العفو المستحيل: كيف يمنع القانون الإسرائيلي إنقاذ نتنياهو قبل الإدانة؟
لا يكل ولا يمل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، من الإلحاح على الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ، في طلب العفو عن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يواجه العديد من قضايا الفساد المنظورة حاليًا أمام المحاكم الإسرائيلية.
سبق أن اتُّهم نتنياهو في ثلاث قضايا متعلقة بالفساد واستغلال السلطات؛ إذ يُتهم نتنياهو في القضية الأولى التي تحمل رقم (1000) بتلقي رشاوي من رجال أعمال بقيمة 260 ألف دولار مقابل تقديم خدمات لهم، أما القضية الثانية التي تحمل رقم (2000) فيُتهم فيها بالتفاوض مع "أرنون موزيس"، ناشر صحيفة "معاريف"، للحصول على تغطية إيجابية، بينما يُتهم في القضية (4000) بتقديم تسهيلات لـ"شاؤول إلوفيتش"، مالك موقع "واللا" العبري، للحصول على تغطية إيجابية أيضًا.
إعلاء قيمة نتنياهو في التاريخ اليهودي
يتمتع نتنياهو بصداقة قوية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ويتضح ذلك في حالة الثناء المتكرر التي يبديها ترامب عند الحديث عن نتنياهو. فقبل التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار بشهرين تقريبًا، صرّح ترامب بأنه لن يسمح بمحاكمة نتنياهو في الجرائم المنسوبة إليه، مطالبًا الرئيس الإسرائيلي بالعفو عنه.
وخلال خطابه في الكنيست الذي استبق مؤتمر شرم الشيخ في 13 أكتوبر الماضي، أثنى كثيرًا على فضائل نتنياهو ودوره في الحرب واستعادة الرهائن، وبلغ الثناء ذروته في (12 نوفمبر 2025) في خطاب رسمي وجهه ترامب لنظيره الإسرائيلي، مكررًا طلب العفو عن نتنياهو.

وخلال خطابه بالغ ترامب في الثناء على نتنياهو، ووصل به الأمر إلى وضعه في مصاف "حكماء بني إسرائيل"، إذ أوضح أن نتنياهو نجح في تحقيق السلام لإسرائيل ودولة اليهود بعد مضي 3000 عام على الأقل، أي تحديدًا منذ نشأة بني إسرائيل على يد نبي الله يعقوب بن إبراهيم.
وواصل ترامب حديثه عن جهود صديقه المقرب في الوصول إلى الاتفاقات الإبراهيمية ورغبته في توسيع نطاق تلك الاتفاقيات، في رسالة مفادها أنه لا اتفاقيات إبراهيمية جديدة دون وجود نتنياهو، والذي وصفه أيضًا بـ«موحد بني إسرائيل». ويبدو أن ترامب في خطابه الأخير يشير إلى عقيدة «المسيح المخلِّص» التي تؤمن بها التيارات الفكرية اليهودية، إذ يحاول الإيحاء بتشبيه نتنياهو بالمسيح المخلِّص في العقيدة الصهيونية.
إدانة للقضاء الإسرائيلي
أوضح ترامب في خطابه أنه يكنّ الاحترام للقضاء الإسرائيلي، إلا أنه في ذات الوقت وجه اتهامات للسلطة القضائية، مصرًّا على أن القضايا المرفوعة ضد نتنياهو ملفقة وتُعد قضايا سياسية في المقام الأول وغير مبرَّرة. ولعله يشير بذلك إلى السجالات المتبادلة بين المحكمة العليا والمستشارة القانونية للحكومة وبين الليكود ونتنياهو.

مواقف متضاربة
أدى خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى تضارب المواقف الإسرائيلية الداخلية؛ فالائتلاف الحاكم رحّب بمبادرة ترامب، إذ أكد وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير أن العفو هو الشيء الصحيح والعاجل الذي يجب فعله، مطالبًا الرئيس هرتسوغ بالإنصات إلى الرئيس ترامب.
أما المعارضة الإسرائيلية فلم تستسغ خطاب ترامب، فعلى سبيل المثال أكد يائير لابيد أهمية احترام القانون، وأن الخطوة الأولى للعفو هي الاعتراف بالذنب والندم على الأفعال المشينة، فيما طالب يائير غولان المنتمي لحزب العمل ورئيس تحالف الديمقراطيين (حزبي العمل وميرتس) باستقالة نتنياهو، مؤكدًا أن الجميع متساوون أمام القانون.
تحركات الليكود لكسب العفو
يواصل حزب الليكود محاولاته لمنح العفو لرئيسه ورئيس الوزراء من خلال العديد من الخطوات أبرزها:
قانون كالنر: في أكتوبر الماضي تقدم النائب في الكنيست "أرئيل كالنر" بمشروع قانون يهدف إلى تقليل جلسات محاكمة نتنياهو، من خلال منح صلاحية لوزيري الدفاع والعدل لتقديم خطاب إلى هيئة المحكمة يفيد بتعذّر حضور رئيس الوزراء للمحاكمة نتيجة لارتباطه بأعمال تخص الأمن القومي، وأن حضوره يشكل خطورة تهدد أمن البلاد، على أن يصل تأجيل حضوره إلى 180 يومًا.
توقيعات سارة نتنياهو: تمكنت سارة نتنياهو، زوجة رئيس الوزراء من الحصول على توقيع 14 نائبًا في الكنيست على وثيقة تطالب الرئيس إسحق هرتسوغ، بالعفو عن زوجها، وعدم محاكمته في الجرائم المنسوبة إليه.

الضغط على هرتسوغ
يتعرض الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، لضغوط الرئيس ترامب. فرغم امتلاكه صك العفو عن المدانين، إلا أنه مقيد باعتبارات قانونية يشترط تحققها في حالات محدودة للغاية. فمثلًا تنص المادة 11 (ب) من القانون الأساسي على أن لرئيس الدولة سلطة العفو عن المجرمين وتخفيف الأحكام وتخفيضها واستبدالها، لكن ذلك يتم بعد صدور الأحكام القضائية، أي إنه لا عفو بدون حكم قضائي مسبق.
وفي نقطة أخرى قد يلجأ إليها نتنياهو، وهي إيقاف إجراءات التقاضي نهائيًا، وذلك وفق قانون النظام الجنائي الذي يمنح النيابة العامة، بعد الاتفاق مع المتهم (المقرّ بالذنب)، سلطة طلب تخفيف العقوبة من المحكمة. إذ تُعرض الاتفاقية بين المتهم والنيابة على المحكمة المختصة، التي يكون لها الحق في رفض الاتفاقية أو المصادقة عليها. أي إنه في هذه الحالة أيضًا يكون نتنياهو مدانًا، وهو ما يرفضه لأنها سوف تؤثر على مستقبله السياسي.
فوفقًا للقانون الإسرائيلي، من يرتكب جريمة ويدان بها يُمنع من ممارسة العمل السياسي لمدة سبع سنوات، حتى وإن شمله عفو رئاسي، وهو ما يعني إنهاء مسيرة نتنياهو السياسية تمامًا. لذا يرفض رئيس الوزراء هذا الطرح تمامًا، فهو يريد عفوًا دون وصمة، حسبما صرح عضو الكنيست الإسرائيلي، أيمن عودة.

ويوجد إجراء أخير، وهو نادر الحدوث، يتمثل في قيام النيابة العامة باستخدام صلاحياتها القانونية في وقف إجراءات التقاضي في بعض القضايا الخطيرة لاعتبارات قصوى تتعلق بانعدام الأدلة أو تعارض المحاكمة مع المصالح العامة للدولة. ولعل هذا الخيار الأخير هو ما يتمناه نتنياهو ويسعى إلى فرض تحقيقه.
بعد الاستعراض القانوني السابق يتضح أن مسألة العفو القانوني غير مجدية لنتنياهو، إذ يجب أن تسبق الإدانة العفو، وفي حال الإدانة سيتم إبعاده عن العمل السياسي. لذا يدور تساؤل حول جدية الضغوط السياسية الممارسة على الرئيس إسحق هرتسوغ، رغم افتقاره لصلاحيات العفو عن نتنياهو قبل صدور حكم يدينه.
ومن خلال استعراض مواقف وردود "هرتسوغ" نفسه من تلك القضية، يتبين أن ضغوط الليكود والرئيس الأمريكي تهدف إلى اتخاذ خطوات سياسية في سبيل العفو، لا خطوات قانونية. ففي مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي في سبتمبر الماضي، طالب "هرتسوغ" النيابة العامة بإبرام صفقة مع نتنياهو لأجل حصوله على عفو سياسي، بدافع المصلحة الوطنية، معتبرًا أن الوضع في البلاد في حالة طوارئ قصوى تتطلب إحداث تغييرات جوهرية، من أجل توحيد البلاد ودرء الانقسامات وتحقيق المصلحة العامة.
ختامًا..
بات الرئيس ترامب يمتلك شرعية سياسية في الداخل الإسرائيلي تبيح له التدخل في الشؤون الداخلية الإسرائيلية، والتدخل في شؤون القضاء الإسرائيلي، ولعل تلك الثقة التي يمتلكها ترامب تعود إلى دوره الفعّال في خدمة إسرائيل وتحقيق المصالح الإسرائيلية خلال الحرب الماضية.



