رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مستقبل الوجود الإسرائيلي في القطب الشمالي: فرص ضيقة وتحديات واسعة

نتنياهو - أرشيفية
نتنياهو - أرشيفية

أدت عملية الاحتباس الحراري التي يتعرض لها كوكب الأرض إلى إحداث تغيرات مناخية قاسية، إذ ارتفعت درجة حرارة الكوكب درجتين على الأقل حسبما تؤكد المؤشرات العلمية في هذا الاتجاه، ونجم عن ارتفاع درجة الحرارة ذوبان الجليد في القطبين الشمالي والجنوبي.

رؤساء وزراء دول الشمال القطبي
رؤساء وزراء دول الشمال القطبي

أدى ارتفاع درجة حرارة القطب الشمالي وذوبان الجليد هناك إلى بروز الأهمية الاقتصادية لدول القطب الشمالي من دول البلطيق شرقًا حتى ولاية ألاسكا الأمريكية غربًا، إذ تعززت الفرصة الاقتصادية في تلك الدول، فعلى سبيل المثال استغلت روسيا ذوبان جليد القطب الشمالي في فتح ممر ملاحي جديد يربطها بدول شمال أوروبا بدلًا من الطريق القديم المار بالبحر الأسود والمضائق التركية ثم البحر المتوسط، فضلًا عن مد خطي أنابيب غاز (نورد ستريم) أسفل بحر البلطيق.

وفي المقابل تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى فرض المزيد من الهيمنة على مناطق شاسعة من القطب الشمالي، مثل محاولات السيطرة على جزيرة جرينلاند، وعلى ذات المضمار تحاول إسرائيل أيضًا مد جسورها إلى القطب الشمالي محاولة استغلاله سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، إذ برزت مؤخرًا دراسات إسرائيلية تدعو الحكومة إلى تعزيز تواجدها السياسي والدبلوماسي في تلك المنطقة.

روابط تاريخية

تمتلك إسرائيل روابط تاريخية كبرى بدول القطب الشمالي، فالعديد من القادة الأوائل للحركة الصهيونية تنحدر جذورهم من دول البلطيق، فعلى سبيل المثال لا الحصر ينحدر رئيس الوزراء الأسبق مناحم بيجن من دولة بيلاروسيا، فيما شهدت مدينة ريغا عاصمة ليتوانيا، إحدى دول البلطيق، تأسيس ما يسمى الحركة الصهيونية التصحيحية على يد جابوتنسكي، وتعد تلك الحركة هي أحد النوايا الأولى لتأسيس العصابات الصهيونية في فلسطين، كما تعد المرجع الرئيس حاليًا لتيارات اليمين المتطرف الإسرائيلي.

الرئيس ترامب
الرئيس ترامب

تأزم في العلاقات

رغم الروابط التاريخية القديمة بين إسرائيل ودول القطب الشمالي، إلا أن ثمة تغيرات في العلاقات حدثت بين تل أبيب وبعض تلك الدول وبلغت ذروة التأزم حاليًا مع دولة النرويج، إذ رفضت تل أبيب منح رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره تصريحًا لدخول البلاد لإجراء مشاورات مع نظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ويرجع الرفض الإسرائيلي إلى العديد من الأسباب أبرزها:

1) النرويج هي من بدأت موجة الاعتراف الأوروبي بالدولة الفلسطينية ولحقتها أيرلندا.

2) نتيجة الاعتراف بفلسطين ألغت إسرائيل الصفة الدبلوماسية عن ممثلي النرويج لدى السلطة الوطنية الفلسطينية في مايو 2024، مما أدى لسحب البعثة الدبلوماسية النرويجية من فلسطين نتيجة التهديدات الإسرائيلية.

3) اتهام "ستوره" بمعاداة السامية، حيث فضل حضور فعاليات تنظمها اللجنة النرويجية الفلسطينية بدلًا من حضور فعاليات أقامتها الجالية اليهودية في أوسلو في ذات الوقت، إذ كانت الفعالية متعلقة بذكرى "ليلة الزجاج المكسور" التي وقعت عام 1938 والتي تعد إحدى حلقات اضطهاد اليهود في أوروبا وقت انتشار الأفكار النازية، إذ قُتل في تلك الليلة أكثر من 750 يهوديًا نرويجيًا على يد النازيين.

4) انتقادات ستوره لإسرائيل بعدم إدخال المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة.

5) تصاعد موجة الغضب الشعبي النرويجي تجاه إسرائيل، وتجلى ذلك في مباراة كرة القدم بين منتخبي البلدين في 11 أكتوبر الماضي والتي انتهت بفوز المنتخب النرويجي بخماسية نظيفة على ملعب أوليفول بأوسلو ضمن تصفيات كأس العالم 2026، وكان الاتحاد النرويجي قد خصص عائد المباراة لتقديم المساعدات الإنسانية إلى قطاع غزة، فضلًا عن مطالبات الاتحاد باستبعاد المنتخب الإسرائيلي من التصفيات.

6) في زمن سابق، وتحديدًا في عام 2010، رفضت النرويج إجراء تجارب إسرائيلية على الغواصات الألمانية دولفين في مياهها الإقليمية قبل شرائها من الجانب الألماني.

7) إعلان البرلمان النرويجي في يونيو 2022 وضع علامات على المنتجات الإسرائيلية المنتجة في الضفة الغربية والمستوطنات في إطار سياسة مقاطعة البضائع الإسرائيلية المنتجة في الضفة والمستوطنات.

8) قامت العديد من الجامعات النرويجية بقطع علاقتها الرسمية مع إسرائيل، وسحب صندوق الثروة السيادي النرويجي جميع استثماراته من الشركات الإسرائيلية.

9)  وأخيرًا، أُلقيت قنبلة يدوية على مقر إقامة السفير النرويجي في تل أبيب في 19 يونيو 2025 دون وقوع إصابات في إشارة تهديد ووعيد للسياسات النرويجية المعادية لإسرائيل.

رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره
رئيس الوزراء النرويجي يوناس غار ستوره

مصالح إسرائيلية في القطب الشمالي

رغم تأزم العلاقات النرويجية الإسرائيلية، إلا أن ثمة مصالح إسرائيلية في القطب الشمالي قد تدفع ساستها إلى إعادة النظر مرة أخرى في السياسات الإسرائيلية المتقلبة تجاه دوله، إذ أشار الباحث بول ويسكو، الباحث المشارك في مركز ديان وجيلفورد جليزر لسياسات إسرائيل والصين والمهتم بالسياسات الصينية في القطب الشمالي وجزر المحيط الهادئ، إلى وجود مصالح إسرائيلية متعددة في منطقة القطب الشمالي تتركز في المجالات الدفاعية والدبلوماسية والاقتصادية.

المصالح الدفاعية

يؤكد ويسكو أن المصالح الأمنية الإسرائيلية هي المحدد الأول في العلاقات الإسرائيلية بالقطب الشمالي، إذ تعد مناطق القطب الشمالي ساحة الاختبار الأولى للأسلحة الإسرائيلية والمنتجات الدفاعية، فعلى سبيل المثال جرى اختبار نظام الدفاع الجوي "آرو" في منطقة عسكرية في جزيرة كودياك بولاية ألاسكا الأمريكية، والتي تحظى تل أبيب بقاعدة عسكرية تدريبية فيها.

استفادت إسرائيل من الطقس السيئ في الجزيرة في ضمان فعالية منظومة الدفاع الجوي آرو، فضلًا عن الندرة السكانية للمنطقة، الأمر الذي أدى إلى إجراء الاختبارات بسرية تامة، بالإضافة إلى المساحات الواسعة في المنطقة، الأمر الذي أدى لنجاح الاختبارات دون احتمالية التعرض لمخاطر التجارب العسكرية. ويعد نظام آرو نظام دفاع جوي بعيد المدى يستخدم لمواجهة تهديدات الصواريخ الباليستية، وقد ثبتت فعاليته بشكل قوي إبان حرب الاثني عشر يومًا مع إيران.

كما تم اختبار المسيرات الانتحارية من طرازات "هيرو ـ 120" والتي أثبتت هي الأخرى فعاليتها في أجواء القطب الشمالي، وتسعى وزارة الدفاع الإسرائيلية إلى تسويق تلك الطائرات في دول القطب الشمالي.

ومثلما يعد القطب الشمالي ميدان تجارب للأسلحة الإسرائيلية، يعد أيضًا ميدانًا تسويقيًا لها، إذ تعتمد الآلية الإنتاجية العسكرية الإسرائيلية على إنتاج أسلحة وأنظمة عسكرية مطابقة لظروف القطب الشمالي، وهو ما دفع ألمانيا وكندا لشراء الأسلحة الإسرائيلية. فمثلًا كندا استوردت من إسرائيل مسيرات من شركة "إلبيت سيستمز" لمراقبة الأنشطة في القطب الشمالي، كما حرصت وزارة الدفاع الألمانية على اقتناء نظام آرو الإسرائيلي.

معاداة السامية

يرى ويسكو أن معاداة السامية هي أبرز التحديات التي تواجه إسرائيل في الانطلاق صوب القطب الشمالي، فالعديد من دوله ما زالت تمتلك إرثًا مناهضًا للسامية يؤثر على تنامي علاقات تل أبيب بدول القطب الشمالي، فعلى سبيل المثال تمتلك آيسلندا تاريخًا طويلًا من معاداة السامية والتي رفضت في الماضي استقبال اليهود والسماح لهم بالإقامة فيها وتم ترحيل اليهود بها إلى ألمانيا النازية، وبالمثل فعلت النرويج، كما قامت آيسلندا بحظر ختان الذكور وقامت بمقاطعة البضائع الإسرائيلية.

أما فنلندا، ورغم حمايتها لليهود خلال الحرب العالمية الثانية رغم كونها في ذلك الوقت في صف ألمانيا النازية، إلا أنها لا تزال ضمن الدول المعادية للسامية، فعلى سبيل المثال لم تزل هلسنكي علامة النازية من على طائرات قواتها الجوية إلا في عام 2025.

أما الدنمارك، والتي توصف بأنها محبة للسامية، إلا أنها في ذات الوقت انضمت لقائمة الدول المقاطعة للبضائع الإسرائيلية.

ورغم تأزم العلاقات بين إسرائيل ودول القطب الشمالي، إلا أن جزر فارو وجرينلاند فتحتا العديد من قنوات الاتصال مع إسرائيل وترغبان في إنشاء مكاتب تمثيل متبادلة مع تل أبيب، كما قامتا بالتعاون مع ولاية ألاسكا بسن تشريعات مناهضة لعملية مقاطعة البضائع الإسرائيلية.

ختامًا:

تتأرجح مكانة إسرائيل في منطقة القطب الشمالي، إذ غالبًا ما تربط تلك الدول بين مسألة التطبيع مع إسرائيل وبين إنشاء الدولة الفلسطينية، فتلك الدول تمتلك ماضيًا عدائيًا مع إسرائيل يسبق إنشاء الدولة الإسرائيلية ذاتها، خاصة في الفترة التي انتشر فيها اليهود في تلك البلاد مما ساهم في تأجيج مشاعر معادية لإسرائيل تم توارثها عبر الأجيال. 

ومن هنا يُصر ويسكو، على أن تل أبيب يجب أن تستغل الفرص الضيقة لأجل تحقيق انتشارها في تلك الدول وبناء شراكات فعالة معها، نظرًا لأن التغيرات المناخية وذوبان الجليد سيعزز تلك الدول اقتصاديًا في القريب العاجل، ويجعلها محجًا اقتصاديًا لكافة دول العالم، خاصة بعد الاكتشافات النفطية في تلك المنطقة والتي ترجح مبدئيًا امتلاكها نحو 15% من احتياطات النفط حول العالم و30% من احتياطات الغاز الطبيعي.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء