أنماط الصراعات في إفريقيا الوسطى: تنوع إثني وتعدد ديني وطائفي
يتميز الصراع في إفريقيا الوسطى بأنه من الصراعات التي لا تنتهي، إذ إنه صراع متعدد الأبعاد، فما إن يتوقف الصراع لفترة عبر اتفاقات سلام، وإرسال بعثات دولية أو إقليمية لحفظ السلام، إلا ويعود اندلاع الصراع مرة أخرى، وربما بشكل أشرس، مع مزيد من القتلى والمصابين والمهجّرين واللاجئين والنازحين. في الواقع يعتبر الصراع في أفريقيا الوسطى صراعًا متعدد الأبعاد: إثني، ديني، ثقافي، وهو ما ينعكس على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية. كما أن، وبحسب تصنيف معهد "أبوسالا" للصراعات، فإن أفريقيا الوسطى تضم نوعين من الصراعات: صراعات داخلية (Intra-State Conflict)، وصراعات غير حكومية (Non-State Conflict). يمكن استعراض ذلك من خلال النقاط الآتية:
خريطة جمهورية إفريقيا الوسطى

أولًا: التركيبة الإثنية لجمهورية إفريقيا الوسطى
يمكن ملاحظة تعدد الجماعات الإثنية في جمهورية أفريقيا الوسطى وذلك على النحو الآتي:
أ) جماعة غبايا: الموجودون في الشمال الشرقي للبلاد ويعتنقون المذهب الكاثوليكي.
ب) جماعة باندا: ويتركزون في وسط وغرب البلاد ويشكلون حوالي 27% من إجمالي السكان.
ج) جماعة البانتو: والذين يعيشون في الجنوب الغربي للبلاد.
د) جماعة النزكارا – زاندي: ويقيمون في شرق البلاد.
هـ) جماعة ساراومبوم: وهؤلاء يعيشون في شمال البلاد ويعتنقون الإسلام ويتحدثون اللغة العربية.
و) جماعات نيغاندي: والذين يعيشون على ضفاف نهر أوبانغي.

وتُعتبر جماعتا غبايا وباندا هما أكثر الجماعات انتشارًا في جمهورية إفريقيا الوسطى حيث يشكلون حوالي 60% من السكان. أما بالنسبة للديانة، فتُعدّ جمهورية إفريقيا الوسطى دولة ذات تعددية دينية ومذهبية، فطبقًا لتقرير الحرية الدينية الدولية لعام 2020 الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية فإن غالبية سكان جمهورية أفريقيا الوسطى يعتنقون المسيحية (61% بروتستانت، 28% كاثوليك)، وما يقرب من 9% من المسلمين، وحوالي 2% ديانات وثنية أولية ليس لهم دين محدد. ويتركز المسلمون في الشمال، وهناك بعض التقارير التي توضح أن نسبتهم تصل إلى 15%. ويتركز المسيحيون في الوسط والجنوب.
ثانيًا: خلفية الصراع
كانت جمهورية أفريقيا الوسطى واقعة تحت الاحتلال الفرنسي حتى عام 1960، وبعد الاستقلال مرت الدولة بدوامة من الانقلابات العسكرية. تولى الجنرال "فرانسوا بوزيزي" عام 2003 رئاسة جمهورية إفريقيا الوسطى عن طريق الانتخابات في مايو 2005 وظل في الحكم حتى قامت حركة سيليكا المسلمة بالانقلاب عليه في 2013، مما أشعل فتيل الحرب الأهلية في جمهورية أفريقيا الوسطى بين حركة سيليكا وبين حركة أنتي بالاكا المسيحية التي تضم العناصر المؤيدة للرئيس بوزيزي. وفعليًا نجح زعيم "السيليكا" "داكوتيجا" في الوصول إلى السلطة، لكنه عاد وسلم السلطة مرة أخرى عام 2014، كما شرع الطرفان في عمل اتفاق سلام وقد انتهى بتخلي "داكوتيجا" عن السلاح وتفكيك جماعته المسلحة. وفي تلك المرحلة يمكن اعتبار هذا النوع من الصراع بالصراع الذي تقوده الدولة (State-Based Conflicts). وعلى أي حال، لم يتم تنفيذ بنود الاتفاق، وعلى الرغم من هدوء الأوضاع في أفريقيا الوسطى لفترة، إلا أن الصراع قد تجدد بشكل آخر.

انتقل الصراع في إفريقيا الوسطى إلى نمط صراع آخر يسمى Non-State Conflicts. حلّ الرئيس جوتوديا تحالف سيليكا في سبتمبر من العام 2013، والذي كان قد تفكك بعد توليه مقاليد السلطة، ثم استقال في العام 2014. وبعد عقد انتخابات رئاسية أصبحت كاثرين سامبا بانزا رئيسةً للبلاد، كما بقي الصراع دائرًا. في يوليو 2014، وقعت الفصائل التي كانت منضوية في تحالف سيليكا وممثلون عن أنتي بالاكا اتفاق وقف إطلاق النار، ولكن لم يكتمل. ومع أواخر العام 2014، قُسّمت البلاد بحكم الأمر الواقع بسيطرة ميليشيات أنتي بالاكا على أجزاء الجنوب والغرب حيث أُجلي معظم المسلمين منها، وسيطرة مجموعات تحالف سيليكا السابق على الشمال والشرق.
ترشح فوستان أرشانج تواديرا في انتخابات العام 2020 وفاز فيها، وكان قد انتُخب رئيسًا في العام 2016. دفع ذلك كبرى فصائل المتمردين إلى تشكيل تحالف عارض الانتخابات يُدعى تحالف الوطنيين من أجل التغيير، ونظّمه الرئيس السابق بوزيزيه.
ويعود الجزء الرئيسي من التوتر إلى اختلاف الهوية الدينية بين مقاتلي سيليكا المسلمين ومسيحيي أنتي بالاكا، والاختلافات الإثنية بين فصائل تحالف سيليكا، بالإضافة إلى العداء التاريخي بين المزارعين الذين يشكلون السواد الأعظم من ميليشيات أنتي بالاكا، والجماعات البدوية التي ينتسب إليها معظم مقاتلي سيليكا. كما تشمل بعض العوامل المسببة للصراع النزاع على السيطرة على الألماس وغيرها من الموارد في دولة تزخر بالموارد، وعلى النفوذ بين القوى الإقليمية مثل تشاد والسودان ورواندا، والقوى الدولية كفرنسا وروسيا. نزح أكثر من 1.1 مليون شخص مخلفين منازلهم وراءهم في بلد يبلغ تعداد سكانه 5 ملايين نسمة تقريبًا، وهو أعلى معدل نزوح سُجّل في البلاد.

ثالثًا: مآلات الصراع
في الواقع فإن جمهورية إفريقيا الوسطى تعاني من وضع مذري للغاية، فالجماعات المسلحة تسيطر على 70% من أراضي الدولة، ما جعل مؤشر الدول الهشة يضعها في مصاف الدول الهشة. وما يزيد الأمور تعقيدًا أن المبادرات واتفاقيات السلام لم تنجح. فعلى الرغم من الهدوء النسبي الذي تمتعت به أفريقيا الوسطى في 2015–2016، إلا أنه سرعان ما دخلت البلاد حالة من الصراع العنيف في أواخر 2016، ما زالت مستمرة. حيث وقع رئيس جمهورية إفريقيا الوسطى "فوستين أرشانج تواديرا" اتفاقية الخرطوم عام 2019 مع 14 فصيلاً مسلحًا يسيطرون على حوالي 70 إلى 80% من البلاد.

وما يزيد الأمور تعقيدًا هو امتداد هذا الصراع إقليميًا، خاصة مع توارد معلومات تفيد بدور إفريقيا الوسطى في دعم التمرد في السودان، أو تحول إفريقيا الوسطى لقاعدة للمتمردين في الدول التي تشترك معها في حدود جغرافية أخرى. كما أن التدخل الروسي لدعم الدولة ضد الحركات المتمردة يزيد الأمور اشتعالًا، ويؤجج المشاعر الدينية، خاصة وأن التدخل الروسي له تداعيات أبرزها ارتكاب جرائم ضد المدنيين، فضلًا عن استغلال ثروات البلاد من الماس والذهب واليورانيوم.
ختامًا:
تبدو الأمور أكثر تعقيدًا، فما لم تتوافر إرادة سياسية لتسوية الصراع بين الدولة من جهة والجماعات المسلحة، وبين الجماعات المسلحة بعضها مع بعض من جهة أخرى، فلا يمكن أن نجد نهاية لدائرة الصراع، ونصبح في دائرة مغلقة. فمن صراعات على السلطة بين النظم الحاكمة والجماعات المسلحة، والصراع على الموارد بين الدولة والجماعات المسلحة، بعضها وبعض، لا يمكن للأوضاع أن تستقر، خاصة إذا اتسعت دائرة المستفيدين من الصراع.



