جماعة نصرة الإسلام والمسلمين توسع نفوذها: هل تسقط مالي في يد القاعدة؟
أن تهرب لتكتشف أنك لم تهرب حقًا، بهذا صرح أحد سكان مدينة "تمبكتو" لصحيفة "الواشنطن بوست" حينما فر منها إلى العاصمة "باماكو" قبل أن تفرض "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" الحصار عليها، وتمنع حركة الخروج والدخول إليها، وتسيطر على المدن والطرق الرئيسية معلنة الحرب على شاحنات الوقود المتوجهة إلى العاصمة، وعلى الرغم من أن "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" قد قدمت بادرة حسن نية معربة عن إمكانية دخولها في حوار مع السلطة، فإن المجلس العسكري قد رفض هذه المبادرة مفضلًا تطبيق استراتيجية الحرب الشاملة، ويناقش هذا التحليل أبرز المستجدات على المشهد السياسي في مالي، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: أين تتواجد جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"
تسيطر الجماعة على المناطق الريفية في شمال ووسط وغرب مالي، حيث تتضاءل سيطرة الحكومة، ويوجد استياء كبير من السلطات بين المجتمعات المحلية. وتعمل الجماعة على تقديم نفسها كبديل للحكومة، التي تُطلق عليها "دمى الغرب"، بهدف تجنيد مقاتلين من أقليات عرقية عديدة لطالما عانت من تهميش الحكومة المفترض لها، بما في ذلك جماعات "الطوارق" و"العرب" و"الفولاني" و"السونغاي". ويشير الباحثون إلى أن الجماعة تضم أيضًا بعض الأعضاء من جماعة "البامبارا" التي تُشكّل الأغلبية.
في وسط مالي، سيطرت الجماعة على بلدة "ليري" ثم على بلدة "فارابوغو" القريبة من غابة "واغادو"، وهي مخبأ معروف للجماعة، وغالبًا ما تُحاصر المدن أو البلدات الرئيسية بتدمير الطرق والجسور المؤدية إليها. وحاليًا، تُعزل مدينتا "نيورو" الغربية و"كايس" الغنية بالذهب. كما تُحاصر الجماعة مدينتي "تمبكتو" و"غاو" الرئيسيتين، بالإضافة إلى مدينتي "ميناكا" و"بوني" الواقعتين في الشمال والشمال الشرقي. وقد فرضت الجماعة حصارًا على دخول شاحنات الوقود ردًا على قرار الحكومة المالية بحظر دخول شاحنات الوقود إلى القرى والبلدات التي تسيطر عليها الجماعة.
ثانيًا: تكثيف عمليات الاختطاف مقابل الفدية
تسعى الجماعة إلى استخدام تكتيك "الاختطاف مقابل الفدية"، وهو التكتيك المتبع الذي اعتمد عليه بشكل أساسي تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي" والتنظيمات التابعة له مثل "المرابطون"، وعلى أي حال يعتبر التكتيك مصدرًا مهمًا للتمويل وتحقيق الثراء. وقد مارست الجماعة الاختطاف مقابل الفدية ضد الغربيين وعمال الإغاثة الإنسانية والعاملين الأجانب بجنسياتهم المختلفة، وقد تم الإعلان عن استهداف شخصيات من جنسيات مختلفة مثل الصينيين والكنديين، وقد أعلنت الجماعة أنها اختطفت 3 مصريين مقابل فدية قدرها 5 ملايين دولار، وقد تواصل وزير الخارجية بدر عبد العاطي، مع نظيره المالي لبحث الجهود لإيجاد سبيل لحل الأزمة.
وفي سياق تحليل أسباب الاختطاف، تتجه الأرد البحثية إلى أن اختيار المصريين ربما يكون ردًا على الموقف المصري الداعم للنظام الحاكم في مالي، كما أن مصر شاركت في جهود مكافحة الإرهاب وذلك عبر توفير التدريب في مركز الساحل والصحراء لمكافحة الإرهاب، كما أن هناك تعاونًا اقتصاديًا بين البلدين، أي أن الغرض من الاختطاف هو التمويل وإرسال رسالة للداعمين للنظام السياسي في مالي بأنهم في مرمى الاستهداف.

الواقع أيضًا أنه تم اختطاف أشخاص من جنسيات خليجية وإيرانية، ولكن تم التفاوض لاحقًا، وبالتالي فاستخدام الخطف جزء من استراتيجية أوسع تستهدف الاستقرار واللوجستيات في مالي.
ثالثًا: أحدث تطورات الأوضاع في مالي
وفقًا لبعض المحللين، فإن الجماعة قد قدمت بادرة حسن نية حيث سمحت لبعض الشاحنات بالمرور داخل باماكو، وقد قُدر عددها بما بين 200 و600 شاحنة، وأنها قد وجهت للنظام السياسي دعوة لفتح حوار معها، لكن النظام فضل المضي قدمًا في الحرب الشاملة ضد الجماعة.

