رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مجلس الأمن على صفيح ساخن: صراع المشاريع بين واشنطن وموسكو على إدارة غزة

مندوب الولايات للمتحدة
مندوب الولايات للمتحدة الأمريكية في مجلس الأمن

تشهد أروقة الأمم المتحدة ومجلس الأمن حاليًا العديد من المناورات السياسية المتبادلة بين الولايات المتحدة وروسيا الاتحادية فيما يخص المرحلة الثانية من مشروع اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة. فمنذ أسبوعين تقريبًا، تقدمت واشنطن بمشروع تم توزيعه على أعضاء مجلس الأمن (15 عضوًا) يتضمن الخطة التي وضعها الرئيس دونالد ترامب لإنهاء الصراع والحرب في غزة.

وخلال تلك الفترة، تم إدخال عدة تعديلات على المشروع الأمريكي، وفي زخم المناقشات والمداولات حول المشروع الأمريكي باغتت روسيا مجلس الأمن بمشروعها الخاص الذي يتضمن رؤيتها لمستقبل قطاع غزة، الأمر الذي أدى إلى تأجيل التصويت على المشروع الأمريكي، وهو ما أغضب المندوب الأمريكي واصفًا المشروع الروسي بالفتنة.

مندوب روسيا في مجلس الأمن
مندوب روسيا في مجلس الأمن

تفاصيل المشروع الأمريكي المعدل

لم يكن المشروع الأمريكي الأول يتضمن مسألة الدولة الفلسطينية، ولكن تحت ضغوط عربية ومصرية تضمنَت النسخة الثالثة من المشروع الأمريكي إشارات واضحة إلى حق تقرير المصير للفلسطينيين والحق في إقامة دولتهم، كما تضمن المشروع المعدل سعي واشنطن إلى إطلاق حوار بين الفلسطينيين والإسرائيليين لأجل فتح أفق سياسي للتعايش السلمي المزدهر.

ويتضمن المشروع الأمريكي المعدل أن سلطة مجلس السلام ستكون انتقالية ومحددة زمنيًا بعامين، أي ينتهي عمله في عام 2027، كما يتضمن المشروع تسلسلًا واضحًا لعملية انسحاب الجيش الإسرائيلي من قطاع غزة.

كما أجاز المشروع الأمريكي لمجلس السلام إنشاء هيئات تنفيذية مؤقتة لإدارة السلطة المدنية في غزة، ويحث الحكومات والمنظمات والبنك الدولي والجهات المانحة على إنشاء صندوق لدعم إعادة إعمار غزة.

وأخيرًا يتضمن المشروع الأمريكي إنشاء قوة دولية لتحقيق الاستقرار في غزة، ونص المشروع على أن تلك القوة تعمل مع مصر وإسرائيل على نزع السلاح وحماية المدنيين، كما ربط المشروع بين عملية الانسحاب المتتالي للجيش الإسرائيلي وبين عملية نزع السلاح.

المناورة الروسية

قبيل التصويت على المشروع الأمريكي، تقدمت روسيا بمشروعها الذي ادعت في البداية أنه مستند إلى خطة الرئيس ترامب، إلا أن ثمة خلافات جوهرية بين المشروعين؛ فالمشروع الروسي أناط الأمر برمته إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، خاصة في تشكيل قوة الاستقرار الدولية، وعزّز من دور السلطة الوطنية الفلسطينية وأسند إليها مهمة إدارة غزة خلال المرحلة الانتقالية، وأخيرًا نصّ على الانسحاب المباشر الإسرائيلي من غزة دون ربطه بعملية نزع السلاح التي أهملها المشروع الروسي من حساباته. شكل المشروع الروسي مناورة لأجل تعطيل المشروع الأمريكي وتحقيق انقسام في الرؤى حول المشروع الذي تقدمت به واشنطن.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين

التفاف على المناورة الروسية

لم يكد يمر يوم على تقديم المشروع الروسي وتعطيل نظيره الأمريكي، حتى تمكنت واشنطن من استعادة زمام الأمور سياسيًا مرة أخرى من خلال إصدار بيان مشترك بين الولايات المتحدة ومصر وقطر وتركيا والإمارات والسعودية والأردن وأخيرًا باكستان وإندونيسيا، يعلنون فيه جميعًا دعم المشروع الذي صاغته واشنطن وتأييدهم للخطة الشاملة لإنهاء الصراع في غزة والتي طرحها الرئيس دونالد ترامب في 29 سبتمبر الماضي وتم التوافق عليها في 9 أكتوبر 2025.

وأشارت الدول الموقعة على البيان المشترك إلى أنه تم التوافق خلال المشاورات على إطلاق العملية السياسية التي تمهد الطريق أمام الفلسطينيين لتقرير مصيرهم وإقامة الدولة الفلسطينية.

