رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الحكومة العراقية الجديدة: بين صراع النفوذ الإقليمي وحرب التحالفات المعقدة

رئيس الوزراء العراقي
رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني

أُجريت الانتخابات البرلمانية العراقية مؤخرًا في ظل ظروف إقليمية مضطربة للغاية، إذ أتت بعد الجهود التي بذلتها واشنطن خلال السنوات الأخيرة في تقويض النظام الإيراني وأذرعه في المنطقة، خاصة في العراق التي اعتُبرت على مدار العقود الثلاثة الماضية بمثابة الحديقة الخلفية لنظام الملالي.

لعبت سياسات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ ولايته الأولى دورًا في تقويض الأذرع الإيرانية؛ ففي مطلع عام 2020 تم قصف موكب قاسم سليماني قائد فيلق القدس الإيراني رفقة أبي علي المهندس قائد الحشد الشعبي العراقي بالقرب من مطار بغداد، وخلال ولايته الثانية قاد بدعم إسرائيل التي تمكنت من ضرب منشآت المشروع النووي الإيراني، بالإضافة إلى تعرض ميليشيات الحشد الشعبي والميليشيات الشيعية العراقية لهزائم مذلة على الجانب السوري إبّان تقدم هيئة تحرير الشام صوب العاصمة السورية دمشق في نوفمبر ـ ديسمبر 2024.

في خضم هذه السياقات الإقليمية المضطربة أُجريت الانتخابات البرلمانية العراقية، والتي أسفرت نتائجها الأولية عن فوز الائتلاف الخاص برئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني بالأكثرية داخل مجلس النواب العراقي الجديد.

مما يميز البرنامج الانتخابي لرئيس الوزراء الحالي والمستقبلي أنه ابتعد كثيرًا عن الخطابات الطائفية التي كانت سائدة ومدعومة إيرانيًا في فترات سابقة، خاصة بعد احتلال العراق في عام 2003 والإطاحة بنظام صدام حسين.

لذا ستحاول تلك الورقة تقديم تقدير موقف حول الحالة السياسية العراقية في فترة ما بعد الانتخابات الحالية وتحجيم الدور الإيراني الحالي في المنطقة.

 ائتلاف الإعمار والتنمية في الانتخابات العراقية 
 ائتلاف الإعمار والتنمية في الانتخابات العراقية 

أولًا: نتائج الانتخابات

لم تُعلن نتائج الانتخابات النهائية حتى الآن، إلا أن المؤشرات الأولية التي أعلنتها المفوضية العليا المستقلة للانتخابات أشارت إلى فوز ائتلاف "الإعمار والتنمية" الذي يتزعمه رئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني بالأكثرية في الأصوات وعدد المقاعد. في حين بلغت نسبة المشاركة حوالي 56%، وهي النسبة الأضعف منذ أول انتخابات برلمانية عقب الإطاحة بنظام صدام حسين، إذ بلغت المشاركة في انتخابات 2005 حوالي 80%.

ومن المرجح أن يكون ائتلاف السوداني قد حصد 50 مقعدًا من أصل 329 مقعدًا، وهو الأمر الذي سيُعقّد مشاورات تشكيل الحكومة التي ينبغي أن تحصل على ثلثي مقاعد البرلمان أي حوالي 210 مقاعد على الأقل، وبالتالي ستدور المناقشات من أجل توسيع الائتلاف الحاكم للوصول إلى النسبة المأمولة.

كتلة صادقون في الانتخابات العراقية
كتلة صادقون في الانتخابات العراقية

ثانيًا: ملامح انقلاب دستوري

يلوّح في الأفق الانقلاب السياسي الذي شهدته بغداد عقب انتخابات 2010، والتي فاز بها ائتلاف رئيس الوزراء الأسبق إياد علاوي بـ91 مقعدًا، في حين حل ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي في المرتبة الثانية بـ89 مقعدًا، الأمر الذي عقد من مشاورات تشكيل الحكومة ليتمكن المالكي لاحقًا من الالتفاف على أكثرية علاوي وينجح في تشكيل ائتلاف كبير مكّنه في النهاية من السيطرة على الحكومة حتى عام 2014.  

ويبرز هذا الاحتمال في ظل تعالي معارضة ائتلاف "دولة القانون" بزعامة المالكي وائتلاف "كتلة صادقون" بزعامة قيس الخزعلي اللذين حصلا تقريبًا على قرابة 60 مقعدًا مجتمعين، الأمر الذي قد يدفعهما إلى التحالف والبحث عن تحالفات أخرى من أجل عودة ائتلاف دولة القانون مرة أخرى للحكم. وقد يجد هذا الائتلاف دعمًا من النظام الإيراني نظرًا للعلاقات الوثيقة بين المالكي والخزعلي بملالي طهران، خاصة في ظل سعي طهران لإعادة نفوذها مرة أخرى في العراق.

قيس الخزعلي
قيس الخزعلي

وقد تتكرر أحداث 2021 مرة أخرى أيضًا حين فاز وقتها "تيار الصدر" بـ70 مقعدًا محققًا الأكثرية في البرلمان، إلا أن الميليشيات والقوى الشيعية الأخرى حالت دون توليه منصب رئيس الوزراء، مما أدى في النهاية إلى تولّي محمد شياع السوداني رئاسة الوزراء بعد انسحاب الصدر من المشهد السياسي وقتها. وكان اختيار السوداني وقتها على أنه شخصية مغمورة سياسيًا يسهل السيطرة عليها، إلا أن تجاربه خلال السنوات الثلاث الماضية أثبتت كفاءته السياسية والإدارية.