ووفقًا لتقرير "الواشنطن بوست"، فقد قال محلل مالي، طلب عدم الكشف عن هويته خشية انتقام الدولة، إن الحكومة تواجه معضلةً متفاقمة، وأضاف أن خيارات المسؤولين محدودة باستثناء التفاوض، لكنه أعرب عن قلقه من أن المفاوضات ستجعلهم يبدون أكثر ضعفًا.
ومنذ تشديد الحصار على العاصمة، فقد تردد أن الحكومة قد عدلت من موقفها وسمحت بإجراء بعض المفاوضات بواسطة زعماء محليين في عدة بلدات في مناطق سيغو وموبتي وتمبكتو، حيث وافقت الجماعة على إنهاء حصارها مقابل موافقة المجتمعات المحلية على قواعد "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"، ودفع الزكاة، وهنا يمكن الإشارة إلى سماح الجماعة بمرور بعض الشاحنات. لكن السؤال المطروح: هل تسعى الجماعة لدخول العاصمة وتولي الحكم؟ وإذا كان هذا هو هدفهم فعلًا، فلماذا لم يقدموا على الدخول ويكتفوا بالحصار؟

رابعًا: هل يمكن أن تسقط العاصمة "باماكو"؟
في الواقع، تذهب تقديرات المحللين إلى أن الهدف الأساسي للجماعة هو تقاسم السلطة وليس السيطرة الكاملة والوصول للحكم، أي الدخول في تفاوض مع الحكومة والوصول لصيغة تشارك فيها الجماعة في الحكم. هنا يمكن تسليط الضوء على "الشرعية" التي تبحث عنها الجماعة، خاصة وأنها فعليًا تسيطر على قرى وبلدات ومناطق كبيرة.
ويذهب بعض المحللين إلى القول بأن الجماعة نفسها منقسمة على نفسها، فهي أساسًا تحالف يضم 4 جبهات، كما أن الاختلافات بينهم يمكن أن تؤثر على تماسكها واستدامتها، إذ حدث هذا فلن نكون أمام سيناريو أفغانستان (حركة تحكم دولة)، بل أمام جماعات تسيطر على مناطق.
كما أن الخوف من تأثير الدومينو – انتقال النموذج – إلى باقي دول الساحل، يجعل دول الجوار في مأزق حقيقي ويدفع هذه الدول لتدارك الأمر والتحرك ضد تنفيذ هذا السيناريو. وهنا يمكن الإشارة إلى تكثيف الزيارات والاجتماعات بين تحالف دول الساحل لمواجهة تهديدات الإرهاب التي تهدد سيادة دولهم.

وتذهب بعض التحليلات الأخرى في تفسير الموقف المتهاون من المؤسسة العسكرية، إذ أوضحت أن الجيش منقسم على نفسه، فهناك من يؤيد "عاصمي جويتا" ومنهم من يؤيد قادة عسكريين آخرين، أضف إلى ذلك تراجع الدعم الروسي مؤخرًا بسبب الخسائر التي وقعت في صفوف قوات الفيلق الإفريقي.
وهنا يوضح المختصون أن "عاصمي جويتا" يلعب على كل الأطراف، فمن ناحية هو حليف للروس، ولكنه أيضًا يتعاون مع الولايات المتحدة في مكافحة الإرهاب، وربما يحاول أن يحظى بدعمهما معًا، لكن النتيجة لن تكون في صالحه، خاصة وأن البعض يردد أن استمرار الحكومة في نهجها يمكن أن يحفز قيام انقلاب جديد يحاول أن يعيد الاستقرار ويفتح قنوات تفاوض مرة أخرى مع الجماعة المتمردة – على غرار الرئيس أبو بكر كيتا – وربما تحقيق التوازن في العلاقات بين الروسي والأمريكي.
ختامًا:
إن سيناريو سقوط العاصمة لا يمكن أن يتحقق بالشكل الدراماتيكي مثل السيناريو السوري أو الأفغاني، ذلك لأن استراتيجية الجماعة الدفاعية تفضّل العمل في مناطق الصحارى والجبال والأرياف حيث الملاذات الآمنة، وأن هدفها هو تقاسم السلطة وليس السيطرة عليها.

هذا فضلًا عن الاختلافات الإثنية والتعدد داخل الجماعة نفسها، فضلا عن الرفض المجتمعي في حالة دخولها للعاصمة، وربما نشهد دعمًا من تحالف دول الساحل، أو ترضخ الحكومة وتفتح قنوات تفاوضية. والأكيد أن سيناريو سقوط العاصمة في أيدي تنظيم "القاعدة" هو أسوأ ما يمكن أن يحدث.



