسلطنة عمان، وذلك لتجنب طول فترات التسليم للطائرات الجديدة. أما في مجال الدفاع الجوي فتسعى تركيا حاليًا إلى بناء نظام "القبة الفولاذية" لتجنب أية هجمات جوية محتملة من إسرائيل، كما تسعى لبناء نظام صواريخ بعيدة المدى، وتشير تقارير إلى استغلال قواعدها في الصومال لأجل إجراء تجارب صاروخية بعيدة المدى.
3- السيطرة على الساحة السورية:
منذ اليوم الأول لاندلاع الأزمة السورية في درعا وقفت تركيا في صف المعارضة السورية، خاصة المعارضة الإسلامية، مقدمة لها كافة التسهيلات العسكرية والسياسية. وتدرجت الأهداف التركية من الثورة السورية؛ ففي البداية جرى توظيف قوى التمرد السوري في معادلة القوى الكردية في شمال سوريا، خاصة "قوات سوريا الديمقراطية". كما سهّلت قوات التمرد الإسلامي على تركيا مسألة التوغل عسكريًا في الشمال السوري في العديد من العمليات العسكرية، خاصة في الفترة ما بين عامي 2016 و2019، حيث عمليات "درع الفرات" و"نبع السلام" التي هدفت إلى السيطرة على مدينة عفرين معقل القوات الكردية.
ومع التطورات اللاحقة وانهزام حزب الله في جنوب لبنان وإضعاف الميليشيات الشيعية عمومًا، تقدمت القوات المدعومة تركيًا، "هيئة تحرير الشام"، جنوبًا باتجاه العاصمة دمشق واستولت عليها في 8 ديسمبر 2024. وبالتالي تزحزحت الأهداف التركية لتشمل السيطرة على كامل التراب السوري بعد أن كان نفوذها محصورًا في الشمال فقط. لذا، بوصول تركيا إلى الجنوب السوري باتت هناك احتمالية المواجهة بين الطرفين في حال تغير الظروف مستقبلًا، وهو ما دفع الطرفين الإسرائيلي والتركي لإنشاء خط ساخن بينهما يخص سوريا، وذلك عبر تفاهمات أمنية بين الجانبين تم إجراؤها في العاصمة الأذربيجانية باكو.
4- السيطرة على خطوط التجارة الدولية:
أدى قيام الصين في عام 2013 بالإعلان عن مبادرة الحزام والطريق إلى استنساخ التجربة الصينية؛ فكل دول آسيا الوسطى تسعى حاليًا إلى استلهام الفكرة الصينية. وساهم الموقع الجغرافي التركي في احتمالية أن تلعب تركيا دورًا كبيرًا في هذا الاتجاه؛ فهي تحقق الاتصال البري والبحري بين آسيا الوسطى وأوروبا. ويتضح ذلك في ميناء جيهان التركي الذي يستحوذ على خطي أنابيب: أحدهما قادم من مدينة باكو الأذرية، والآخر قادم من كردستان العراق. وبالنظر نجد أن المشاريع التركية في هذا الإطار تعد منافسًا قويًا للمشاريع الإسرائيلية الرامية إلى ربط الهند بأوروبا عبر ممر بري وبحري يربط بين الهند ودول شرق آسيا وبين الموانئ الأوروبية في اليونان وإيطاليا.
5- العلاقات مع قبرص:
في عام 2024 دخلت إسرائيل على خط الخلافات القبرصية-التركية، وذلك من خلال توريد نظام الدفاع الجوي الإسرائيلي "باراك إم إكس" إلى قبرص، وهو الأمر الذي أثار حفيظة النظام التركي. وتحاول تركيا استغلال وجودها في قطاع غزة وتأثيرها في إلغاء الصفقة الإسرائيلية القبرصية، مثلما حدث في عام 1997 حين تدخلت تركيا ونقلت نظام إس-300 الروسي الذي اشترته قبرص إلى اليونان.
وختامًا...
يمكن القول إن إدارة الرئيس دونالد ترامب حاليًا تقف حائلًا أمام أية تجاوزات في العلاقات الإسرائيلية-التركية؛ فترامب، منذ توليه السلطة، سعى إلى تخفيف التوترات بين الجانبين. وهنا يثار تساؤل: ماذا بعد ترامب؟ هل من المحتمل أن نشهد مواجهة تركية-إسرائيلية خلال السنوات المقبلة في ضوء التحديات السابقة؟



