ملامح المشروع الروسي لإدارة قطاع غزة: قراءة في بنود المسودة الجديدة
في سابقة هي الأولى من نوعها منذ التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة حماس في 9 أكتوبر الماضي، دخلت روسيا على خط تسويات وترتيبات المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، وذلك من خلال تقديم مشروع جديد إلى مجلس الأمن يرسم ملامح قطاع غزة في المستقبل، ويتعارض المشروع الذي قدمته موسكو مع المشروع الذي تقدمت به واشنطن في وقت سابق في عدد من النقاط.
خلال مفاوضات وقف إطلاق النار سعت واشنطن إلى إبعاد كل من الصين وروسيا عن مفاوضات وقف إطلاق النار، الأمر الذي وفر حماية دبلوماسية قوية لإسرائيل خلال المفاوضات، وتجلت تلك الحماية في تلبية معظم أو كل المطالب الإسرائيلية، وتجلى هذا الإبعاد أيضًا في عدم حضور كل من الصين وروسيا لمؤتمر السلام بشرم الشيخ الذي عُقد في 13 أكتوبر الماضي.

ملامح المشروع الروسي
قدمت روسيا يوم الخميس 13 نوفمبر 2025 مسودة مشروع قرار إلى الأمم المتحدة بخصوص إدارة الوضع في قطاع غزة، يهدف في الأساس إلى إعطاء صلاحيات واسعة للأمم المتحدة ومجلس الأمن في إدارة المرحلة الانتقالية في قطاع غزة خصوصًا وفلسطين بصفة عامة.
يتمحور المشروع الروسي حول عدد من النقاط، أبرزها على الإطلاق هو إعطاء الفرصة للسلطة الوطنية الفلسطينية في الإشراف على قطاع غزة وتبني حل الدولتين بإقامة الدولة الفلسطينية. ومن هنا تبرز العديد من النقاط الخلافية بين مسودة المشروع الروسي ومسودة المشروع الأمريكي، وهي:
أولًا: استبعد المشروع الروسي تشكيل ما يسمى "مجلس السلام" الذي سيترأسه ترامب ويكون له أحقية إدارة المرحلة الانتقالية، كما طالبت الصين وروسيا حذف مجلس السلام من مسودة المشروع الأمريكي.
ثانيًا: أحال المشروع الروسي مسألة نشر القوة الدولية إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة، وبالتالي يحق للأمم المتحدة وفق المشروع الروسي نشر قوات حفظ سلام دولية في قطاع غزة، وتخضع قانونيًا لأحكام الفصلين السادس والسابع من ميثاق الأمم المتحدة. وذلك عكس المشروع الأمريكي الذي تكون مرجعية القوات الأجنبية فيه إلى مجلس السلام الذي سيترأسه ترامب.

ثالثًا: أشار المشروع الروسي ببساطة إلى إنشاء الدولة الفلسطينية على الحدود المتعارف عليها، بمعنى إلزام إسرائيل بالانسحاب من كافة الأراضي التي تحتلها منذ بداية عملية "السيوف الحديدية" بشكل قاطع، لكن المشروع الأمريكي نص على تجزئة الانسحابات الإسرائيلية من قطاع غزة؛ إذ تتمركز حاليًا القوات الإسرائيلية عند الخط الأصفر، ومع تتالي الإجراءات وفق المشروع الأمريكي فإنه من المحتمل أن تتراجع إسرائيل إلى خطوط أخرى مثل الخط الأحمر.
رابعًا: يرفض المشروع الروسي أية محاولات لإحداث تغييرات ديمغرافية في قطاع غزة أو الضفة الغربية.
خامسًا: يتحدث المشروع الروسي عن المشروع الفلسطيني ككتلة موحدة (الضفة الغربية وقطاع غزة)، وبالتالي يتضمن بشكل غير مباشر رفضًا لمشاريع الاستيطان الإسرائيلية في قطاع غزة.
سادسًا: لم يحدد المشروع الروسي مدة الفترة الانتقالية، عكس المشروع الأمريكي الذي حدد عامين أمام مجلس السلام لتثبيت الأوضاع والاستقرار في قطاع غزة.
سابعًا: يهدف المشروع الروسي بالأساس إلى إخراج واشنطن من معادلة إدارة الحكم في قطاع غزة وتحويل الأمر برمته إلى الأمانة العامة للأمم المتحدة، والتي ترى العديد من الأطراف في المنطقة العربية أنه إذا آلت الأمور إلى الأمم المتحدة ستكون الأوضاع أكثر اعتدالًا وتوازنًا.
ثامنًا: لم يشر المشروع الروسي إلى مسألة تفكيك فصائل المقاومة ونزع سلاح حركة حماس.

ردود الأفعال على المشروع الروسي
1- لم يحظَ المشروع الروسي بترحيب أمريكي، إذ اعتبر مندوب واشنطن في مجلس الأمن أن تأخير التصويت على المشروع الأمريكي من شأنه تعريض وقف إطلاق النار للخطر الجسيم، وأن هناك محاولات لبث الفتنة.
2- يتقارب المشروع الروسي مع الطرح المصري وملاحظاته على المشروع الأمريكي؛ إذ تسعى القاهرة للحفاظ على الثوابت الفلسطينية وضرورة حصول قوة الاستقرار الدولية في غزة على تفويض رسمي من قبل مجلس الأمن.
دوافع المشروع الروسي
لا تمتلك روسيا سجلًا مشرفًا في دعم عملية السلام بين العرب وإسرائيل، إذ لم تقف موسكو كداعمة للدول العربية في مفاوضتها مع إسرائيل مثلما تفعل واشنطن مع تل أبيب، فمعظم مشاريع السلام الكبرى التي دخلتها الأطراف العربية مع إسرائيل كانت في البداية بإيعاز ودعم من موسكو، وبعد المضي قدمًا في مسار المفاوضات سرعان ما تنسحب موسكو تاركة الدول العربية في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.

البداية كانت مع المشروع السوفيتي المقدم للأمم المتحدة لوقف إطلاق النار على الجبهتين المصرية والسورية في 22 أكتوبر 1973؛ إذ قدمت موسكو وقتها مشروع وقف إطلاق النار والدخول في مفاوضات مباشرة لفك الاشتباك. ويلاحظ أنه بعد تقديم المشروع السوفيتي تراجعت موسكو في دعم القاهرة خلال جولاتها التفاوضية بداية من مفاوضات جنيف 1974 وانتهاءً بمفاوضات كامب ديفيد 1978.
ومرة أخرى كررت موسكو دخولها على خط المفاوضات العربية الإسرائيلية، إذ كانت أحد رعاة مؤتمر مدريد للسلام في عام 1991، ودخلت المفاوضات كندٍ للولايات المتحدة التي انحازت للصف الإسرائيلي، إلا أنه سرعان ما تراجع الدعم الروسي للقضية الفلسطينية، وتركت منظمة التحرير الفلسطينية وحيدة أمام الإدارة الأمريكية والإسرائيلية دون دعم من قوى عالمية كبرى.
من المرجح أن المشروع الروسي الأخير المقدم في مجلس الأمن يهدف بالأساس إلى تحقيق مصالح روسية في المقام الأول، خاصة بعد سلسلة من الهزائم السياسية التي مُني بها النظام الروسي في المنطقة العربية والأفريقية؛ إذ شهدت السنة الماضية تراجعًا ملحوظًا في النفوذ الروسي في منطقة الشرق الأوسط. لذا جاء المشروع الروسي الأخير من أجل تحقيق الغايات التالية:
1- حفظ ماء الوجه:

وجهت واشنطن خلال مفاوضات اتفاق وقف إطلاق النار إهانة غير مباشرة لموسكو وبكين باستبعادهما من المشاركة في المفاوضات رغم كونهما قوتين كبريين ويمتلكان حق الفيتو في مجلس الأمن. وخلال مؤتمر شرم الشيخ لم تحرص واشنطن على مشاركتهما في فعاليات المؤتمر. لذا يأتي المشروع كرد على الإهانة الأمريكية من ناحية، وإيقاف خطط واشنطن من ناحية أخرى.
2 - استعادة التوازن:
مُنيت موسكو بهزائم مباشرة وغير مباشرة في منطقة الشرق الأوسط خلال عام 2024؛ ففي يونيو من ذات العام تعرضت إيران، أحد حلفاء موسكو في المنطقة، لهزيمة عسكرية مذلة على يد إسرائيل، وشكلت الحرب الإسرائيلية على إيران إهانة قوية لمنظومة التسليح الروسية، إذ لم تستطع منظومة الدفاع الجوي "إس-300" الروسية ـــ والتي تروج لها موسكو في العواصم العربية ـــ منع سيادة الطيران الإسرائيلي على الأجواء الإيرانية.
ولم يكد ينتهي العام حتى تمت الإطاحة بنظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024، ولم تستطع موسكو وقتها توفير الحماية والدعم لنظام البعث السوري رغم تواجدها عسكريًا في الأراضي السورية.
وجاء تولي هيئة تحرير الشام، أحد أعداء موسكو خلال السنوات الماضية، نظام الحكم في دمشق إهانة جديدة للنظام الروسي، خاصة بعد اتجاه الحكام الجدد في دمشق لتعزيز وتوطيد تعاونهم مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
ولاحقًا في أبريل 2025 مُنيت الهند، الشريك العسكري والمستخدم الأول للسلاح الروسي في العالم، بهزيمة مذلة أمام الجيش الباكستاني.
لذا قد تحاول روسيا من خلال مشروعها في مجلس الأمن الأخير استحداث تموضع سياسي جديد لموسكو يضمن لها في المستقبل استعادة نفوذها المتداعي في المنطقة الممتدة من نهر السند إلى سواحل البحر المتوسط.
3- استعادة التوازن الإقليمي:
لطالما شكلت طهران عامل توازن إقليمي أمام إسرائيل، لكن بعد حرب الاثني عشر يومًا تراجعت القدرات الإيرانية، فضلًا عن إضعاف حلفاء إيران الإقليميين مثل حزب الله وحماس، الأمر الذي دفع السياسة الخارجية الأمريكية للتمدد سريعًا في شرق آسيا وآسيا الوسطى بشكل غير مسبوق. فمؤخرًا وقعت كازاخستان على اتفاقية إبراهام مع إسرائيل برعاية أمريكية، وللعلم تعد دولة كازاخستان هي الحديقة الخلفية للنظام الروسي، وبالتالي قد تنظر موسكو لانضمام كازاخستان لاتفاقية إبراهام على أنه عبث أمريكي إسرائيلي بأحد أهم دول الكومنولث الروسي.

4 - استدراج الدعم العربي:
المشروع الروسي يقترب بشدة من الأطروحات العربية لحل الصراع، مثل الرؤية المصرية التي عبر عنها وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، والذي أكد على أهمية الحفاظ على الثوابت الفلسطينية. كما تتوافق أيضًا مع مبادرة السلام العربية التي طرحها الملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز خلال مؤتمر القمة العربية ببيروت عام 2002.
لذا يلعب المشروع الروسي على تجييش الدعم العربي لصالح المشروع الروسي، خاصة أن الجزائر حاليًا تحتل مقعدًا غير دائم في مجلس الأمن، ومن شأنه استعادة النفوذ الروسي مرة أخرى في المنطقة.
ختامًا:
في ضوء ما سبق، يتضح أن المشروع الروسي المطروح أمام مجلس الأمن لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات الاستراتيجية التي شهدتها المنطقة خلال العامين الماضيين، ولا عن تراجع المكانة الجيوسياسية لموسكو على امتداد الشرق الأوسط وآسيا. فالمبادرة الروسية تبدو محاولة لاستعادة دور مفقود أكثر من كونها مشروعًا حقيقيًا لتسوية الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي. ومع ذلك، فإن تقاطعها مع بعض الثوابت العربية، وابتعادها عن الطرح الأمريكي الأحادي، يمنحها مساحة من القبول الإقليمي، خصوصًا لدى الأطراف الساعية لضبط النفوذ الأمريكي المتنامي في المنطقة.
ومع أن فرص اعتماد المشروع الروسي تبقى محدودة في ظل الرفض الأمريكي الواضح، إلا أنه يشكل مؤشرًا على مرحلة جديدة يتزايد فيها التنافس الدولي على ملف غزة بوصفه ساحة لإعادة تشكيل موازين القوى الدولية. ومن ثم قد يفتح المشروع، سواء اعتمد أم رُفض، الباب أمام صيغ تفاوضية أكثر توازنًا، تعيد الاعتبار للدور الأممي، وتمنح القضية الفلسطينية مساحة أكبر من الحضور الدولي بعيدًا عن الاحتكار الأمريكي. وفي جميع الأحوال، سيبقى مستقبل غزة مرهونًا بقدرة القوى الدولية والإقليمية على التوصل إلى صيغة توافقية تُنهي الصراع وتمنع إعادة إنتاج أزمات الهيمنة والنفوذ في المنطقة.
محمد الدابولي*
باحث في السياسات الدولية