ثالثًا: تخوفات ملموسة

في إطار تحليل أثر الانتخابات العراقية على المصالح العراقية الأمريكية المشتركة، عقد معهد واشنطن في بداية الشهر الجاري منتدى سياسيًا افتراضيًا تناول تلك المسألة. في البداية لم يكن مينا العريبي رئيس صحيفة "ذا ناشيونال" الصادرة من أبوظبي متحمسًا كثيرًا للانتخابات العراقية، إذ رأى أن هناك إحجامًا كبيرًا عن المشاركة في الانتخابات نتيجة حالة الإحباط المتزايد في صفوف الشباب العراقي نتيجة ارتفاع معدلات البطالة التي وصلت إلى 30% حسب إحصائيات البنك الدولي.

نوري المالكي 
نوري المالكي 

ويرى العريبي أنه من المحتمل أن تسود أزمة عراقية كبرى خلال الفترة المقبلة عنوانها الفشل في تشكيل الحكومة رغم حصول كتلة السوداني على الأكثرية داخل مجلس النواب، وهو ما سيُثير أزمة الشرعية داخل النظام السياسي.

ويرجع العريبي احتمالية تزايد أزمة الشرعية السياسية لعدة عوامل أبرزها: مقاطعة التيار الصدري بزعامة الزعيم الشيعي مقتدى الصدر للانتخابات من ناحية، وتخفيف الولايات المتحدة لدورها في العراق، ويتجلّى ذلك في تعيين مبعوث جديد لها هو مارك سافيا الذي يتمتع بمحدودية الخبرات في الشأن العراقي، فضلًا عن احتمالية سعي طهران لإعادة بسط نفوذها في الداخل العراقي من خلال استعادة روابطها بالميليشيات العراقية المرتبطة بها مثل الحشد وحزب الله العراقي.

الانتخابات العراقية
الانتخابات العراقية

وتعود أزمة الشرعية السياسية أيضًا إلى الخلافات الكردية ـ الكردية وفشلها في تأسيس حكومة كردية إقليمية في مناطق شمال العراق رغم مرور عام على الانتخابات المحلية التي تم إجراؤها في شمال كردستان.

أما على مستوى الأداء الحكومي، فيرى العريبي أنه رغم كون السوداني يمثل شخصية وطنية غير طائفية، إلا أنه في ذات الوقت لم يجرؤ على محاربة الفساد المستشري في أوصال الدولة العراقية، ولم ينجح ـ حسب تعبيره ـ في تفكيك حكم اللصوص في بغداد.

ويرى مينا أن الإيجابية الوحيدة للسوداني هي نجاحه في إدارة ملف العلاقات الإقليمية للعراق بذكاء وتوازن، خاصة في عزل العراق عن الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل، والتوصل إلى تفاهمات مع تركيا بخصوص تقاسم المياه. وفيما يخص الملف السوري، فقد نجح في النأي ببلاده عن الأحداث في سوريا وسرعته في إخراج الميليشيات العراقية من الداخل السوري وعدم تصادمها مع نظام الحكم الجديد في سوريا، وهو ما وفّر نوعًا من الاستقرار الداخلي، وخلق نوعًا من المناعة الداخلية العراقية تجاه الأحداث المضطربة في الإقليم.

الانتخابات العراقية
الانتخابات العراقية

وفي السياق ذاته يؤكد منقذ داغر عضو مجلس الإدارة ومدير قسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في مؤسسة جالوب الدولية على احتمالية تعقّد مسألة تشكيل الحكومة، ورغم ذلك يؤكد أن السوداني يحظى بتأييد عالٍ في الأوساط السياسية العراقية، وأن البلاد في عهده تسير في الاتجاه الصحيح، خاصة في ظل تأييد القوى السياسية السنية للسوداني. 

أما فيما يخص عقبة تشكيل الحكومة فمن المؤكد استمرارها مثلما حدث في عام 2021 حينما فازت كتلة الصدر بـ72 مقعدًا، ومن المرجح أن يكون الائتلاف المقبل مكونًا بالأساس من حزب "الإعمار والتنمية" بزعامة السوداني رفقة حزب "التقدم السني" بزعامة محمد الحلبوسي، والحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة مسعود بارزاني.

مقتدى الصدر - زعيم التيار الصدري
مقتدى الصدر - زعيم التيار الصدري

ويشير داغر إلى تنامي تيار سياسي داخل العراق يفضل الشراكة مع الولايات المتحدة عن إيران، خاصة في ظل تمتع السوداني بعلاقة عمل قوية مع واشنطن، لا سيما بعد عملية ضبط النفس التي اتبعها خلال حرب الاثني عشر يومًا بين إسرائيل وأمريكا.

رابعًا: تجفيف منابع داعش

يرى مسلمو السنة في العراق أن ظهور "داعش" ارتبط بالفساد الاقتصادي في البلاد وارتفاع معدلات البطالة بين شباب السنة، لذا عمل السوداني خلال ولايته الأولى على ضخ 400 مليار دولار في عمليات التوظيف الحكومي وتشجيع الاستثمار في مجالات البناء والبنية التحتية في البلاد، الأمر الذي أكسبه مصداقية عالية في صفوف السنة المسلمين.

وأخيرًا..

يبدو أننا أمام أزمة عراقية متكررة منذ عام 2010 وإلى اليوم، عنوانها فشل الأحزاب العراقية في حصد الأغلبية المريحة التي تمكنها من تشكيل الحكومة. ونظرًا لتداخل العوامل الإقليمية والدولية، فإن تشكيل الحكومة العراقية المقبلة سيأتي من الخارج؛ أي أننا سنرى سباقًا محمومًا بين واشنطن وطهران خلال الفترة المقبلة ستكون ساحته المنطقة الخضراء ببغداد، إذ سيحاول كل طرف دعم وتثبيت مناصريه خلال المشاورات المقبلة لتشكيل الحكومة العراقية.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء