التمدّد الإيراني في غرب إفريقيا.. مشروع ديني بغطاء سياسي
تسعى إيران إلى نشر المذهب الشيعي في القارة الإفريقية، وتركز على إقليمي الغرب والشرق، مستغلة مجتمعات الشتات الإيراني والشتات اللبناني، ومن خلال إنشاء المراكز الإسلامية والمعاهد والمدارس والمساجد التي تنتهج المذهب الشيعي الاثني عشري. وتعمل إيران على تجنيد الآلاف من تابعي المذهب الشيعي، ويمكنها أن تقدم منحًا دراسية وجامعية، ومن ثم تقوم بأنشطة التجنيد. وتُعد جامعة المصطفى إحدى الأدوات التي تستخدمها إيران في نشر المذهب الشيعي والتجنيد، سواء للحرس الثوري أو لوكيلها حزب الله.

أولًا: السياسة والثورة الإيرانية تجاه إفريقيا
بشكل عام، تسعى إيران في سياستها تجاه إفريقيا إلى فك العزلة الدولية المفروضة عليها، والاستفادة من الموارد الاستراتيجية النادرة في القارة، وفتح أسواق جديدة، والاستفادة من الأوضاع الأمنية المتردية في تسويق ترسانتها العسكرية من خلال بيع الأسلحة مثل الطائرات بدون طيار. وعلى أي حال، فإن أحد أهم مبادئ الثورة الإيرانية هو مبدأ تصدير الثورة الإسلامية ومواجهة الإمبريالية الغربية ممثلة في الولايات المتحدة وإسرائيل وحلفائهما، وأيضًا تطهير العالم الإسلامي من المذهب السني ونشر الأيديولوجية الشيعية. وفي سبيل تحقيق ذلك واتباع سياسات تصدير الثورة الإيرانية، تستخدم طهران أدوات لكسب السيطرة والنفوذ.

ثانيًا: لماذا الغرب الإفريقي؟
بشكل عام، تُعد القارة الإفريقية قارة تحتضن الإسلام كدين سماوي، وهو الوصف الذي أطلقه د. حمدي عبد الرحمن في كتابه "تحولات الخطاب الإسلامي من الصوفية الإصلاحية إلى بوكو حرام"، حيث يشكل الإسلام الدين الأول في القارة. وعلى الرغم من تنوع التيارات والمذاهب الدينية بين السُّنة والشيعة والشافعية والمالكية، وما بين السلفية بأنواعها والتيارات الصوفية، يدين أغلب سكان القارة بالدين الإسلامي ومذاهبه.
ورغم التحولات من التيارات الصوفية إلى المناهج السلفية الجهادية، يمكن ملاحظة المدّ الشيعي في مختلف أقاليم القارة، وهي الجهود التي ترعاها إيران وبالتبعية يستفيد منها حزب الله.

وللغرب الإفريقي مكانة مهمة، إذ تشهد مناطق واسعة منه غياب سلطة الدولة، وينتشر الفساد والإرهاب وأنشطة التهريب المختلفة. ويتمتع الإقليم بعدة مزايا منها المكانة الاستراتيجية في التجارة الدولية وتحقيق موطئ قدم على الممرات المائية. كما يمثل الإقليم من الناحية الاقتصادية مسرحًا للتنافس الدولي، حيث تتركز فيه المنتجات المعدنية والنفطية وتتنوع خيارات الشحن. ويتميز الإقليم بظاهرة الحدود المسامية التي تمكّن من العبور من دولة إلى أخرى. والجدير بالذكر ضعف الرقابة على الحدود، وبالتالي الاستفادة من طرق التهريب.
ثالثًا: مجتمعات الشتات اللبناني في إفريقيا
تُعتبر مجتمعات الشتات اللبناني الهدف الأساسي الذي تعتمد عليه إيران وحزب الله في نشر المذهب الشيعي، وبالتبعية مصدر الإمداد بالتجنيد والتمويل. فعلى سبيل المثال، يمتلك الشيعة في ساحل العاج مراكز ومؤسسات مثل: المركز الإسلامي العربي، والجمعية الإسلامية الثقافية للدعوة والإرشاد، ومجمع الزهراء الثقافي، وهناك المركز الشيعي الجعفري في "غران باسام"، والمركز اللبناني في بلدية "ماركوري"، ومؤسسة "الإمام الصادق" في "أمباتو".
وتُعتبر "جمعية الإمام الصادق الفرنكفونية" من أبرز المؤسسات الشيعية الناطقة بالفرنسية ومقرها في أبيدجان، وتسعى للتواصل مع النخب وتوسيع دائرة تداول الأفكار الشيعية.

وفي السنغال، يمكن رصد الوجود في العاصمة "داكار" ومناطق "كازامانس" و"كولدا" و"دار الهجرة" في مدينة "غوناس". أما في موريتانيا، فإن التشيع محصور في منطقة نائية تابعة اجتماعيًا للزعيم الشيعي الموريتاني بكار بن بكار، الذي يرتبط بالمرجعية "السيستانية"، وذلك بعدما اعتنق المذهب الشيعي منذ عام 2006. وقد احتفل بعض أتباعه بطريقة رمزية عام 2011 بذكرى عاشوراء لأول مرة.
وفي نيجيريا، يمكن رصد تكوين "المنظمة الإسلامية" ذات المرجعية الشيعية والمذهب الجعفري الاثني عشري، بزعامة "إبراهيم الزكزكي" الذي أعلن تشيّعه في وقت مبكر، كما سافر إلى إيران ودرس بها. وتُعتبر الحركة من أدوات نشر المذهب الشيعي في نيجيريا وتتركز في مناطق الإقليم الشمالي. وبسبب أنشطة الحركة وأيديولوجيتها التي ترفض النظام الحاكم وتعتبره نظامًا علمانيًا وتدعو لإقامة نظام إسلامي، فقد تم اعتقال "الزكزكي" عدة مرات، كما أن المواجهات بين الحركة وأتباعها والشرطة كثيرًا ما تسفر عن ضحايا ومعتقلين وقتلى من الجانبين.

رابعًا: الطرق الصوفية والتواصل مع المذهب الشيعي
وفقًا للدكتورة "فاطمة بنداري" عبر ندوتها في مركز المستقبل، فإن الطرق الصوفية تمثل مدخلًا آخر لنشر المذهب الشيعي، حيث تواصلت إيران بشكل رسمي وغير رسمي مع العديد من الطرق الصوفية في غرب أفريقيا، ومن أشهرها: التجانية والمريدية والقادرية. فأتباع هذه الطرق يُقدرون بالملايين، ولا تلعب قياداتها دورًا كبيرًا في الشؤون الدينية فقط، بل تمتد أدوارهم إلى المجالات الاقتصادية والثقافية والسياسية.
وتساعد الطرق الصوفية على نزع فتيل مشاعر الإحساس بالظلم التي تحملها الجماهير تجاه قصور الدولة وعجزها عن خدمتهم، وتساهم في تهدئة التوترات السياسية.
ختامًا:
تأتي السياسة الإيرانية تجاه أفريقيا مقيدة بمبادئ الثورة الإيرانية في نشر المذهب الشيعي وتطهير العالم الإسلامي من المذهب السني، والاستفادة من الموارد وإمكانات الدول الإفريقية. وعلى الرغم من خفوت نهج السياسة الإيرانية بعد حرب الـ12 يومًا مع إسرائيل، لا تزال إفريقيا تمثل متنفسًا للسياسة الإيرانية، سواء بطرق شرعية أو غير شرعية. كما تمثل مجتمعات الشتات اللبناني ومنتهجو المذهب الشيعي إحدى الأدوات التي تعتمد عليها إيران في سياستها تجاه إفريقيا.