ترامب واتفاقية السلام في شرم الشيخ
ترامب واتفاقية السلام في شرم الشيخ

ملاحظات على البيان المشترك

لم تمهل واشنطن المشروع الروسي الوقت الكافي، إذ نجحت في مباغتة الجانب الروسي بإصدار البيان المشترك الأخير، والذي يشير بوضوح لا لبس فيه بأنه لا مكان لروسيا في تسويات الأوضاع في قطاع غزة، وأن محاولات إقحامها في الترتيبات والتسويات المتعلقة بقطاع غزة غير مقبولة شكلًا ومضمونًا. وجدير بالذكر أن البيان المشترك حمل عدة دلالات خطيرة أهمها:

التخوف الأمريكي:

 ساد تخوّف أمريكي من احتمالية أن يأخذ المشروع الروسي حيزًا من التأييد والنقاش، خاصة في ظل الوجود الجزائري في مجلس الأمن، وبالتالي يتعثر المشروع الأمريكي؛ لذا كان البيان المشترك الصادر بالأمس هدفه إجهاض المشروع الروسي.

إهانة الفيتو الروسي–الصيني: 

خلال المداولات السابقة أبدت الصين وروسيا اعتراضهما على مسألة تشكيل مجلس السلام الدولي برئاسة أمريكية، وطلبا إزالته من مسودة القرار، إلا أن البيان المشترك، وخاصة من الدول ذات الصلة المباشرة بالأزمة في غزة، وموافقتها التامة على المشروع الأمريكي، من شأنه توجيه إهانة غير مباشرة لأي اعتراض روسي أو صيني على المشروع الأمريكي.

ترامب ونتنياهو
ترامب ونتنياهو

اشتراك جميع الدوائر: 

يُلاحظ من البيان المشترك اشتراك كافة الدوائر المتعلقة بالقضية الفلسطينية؛ فمصر وقطر وتركيا من دائرة الدول الضامنة، أما الإمارات والسعودية فمن الدائرة العربية المحيطة والأقرب لتمويل العملية الانتقالية في غزة، أما باكستان وإندونيسيا فهما من الدائرة الإسلامية، ومن المحتمل أن يشارك الطرفان بقوات ضمن قوة فرض الاستقرار المزمع إنشاؤها.

واشنطن الضامن الأول لإسرائيل: 

لم تعلّق إسرائيل رسميًا على المشروع الروسي ولا حتى على المشروع الأمريكي، مما يوحي بوجود ثقة كبيرة في التحركات الأمريكية، وأنها – أي واشنطن – الضامن الأول للمصالح الإسرائيلية.

تعزيز الهيمنة الأمريكية: 

بالبيان المشترك الصادر أمس بات على مجلس الأمن أهمية تمرير المشروع الأمريكي بكل ما فيه من ملاحظات، فكافة الدول المعنية بالقضية والأزمة متفقة تمامًا على ما يحتويه المشروع الأمريكي، وبالتالي لا أهمية للمشروع الروسي، ومن هنا تتعزز الهيمنة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط.

ختامًا:

تشير التطورات الأخيرة في مجلس الأمن إلى أن مستقبل القضية الفلسطينية بات ساحة مفتوحة لصراع النفوذ بين القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وروسيا. فالمشاريع المتنافسة التي طرحتها واشنطن وموسكو لا تعبّر فقط عن رؤى متباينة لإدارة المرحلة الانتقالية في غزة، بل تعكس أيضًا محاولة كل طرف تثبيت موطئ قدم في معادلة ما بعد الحرب ورسم ملامح النظام الإقليمي الجديد. وبينما سعت روسيا لاستثمار اللحظة السياسية لعرقلة المبادرة الأمريكية، فإن واشنطن نجحت في قلب الطاولة سريعًا عبر حشد إقليمي واسع أعاد المبادرة إلى يدها، مؤكدة حضورها كقوة مقرِّرة لا يمكن تجاوزها.

غير أن هذا التنافس الدولي، مهما بلغت حدته، لا يقدّم ضمانات حقيقية لحل جذري للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، ما دامت القضايا الجوهرية – وعلى رأسها الدولة الفلسطينية وتحديد مستقبل غزة – تُستخدم كورقة في لعبة النفوذ العالمي. ويبدو أن نجاح أي ترتيبات مستقبلية سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف الفلسطينية والإقليمية على توحيد مواقفها، ومنع القوى الكبرى من تحويل معاناة الشعب الفلسطيني إلى مسرح للمزايدات الجيوسياسية.

في النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل ستنجح واشنطن في فرض مشروعها كأمر واقع داخل مجلس الأمن بدعم إقليمي واسع، أم أن موسكو ستستمر في اللعب على ثغرات النظام الدولي لتقويض الهيمنة الأمريكية؟ الإجابة ستتحدد في الأسابيع المقبلة، لكنها بالتأكيد ستترك أثرًا عميقًا على مستقبل القضية الفلسطينية، وعلى شكل التوازنات في الشرق الأوسط لعقود قادمة.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

 

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء