رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

السيليكا وأنتي بالاكا: مليشيات مؤدلجة تحتكر القوة في إفريقيا الوسطى

 ميليشيا السيليكا
ميليشيا "السيليكا" في إفريقيا الوسطى - أرشيفية

أدى الصراع المندلع في إفريقيا الوسطى منذ عام 2012 إلى تشكيل مجموعات الدفاع الذاتي والمجموعات المناهضة لها، وذلك لنفس الغرض، وهو الحماية من الاعتداءات من قبل قطاع الطرق أو العصابات الإجرامية أو سارقو الماشية أو ما يهدد أمن المجتمعات المحلية بشكل عام، وذلك في حالة تراجع قوات إنفاذ القانون عن أداء واجبها في حفظ الأمن والاستقرار، أو حتى تقاعس هذه القوات بدوافع سياسية (التواطؤ). وبمعنى آخر، عجزت الدولة عن القيام بأحد وظائفها الحيوية وهو توفير الأمن للمجتمعات المحلية، وقد سمح هذا القصور بالاستعانة بالدعم الخارجي لمواجهة استحواذ المجموعات المسلحة على الحكم، ومن ثم الدخول في الاعتماد على الدعم الخارجي. ويوضح هذا التقرير ملابسات إنشاء الفصائل المسلحة في إفريقيا الوسطى، وذلك على النحو الآتي:

أولًا: السياق السياسي من عام 2012-2013

ترجع أسباب تمرد السيليكا على الرئيس "بوزيزي" إلى عدة عوامل، منها انغلاق الأفق السياسي، فساد النظام الحاكم، تهميش بعض الإثنيات، عدم الالتزام بتطبيق نصوص اتفاقات السلام الموقعة، ضعف الجيش المركزي، والاعتماد على الدعم الإقليمي لحماية نظامه. وقد أدى هذا التمرد إلى انهيار حكومة "بوزيزي" عام 2012، وقد دخلت البلاد في دائرة مفرغة من العنف والصراع. ومما زاد الأمر تعقيدًا، بروز العامل الإثني والديني ليتم تصوير الصراع في إفريقيا الوسطى في بعض الدوائر بأنه صراع ديني، والواقع أن الأزمة في إفريقيا الوسطى أعمق من الصراع الديني، لتصبح صراعًا متعدد الأبعاد، ويمثل الدين جزءًا منه. 

 

ميليشيات السيليكا - أرشيفية
ميليشيات السيليكا - أرشيفية

ثانيًا: ميليشيات السيليكا

تعرف ميليشيا "سيليكا" بلغة "السانغو" المحلية بـ"التحالف"، والتي تكونت من ثلاث مجموعات رئيسية: الاتحاد من أجل القوات الديمقراطية (UFDR)، واتحاد القوات الجمهورية (UFR)، ومؤتمر الوطنيين للعدالة والسلام (CPJP)، والتي اتحدت مع بعضها للقيام بالتمرد ضد حكومة الرئيس "فرانسوا بوزيزي". وقد أسفر التمرد عن سيطرة هذا الاتحاد على السلطة والوصول إلى العاصمة "بانغي"، وقد حكم قائد "السيليكا" الرئيس "ميشيل ديودوجا" لمدة شهور ليصبح أول رئيس مسلم لإفريقيا الوسطى، ثم بعد ذلك ترك السلطة بعد التدخل الفرنسي لمواجهة هذا التحالف، وقد تم توقيع اتفاق سلام في حينها، وأُرسلت بعثة للأمم المتحدة لحفظ السلام في المناطق التي شهدت توترات.

أحد مقاتلي ميليشيا السيليكا - أرشيفية
أحد مقاتلي ميليشيا السيليكا - أرشيفية

ويعود السبب في إنشاء هذا التحالف إلى عدم احترام الرئيس "بوزيزي" لاتفاق السلام الموقع بينه وبين المتمردين "اتحاد القوات الديمقراطية"، وهو التحالف المنحدر من الشمال والشمال الشرقي. إذ وفقًا لاتفاق السلام الموقع عام 2007، أنهى هذا الاتفاق تمرد التحالف مقابل نزع السلاح وإدماج هذه القوات ضمن صفوف الجيش. والواقع أن التراجع في بنود هذا الاتفاق شمل أيضًا تمسك الأخير بالسلطة والاعتماد على قوات الحرس الرئاسي، والذي اعتمد على التجنيد الإثني لنفس قبيلته ومن دولة تشاد بالتحديد، وهو ما أثار الإثنيات الأخرى، التي حاولت التوحد تحت راية "السيليكا" المسلمين والرافضين لسياسات "بوزيزي" المسيحي والمدعوم من دولة تشاد.

ثالثًا: ميليشيا أنتي بالاكا (حاملو السواتير)

بعد سيطرة تحالف "السيليكا" على السلطة، وردًا على المجازر التي ارتكبتها بحق المدنيين، تكونت ميليشيات "أنتي بالاكا" لمواجهة ميليشيات "السيليكا". وقد تطورت "أنتي بالاكا" من مجموعات مسلحة دفاعية (قروية) إلى ميليشيات ذات أيديولوجية واضحة من المتطرفين، واستقطبت ضباطًا من القوات المسلحة (FACA) والحرس الرئاسي وقوات الشرطة، وعددًا من الموالين للرئيس السابق "فرانسوا بوزيزيه"، الذي أُطيح به عام 2013م، وأسس في منفاه "جبهة العودة إلى النظام الدستوري" في محاولة لاستعادة السلطة.

ميليشيات أنتي بالاكا - أرشيفية
ميليشيات أنتي بالاكا - أرشيفية

ويمكن تفسير انضمام وحدات من الشرطة والحرس الرئاسي والقوات المسلحة ومجموعات من الإثنيات المسيحية الأخرى إلى الميليشيات بسبب أن هذه الفئات كانت مؤيدة للرئيس المعزول. كما أن الانتماء الإثني والديني يمكن أن يفسر ذلك أيضًا، إذ ينتمي "بوزيزي" إلى إثنية "باندو يانغوفوندا"، والتي تمثل أقلية. هذا الانتماء جعل الرئيس الذي أتى إلى السلطة بانقلاب عسكري في 2003-2013 يعتمد على الانتماء الإثني لضمان ولاء الطبقة العسكرية والسياسية، وبعيدًا عن الشرعية السياسية عبر القواعد الشعبية. كما اعتمد على الولاء الديني، وذلك بضم أكبر عدد من المسيحيين والقوميين إلى الميليشيات المؤيدة له. أي أن الافتقار للقاعدة الشعبية أدى لاستخدام الدين كأداة للتعبئة ضد تحالف السيليكا، وهو أيضًا تحالف ديني من المسلمين في المناطق المهمشة في الشمال والشمال الشرقي. هنا يمكن الحديث عن تحول الصراع من بعده الإثني إلى بعده الديني بعد عام 2013.

ميليشيات أنتي بالاكا - أرشيفية
ميليشيات أنتي بالاكا - أرشيفية

وشأنها كشأن ميليشيا "السيليكا" المؤلفة من مجموعات مختلفة تتنافس فيما بينها سواء على القيادة أو الموارد، تفتقر "أنتي بالاكا" للهيكل القيادي، وتتكون من تحالفات متفرقة لجماعات مسلحة غير مركزية تضم مجموعات من: الحركة الرسمية لأنتي بالاكا، الميليشيات المحلية، مجموعات الدفاع الذاتي، العصابات الإجرامية، وجماعة المقاومة للعدالة التي تجمع القوات المسلحة والحرس الجمهوري، وأخيرًا تحالف الوطنيين للتغيير، على أن تحالف الوطنيين للتغيير تأسس عام 2020، ويتكون من توليفة من الميليشيات المسلحة التي دأب على تكوينها الرؤساء السابقون لإفريقيا الوسطى. واللافت هنا هو تجميع عناصر إجرامية ومحلية وحرفيين مع قادة عسكريين وعناصر من قوات الجيش والشرطة، وهنا يمكن الحديث عن البعد الديني للصراع.

ميليشيات أنتي بالاكا - أرشيفية
ميليشيات أنتي بالاكا - أرشيفية

وعلى أي حال، تنتهج "أنتي بالاكا" فكراً قوميًا مسيحيًا ممزوجًا بالتقاليد والأديان التقليدية، والتي تعتمد على السحر والمعتقدات الدينية المتطرفة، وتستهدف إنشاء دولة دينية مسيحية-وثنية رافضة لوجود المسلمين. وسياسيًا تسعى لطرد تحالف "السيليكا" من السلطة، وبهذا فهي تستخدم العنف والترويع والإرهاب ضد الوجود الإسلامي. إذ بفضل نشاطها، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية حكمها بإدانة اثنين من القادة العسكريين للميليشيا في 24 يوليو، حكما بإدانة قائدين في ميليشيا "أنتي بالاكا" المسيحية بجمهورية إفريقيا الوسطى، على خلفية ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية خلال الفترة بين سبتمبر 2013 وفبراير 2014، وهما القائد العسكري "ألفريد ييكاتوم"، المعروف بلقب "رامبو" بعقوبة 15 عامًا، كما قضت بسجن المنسق العام السابق للميليشيا "باتريس نغايسونا" لمدة 12 عامًا، وذلك بعد مشاركة 2000 ضحية وعلى مدار مدة محاكمة وصلت إلى 3 سنوات.

ختامًا:

لا يمكن للميليشيات المسلحة، سواء كانت منظمة عسكرية ضمن تحالف عسكري أو مجموعات دفاع ذاتي، أن تكسر احتكار الدولة للقوة وتشارك في العمل السياسي، ويستقيم مسارها. هذه هي التجربة الإفريقية التي تبدو لنا في كل صراع يندلع في القارة، وقد شكل ظهور ميليشيات "أنتي بالاكا" كرد فعل على تكوين تحالف "السيليكا" تحول الصراع السياسي إلى صراع ديني. وبفضل تكوينها على أساس ديني، هذا لا يمنع أن تكوين تحالف السيليكا كان جزءًا من المشكلة أيضًا، والأكيد أن إفريقيا الوسطى غرقت في وحل صراع أهلي تدعمه أطراف إقليمية ودولية، مما يعمل على استمرار أمد الصراع.

شيماء حسن* 

 باحث دكتوراه متخصصة في الشأن الإفريقي

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء