تقدير موقف| جرائم فاجنر في مالي: هل تسببت في اختطاف المصريين؟
أصدرت وزارة الخارجية المصرية بيانًا توضّح فيه ملابسات حادث اختطاف ثلاثة مصريين في مالي، وعلى الرغم من البيان المقتضب، فإن التكهنات تصاعدت حول أسباب اختطاف المصريين، والذين بحسب تقرير لأحد الصحفيين الذي تواصل مع أحد أقارب المخطوفين، تم اختطافهم في حادثتين مفصليتين، وأن الاختطاف تم على أساس اللون والجنسية، وأنه يمكن الإفراج عنهم في القريب العاجل. ويبحث التحليل في أسباب الاختطاف على أساس اللون والجنسية، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: الاختطاف مقابل الفدية وعلى أساس اللون
يعتبر الاختطاف مقابل دفع فدية تكتيكًا تعتمد عليه الجماعات الإرهابية وتنظيمات الجريمة المنظمة لتوفير التمويل اللازم، لكن اللافت في اختطاف المصريين هو تصريحات أحد أقارب المختطفين بأن الاختطاف تم على أساس اللون والجنسية. بحسب المصدر، فإن الخاطفين قد شكّوا في جنسيته واعتبروه "روسيًا" بسبب لونه، حيث أفاد المصدر بأن الخاطفين فشلوا في تحديد هويته الحقيقية لأنهم غير متعلمين، كما أفاد أنه يمكن إطلاق سراحهم بعد التأكد من جنسيتهم المصرية. ويتفق هذا التوصيف مع بيان وزارة الخارجية المصرية، والتي أكدت على ضرورة وجود الأوراق الثبوتية الشخصية، كما أن هذا الوضع يبرر تحذير السفارات الغربية لمواطنيها من السفر إلى مالي بسبب جرائم الخطف التي تمت على أساس اللون والهوية. والسؤال المطروح: لماذا تستهدف الجماعات المسلحة والإرهابية "الروس"؟

ثانيًا: الدعم الروسي يفسر استهداف عمليات الاختطاف على أساس اللون والهوية
بعد الانقلاب في مالي ووصول "عاصمي جويتا" إلى السلطة، غيرت دول الساحل توجهها وسعت لمواجهة النفوذ الغربي الفرنسي، لتوجّه دفتها شرقًا إلى روسيا، وهو النفوذ الذي لطالما سعت له موسكو في تنافسها مع الغرب على رقعة الشطرنج. وبالفعل انسحبت القوات الفرنسية "برخان" وتبعها القوات الأممية والقوات الأمريكية من مالي، بل من النيجر وبوركينافاسو، وقد ملأت روسيا الفراغ عبر الشركة الروسية "فاجنر"، وبالتحديد في ديسمبر 2021، والتي تم استبدالها فيما بعد بقوات "الفيلق الإفريقي". وقد وفّرت "فاجنر" الدعم الاستخباراتي والفني واللوجيستي لقوات الجيش المالي، كما وفّرت دعمًا قتاليًا وشاركت في عمليات مكافحة الإرهاب، ما قد ورّطها في جرائم انتهكت حقوق الإنسان، وهو ما وثّقته المنظمات الأممية والدولية.
ثالثًا: جرائم فاجنر الروسية في مالي
تورطت "فاجنر" في جرائم تنتهك حقوق المدنيين شملت الإعدامات والقتل العشوائي، والاحتجاز السري والتعذيب، واستهداف جماعات إثنية محددة مثل "الفولاني" التي تعتبرها مؤيدة للتنظيمات الإرهابية، ونهب وإتلاف الممتلكات. فعلى سبيل المثال، مجزرة مورا في مارس 2022، وتقع القرية في وسط مالي، وقد وثقت المنظمات الأممية الجرائم واعتبرتها أسوأ مجزرة بحق المدنيين. كما تم توثيق استبدال مواقع بعثة الأمم المتحدة السابقة (MINUSMA) واعتبارها مراكز احتجاز قسري وتعذيب، وتم توثيق جرائم بحق إثنيات معينة مثل "الفولاني" و"الطوارق"، واعتبار قرى بأكملها مؤيدة للإرهابيين، مما شرّع استهدافها. وقد وثقت منظمة الأمم المتحدة هذه الجرائم، إذ بحسب الأخيرة، أن الجيش ومجموعة "فاجنر" قد أعدما ما لا يقل عن 12 رجلاً من الفولاني وأخفوا قسريًا ما لا يقل عن 81 آخرين منذ يناير الماضي، في سياق عمليات مكافحة التمرد في عدة مناطق من البلاد ضد جماعة نصرة الإسلام والمسلمين (JNIM) المرتبطة بتنظيم القاعدة.

رابعًا: الثأر والانتقام والجهل يتسببون في اختطاف البيض
وبناء عليه، يمكن تفسير اختطاف المصريين الثلاثة بأنه محاولة من مقاتلي "نصرة الإسلام والمسلمين"، وخاصة فصيل "جبهة تحرير ماسينا"، والتي تعتمد في تجنيدها على إثنية "الفولاني" في تكوينها، للانتقام والثأر من الروس، وخاصة وأن المصريين ذوو بشرية ملونة أو بيضاء بالنسبة للسياق المالي الإفريقي. وعلى جانب آخر، يمكن إرجاع عدم تأكد الخاطفين من هوية المصريين إلى جهل هؤلاء المقاتلين، والذين هم رعاة صحراء بطبيعة التكوين المجتمعي في مالي، وبالتالي قد يكون من المحتمل أن الانتقام والثأر والجهل ساهم في اختطاف مصريين أبرياء.
خامسًا: السياق السياسي المحلي في مالي وتأثير الانقلابات
شهدت مالي منذ عام 2012 سلسلة من الانقلابات العسكرية التي أضعفت الدولة ومؤسساتها، وأدت إلى فراغ أمني سمح للجماعات الإرهابية المسلحة بالتمدد. وقد لعب المجلس العسكري الحاكم دورًا في تشجيع النفوذ الروسي على حساب النفوذ الغربي، ما عزّز من وجود قوات فاجنر وشرعنة تدخلها تحت مسمى مكافحة الإرهاب، في حين أصبح المدنيون عرضة للانتهاكات المتكررة.

سادسًا: التأثير الإقليمي والتحولات في الساحل الإفريقي
تؤثر الأحداث في مالي على دول الساحل والصحراء، بما فيها النيجر وبوركينافاسو، حيث تسعى الجماعات الإرهابية إلى استغلال الفراغ الأمني والاحتجاجات الشعبية لتوسيع مناطق نفوذها. وهذا التوسع الإقليمي يرفع احتمالية وقوع حوادث مشابهة، بما في ذلك اختطاف أجانب على أساس اللون أو الجنسية، لتوجيه رسائل سياسية أو مالية.
سابعًا: دور المجتمع الدولي والمنظمات الأممية
على الرغم من توثيق الانتهاكات من قبل الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، فإن غياب التدخل الفعّال يضاعف من قدرة الجماعات المسلحة على ارتكاب الجرائم دون محاسبة. كما أن انسحاب القوات الغربية والأممية من مالي ترك فجوة كبيرة في الرقابة وحماية المدنيين، ما ساعد على تفاقم عمليات الاختطاف والعنف.
ثامنًا: الأبعاد الاجتماعية والثقافية للظاهرة
تؤثر العوامل الاجتماعية والثقافية المحلية، مثل الجهل ونقص التعليم وانتشار ثقافة الانتقام، على تصرفات الجماعات الأصولية المسلحة. فقد ساهمت هذه العوامل في عدم تمكّن خاطفي المصريين من التحقق من هويتهم الحقيقية، وبالتالي وقع الاختطاف على أساس اللون والجنسية.

تاسعًا: التداعيات على الأمن القومي المصري والدولي
يشكل اختطاف المصريين تحذيرًا للأمن القومي المصري بشأن هشاشة الأمن في مناطق النزاعات، ويستدعي تعزيز التعاون الاستخباراتي مع دول الساحل والصحراء. كما أن استمرار مثل هذه الانتهاكات قد يدفع المجتمع الدولي لإعادة النظر في استراتيجيات حماية المدنيين والتدخل لمكافحة الجماعات المسلحة.
خاتمة: ضرورة مقاربة متعددة المستويات
يمكن استنتاج أن اختطاف المصريين في مالي نتج عن تداخل عوامل عدة: النفوذ الروسي عبر فاجنر، الفراغ الأمني المحلي، الانتقام الجماعي، والعوامل الاجتماعية والثقافية. ومن أجل معالجة هذه الظاهرة، يجب على مصر والمجتمع الدولي اعتماد مقاربة شاملة تشمل الدبلوماسية، الدعم الأمني، حماية المدنيين، وتعزيز التعليم والتوعية لمواجهة التطرف والجهل.



