أزمة هوية أم صراع مصالح؟ خلفية سردية ترامب لاضطهاد المسيحيين في نيجيريا
منذ أن صنّفت الولايات المتحدة "نيجيريا" ضمن البلاد المثيرة للقلق في مؤشرها للحرية الدينية، ازدادت تهديدات ترامب والرسميين الأمريكيين ضد نيجيريا؛ وذلك بوصف ما ترتكبه ميليشيات الفولاني ضد المجتمعات المسيحية في الشمال الأوسط في نيجيريا.
في الواقع، أخطأ ترامب حينما وصف المجازر التي تحدث في نيجيريا بوصفها تحدث على يد إرهابي بوكو حرام، وبوصفها تحدث ضد المسيحيين، متجاوزًا ـ قسرًا ـ ما يحدث للمسلمين أيضًا، خاصة وأن أبرز المتأثرين أساسًا بإرهاب جماعة "بوكو حرام" هم من المسلمين.

وقد كثّفت المؤسسات الدينية المسيحية نداءاتها للرئيس ترامب، لعمل شيء يحمي المسيحيين، ما يضفي بعض الشرعية على أي تحرّك ضد نيجيريا كدولة بدافع التدخل لمساعدة الأقليات، وهو مبدأ لطالما استخدمته واشنطن للتدخل في شؤون الدول. والسؤال المطروح: هل ساعدت تصريحات ترامب الأخيرة في تأجيج الإرهاب ضد المسيحيين في الحزام الأوسط بنيجيريا؟
أولًا: تيار المسيحية الخمسينية Pentecostalism في نيجيريا
شهدت نيجيريا انتشارًا واسعًا وتصاعدًا ملحوظًا لتيار المسيحية الخمسينية (Pentecostalism)، الذي أصبح أحد أبرز التحولات الدينية في البلاد. بدأ هذا التيار بالانتشار بقوة منذ سبعينيات القرن العشرين، متأثرًا بحركات النهضة الروحية القادمة من الولايات المتحدة والبرازيل. ومع الوقت، باتت الكنائس الخمسينية تجذب شرائح واسعة من الشباب والطبقة الوسطى بسبب خطابها الروحي الحماسي، وتركيزها على التجدد الشخصي، والشفاء الروحي، والوعود بالنجاح الاقتصادي. كما ساهم الإعلام الديني — من محطات تلفزيونية وإذاعات ووسائل تواصل اجتماعي — في تسريع انتشار الرسالة الخمسينية وتحويلها إلى قوة اجتماعية كبرى تمتد من المدن الكبرى مثل لاغوس وأبوجا إلى المدن الصغيرة والأرياف.

ويمكن القول إن هذا التيار كان يقف ضد كل محاولات نيجيريا للانضمام إلى أي تكتل إسلامي، وذلك بدعوى أن الانضمام إلى هذه التكتلات محاولة من النخب الشمالية المسلمة لأسلمة نيجيريا كدولة. وبالطبع، وقف هذا التيار ضد انضمام نيجيريا لمنظمة التعاون الإسلامي. كما أن هذا التيار يروّج لسردية إبادة المسيحيين، التي روّجها ترامب ومن ثم هدّد بالتدخل الخارجي. والواقع أن بعض المحللين قد ربطوا بين تصريحات ترامب ومحاولة رفع شعبيته لدى القاعدة اليمينية التي بدأ يفقدها بسبب تَبَدُّد وعوده بخفض الأسعار وزيادة الوظائف والنهوض بالاقتصاد، وأن يجعل "أمريكا أولًا" كمبدأ في السياسة الأمريكية، وهو ما لا يعمل ترامب على تنفيذه بفضل دعمه لإسرائيل والهجمات ضد إيران، وغيرها من الممارسات التي لم تترجم الوعود الانتخابية إلى حقائق فعلية.

ثانيًا: تيار المسيحية الإنجيلية ودعم ترامب
اعتمد ترامب في حملاته الرئاسية الأولى والثانية على دعم اليمين المسيحي الإنجيلي في الداخل الأمريكي، وهؤلاء الإنجيليون لديهم اهتمام كبير بما يسمونه "اضطهاد المسيحيين حول العالم". والواقع أن هذا التيار هو تيار تبشيري بالأساس، ويضع الدفاع عن المسيحيين في مقدمة مهامه واهتماماته. وعلى جانب آخر، نيجيريا مجتمع متنوع ودولة ذات قدرات وإمكانيات كبيرة، وهنا يمكن الحديث عن خلط الدين بالسياسة، واستخدام المناورات السياسية بالمصالح ورفع الشعبية والتأثير في الدول الأخرى. أي أن ترامب استخدم خطاب حماية المسيحيين لإرضاء قاعدة الناخبين المسيحيين ولتبرير فرض ضغوط على بعض الدول الإفريقية ولتسويق فكرة أن الولايات المتحدة "حامية للمسيحيين في العالم". ويمكن فهم هذا السلوك ضمن سياسة "الدبلوماسية التبشيرية السياسية"، أي استخدام قضية دينية كوسيلة للتأثير السياسي على دول أخرى.

في الواقع، يمكن القول إن هناك علاقة غير مباشرة ولكن مهمة بين انتشار الخمسينية في نيجيريا وتصريحات ترامب التي حذّر فيها الحكومة النيجيرية بشأن "اضطهاد المسيحيين". فالمسيحية الخمسينية في نيجيريا أصبحت أكبر كتلة مسيحية نشطة في البلاد، وتمتلك شبكة واسعة من الكنائس والتحالفات الدولية، كثير منها مرتبط بالإنجيليين والخمسينيين في الولايات المتحدة. هذه الروابط العابرة للحدود جعلت أخبار الصراع في نيجيريا — خصوصًا الهجمات التي تستهدف المجتمعات المسيحية — تصل بسرعة إلى الدوائر السياسية والدينية في واشنطن، وخاصة داخل اليمين المسيحي الإنجيلي الذي دعم ترامب بقوة.
وبسبب هذه الروابط، حرص ترامب على تصوير الصراع في نيجيريا كقضية "اضطهاد للمسيحيين في نيجيريا" لإرضاء التيار الإنجيلي الأمريكي الذي يرى في حماية المسيحيين حول العالم جزءًا من رسالته الدينية والسياسية.
ثالثًا: تصريحات ترامب وتأجيج العنف ضد المسيحيين
وعلى جانب آخر، تُعد نيجيريا نموذجًا مهمًا في المخيال الإنجيلي العالمي، لأنها تضم واحدة من أكبر حركات الخمسينية في العالم، ولأن القيادة الروحية النيجيرية أصبحت مؤثرة في الشبكات البروتستانتية الدولية. لذلك، ضغطت جماعات إنجيلية أمريكية على إدارة ترامب لاتخاذ موقف أكثر صرامة تجاه حكومة نيجيريا، مستشهدةً بالعنف الطائفي والهجمات على الكنائس. هذه الضغوط ساهمت في تشكيل خطاب ترامب، الذي صوّر الصراع في نيجيريا بوصفه اضطهادًا للمسيحيين، متجاهلًا التعقيدات المحلية مثل الصراع بين الرعاة والمزارعين أو العوامل الاقتصادية–الاجتماعية. وبذلك، جاءت تصريحات ترامب نتيجة تفاعل بين نفوذ الخمسينية النيجيرية على الشبكات الدولية، ورغبة ترامب في تلبية مطالب قاعدته الإنجيلية الأمريكية.

وعلى الرغم من رفض الرسميين النيجيريين هذه التصريحات والتأكيد على أن التهديد الإرهابي يهدد المسلمين والمسيحيين، فإن ادعاءات الجمعيات والمؤسسات المسيحية الخمسينية روّجت لأجندتها. ويمكن رصد ادعاءات الجمعيات ووسائل الإعلام الرقمي والتقليدي، والتي بمجرد أن أدلى ترامب بتصريحاته، فقد ازدادت في حملاتها وترويج سردية المجازر ضد المسيحيين. والواقع أيضًا أن هذه الادعاءات لم تكن من فراغ؛ ففي خطوة تصعيدية ضد ترامب والولايات المتحدة بشكل عام، صعّد إرهابيو الفولاني الهجمات ضد المسيحيين في قلب ولايات الحزام الأوسط بنيجيريا، خاصة مجتمعات "التيف". ويمكن رصد تصاعد الهجمات في ولايات "كادونا" و"تارابا"، وغيرها من المجتمعات التي عانت من الصراع متعدد الأبعاد في نيجيريا، والذي يُعد البعد الديني عاملًا أساسيًا فيه.

ووفقًا لبعض وسائل الإعلام التي تروّج هذه السردية، فإن تكثيف أعداد المقاتلين وزيادة عدد الهجمات كان ردًا من الإرهابيين على ترامب. وتروّج هذه التيارات إلى فكرة أنه إذا لم تُترجم تصريحات "ترامب" الأخيرة إلى أفعال، فإن الإرهابيين سيُقدمون على ما هو أسوأ. وللأسف، تعتمد هذه التيارات على زيادة الهجمات ضد مجتمعات الحزام الأوسط في نيجيريا، خاصة بعد تصنيف نيجيريا كدولة مثيرة للقلق من قبل الخارجية الأمريكية؛ إذ سُجِّل ما لا يقل عن عشرين حادثة أمنية خطيرة في سبع ولايات خلال الأسبوع الماضي وحده، معظمها استهدف مجتمعات مسيحية. فيما سجّل محللون أمنيون قلقهم من أن يكون هذا الارتفاع في الحوادث تأكيدًا متعمدًا من قِبَل الجماعات الإرهابية الإسلامية بأن تهديدات ترامب لا تعنيهم.
ختامًا:
مثّلت تصريحات ترامب ضد نيجيريا مثالًا واضحًا للبراغماتية السياسية التي لا تتوانى عن تحقيق المكاسب الانتخابية والاستثمار في شعبيته المتداعية، وذلك على حساب مجتمعات أخرى. كما أبرزت دور انتشار تيار المسيحية الخمسينية في تأجيج حالة الصراع المتفاقم في الداخل، وبرزت العلاقات بينها وبين التيار الإنجيلي الذي استطاع أن ينفرد بتهديد دولة ذات سيادة لإرغامها — وربما تغيير سياستها — في ملفات أخرى.



