تمهيد دولي لصعود الجهاديين سياسيًا: مالي على خطى أفغانستان وسوريا
باتت الدوائر السياسية والاستخباراتية الغربية لا تتحرج من صعود التيارات الأصولية الإسلامية إلى سدة الحكم في بلادها ما دام هناك تعاون مشترك بين الجانبين يضمن على الأقل مصالح الدول الكبرى، فضلًا عن ترويض تلك التيارات وعدم تجاوز عملياتها ونشاطها الفكري خارج حدود الدول التي تسيطر عليها، أي ألا تسعى لتصدير رؤيتها وأفكارها خارج نطاق سيطرتها.
بدأت تلك العملية أولًا في أفغانستان التي شهدت تعاونًا أمنيًا بين الولايات المتحدة وإمارة طالبان الإسلامية، وأسفر هذا التعاون عن توقيع اتفاق الدوحة 2020 بمقتضاه انسحبت الولايات المتحدة عسكريًا من أفغانستان وتبع ذلك انهيار نظام الحكم الذي أسسته في بداية الألفية الجديدة وترك مسألة حكم البلاد إلى تنظيم طالبان، حيث تولّى هبة الله آخند زاده، إمارة أفغانستان.

شكلت تجربة أفغانستان تجربة فريدة من نوعها للغاية؛ فبعد أكثر من خمس سنوات على التوقيع على اتفاقية الدوحة، لم تسعَ طالبان إلى تصدير أفكارها ورؤيتها خارج جبال أفغانستان، ممّا أدى إلى تقبّل الرأي العام العالمي مسألة تولّي جهاديين سابقين السلطة السياسية في بلادهم. بالإضافة إلى ذلك، سعت طالبان إلى تجميد نشاط تنظيم القاعدة في بلادها، خاصة بعد مقتل أيمن الظواهري، أمير التنظيم في غارة جوية أمريكية استهدفت منزله.
تقبّل الدوائر السياسية الغربية لمسألة تولّي جهاديين سابقين إدارة بلادهم أتاح الفرصة لتكرار التجربة مرة أخرى، ما دامت هذه العناصر الأصولية لا تسعى لنشر توجهاتها الفكرية خارج نطاق دولهم من ناحية، والحفاظ على مصالح الدول الغربية من ناحية أخرى. وعليه تم تكرار تجربة طالبان الأفغانية مرة أخرى في سوريا.

فعلى نار هادئة وبدعم عالٍ ورعاية فائقة من المخابرات التركية والقطرية، تم إعداد هيئة تحرير الشام، لتكون موازية لحركة "طالبان" في سوريا. فالهيئة في السابق ومؤسسها أبو محمد الجولاني، كان يتبعان فكريًا وتنظيميًا تنظيم القاعدة في أفغانستان، وجرى فك الارتباط بين الهيئة والقاعدة في مطلع عام 2017 لتكون الهيئة أكثر حرية في التحرك سياسيًا في الداخل السوري، وإعطاء الفرصة للمجتمع الدولي لتقبّل هيئة تحرير الشام كبديل لحزب البعث العربي الاشتراكي.
وإزاء الهزائم المتتالية التي مُني بها "حزب الله" في سبتمبر 2024 ورغبة الولايات المتحدة وإسرائيل في إنهاء حزب الله وحلفائه من الخريطة السياسية في الشرق الأوسط، أُعطي الضوء الأخضر لمقاتلي "هيئة تحرير الشام" للتقدم من إدلب شمالي سوريا نحو الجنوب باتجاه العاصمة دمشق، والذين لم يستغرقوا سوى أقل من أسبوعين للاستيلاء على نظام الحكم في البلاد.

فور تولّي الهيئة وزعيمها، الذي أُلغي كنيته الجهادية وعاد إلى مسماه القديم "أحمد الشرع"، أعلن عن استعداده للانخراط في المجتمع الدولي وحماية مصالح الدول الكبرى، وشرع في دخول مفاوضات أمنية مع الجانب الإسرائيلي، وبات حاليًا على وشك التوقيع على اتفاقية أمنية مع تل أبيب برعاية أمريكية.
ومثلما ساهمت واشنطن في تقبّل مسألة تولّي طالبان الحكم في أفغانستان، عبّدت الطريق أيضًا أمام تقبّل المجتمع الدولي لتولّي أحمد الشرع رئاسة سوريا؛ ففي مايو 2025 وخلال زيارته للسعودية التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بالرئيس السوري أحمد الشرع، وفي 6 نوفمبر الماضي رفعت واشنطن اسم الشرع ووزير الداخلية السوري أنس الخطاب من قوائم الأفراد والتنظيمات الإرهابية، ما سمح له بزيارة واشنطن في 10 نوفمبر الماضي ولقائه بالرئيس ترامب في المكتب البيضاوي.
التجربة الثالثة على الطريق
يبدو أن التجربة الثالثة باتت على وشك الحدوث، وتلك المرة في إفريقيا، حيث دولة مالي — الدولة الأهم والأبرز في منطقة الساحل والصحراء — التي تموج بالعديد من الأحداث السياسية والتدخلات والانقلابات العسكرية المتتالية منذ عام 2012.
في بداية عام 2012 وتحت وطأة أحداث الربيع العربي وانهيار نظام الحكم في ليبيا، وجدت جماعات الأزواد في شمال مالي الفرصة سانحة من أجل إقامة دولة الأزواد، وباتت حركة "تحرير الأزواد" وقتها أقرب ما تكون إلى تحقيق أهدافها إذ لم يفرقها عن احتلال العاصمة باماكو سوى تدخل القوات الفرنسية في عملية سيرفال.
تحركات ميدانية جديدة
منذ بدء العمليات العسكرية الفرنسية في عام 2013 وحتى سحب فرنسا جميع عناصرها وقواتها في عام 2022، انخرطت الجماعات المصنفة إرهابيًا في تنفيذ عمليات إرهابية قائمة على الخطف وطلب الفديات ومهاجمة المعسكرات ونصب الكمائن الأمنية للقوات الحكومية أو الفرنسية، بمعنى أدق عمليات استنزاف سريعة دون تحقيق تمركزات أرضية.
في 17 سبتمبر 2024 بدأت جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" بقيادة إياد أغ غالي في تغيير تكتيكاتها العسكرية ومهاجمة المدن؛ إذ اقتحم مسلحو الحركة قاعدة عسكرية داخل العاصمة باماكو مما أدى إلى مقتل 77 شخصًا، فضلًا عن إشعال النار في الطائرة الرئاسية.

مؤخرًا في نوفمبر 2025 تغيّرت تكتيكات جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" إذ بدأت في فرض حصار خانق حول العاصمة باماكو؛ الهدف منه ليس السلب والنهب بل إسقاط النظام العسكري الحاكم. إذ بدأت الحركة في مهاجمة ناقلات الوقود خاصة في جنوب البلاد، مما أدى إلى فرض حصار اقتصادي خانق على سكان العاصمة (حوالي 3 ملايين نسمة)، الأمر الذي دفع الحكومة إلى قطع الكهرباء وتوقّف سيارات الخدمة العامة مثل المطافي والإسعاف وسيارات وعربات الجيش والشرطة عن العمل.

بالإضافة إلى باماكو، استهدفت جبهة "تحرير ماسينا" مدينتي "كايس" و"نينورو" الواقعتين غرب البلاد؛ إذ تُعد كايس مدينة عبور لشاحنات النفط من السنغال وكوت ديفوار وغينيا وموريتانيا، كما أنها أكبر مدينة لإنتاج الذهب في البلاد، أمّا "نينورو" فتحمل دلالة رمزية للنظام السياسي في مالي فهي مهد الصوفية في البلاد ومنها انطلقت الطريقة التيجانية.
بجانب حصار باماكو وكايس، نجحت الجماعات في استعادة السيطرة على مدينة "فارابوكو" بوسط البلاد، والتي تعد من أهم معاقل جبهة "تحرير ماسينا" بقيادة "أمادو كوفا"، أحد أبرز قيادات جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين"، وذلك بعد أن استولى عليها الجيش في عام 2020. وتعد المدينة مركز الربط بين العديد من مدن شمال وجنوب البلاد، وكان يستخدمها الجيش في مراقبة تحركات الجماعات الجهادية.

عوامل التحول الميداني
التحولات الميدانية المتسارعة في مالي حديثًا كانت بسبب العديد من العوامل السياسية، أبرزها:
أ- الانقلاب العسكري:
شهدت مالي انقلابًا عسكريًا في أغسطس 2020 قاده العقيد آسي مي غويتا وبتحريض من رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في البلاد الشيخ "مالام ديكو"، إذ تم الإطاحة بالرئيس أبوبكر كيتا وتعيين "باه نداو" رئيسًا للبلاد. ولم يقتنع غويتا بـ"نداو" فانقلب عليه هو الآخر وتولّى السلطة في مايو 2021 معلنًا نفسه رئيسًا للبلاد لمدة خمس سنوات.
ب- استجداء الدعم الروسي:
يعد آسي مي غويتا من القيادات الإفريقية الشابة التي تلقت تدريبات عسكرية في موسكو، ومنذ اليوم الأول سعت موسكو إلى دعمه عبر شركة "فاجنر" الروسية الخاصة بتجنيد المرتزقة. حاولت روسيا منذ عام 2020 إزاحة النفوذ الفرنسي في مالي واستبداله بنفوذ روسي، وهو ما عبرت عنه القيادات المالية التي باتت تنظر إلى الوجود الفرنسي على أنه احتلال جديد وينبغي تطهير البلاد منه. وطبقًا لتلك الرغبة أعلنت فرنسا عن توقف عملياتها تمامًا في مالي بحلول عام 2022 وتركت مهمة محاربة التنظيمات الإرهابية لقوات الجيش المالي رفقة قوات "فاجنر" الروسية.
في عام 2022 هلّل الكثير للخروج الفرنسي من إفريقيا ظنًا منهم أن هذا يمثل تحرّرًا جديدًا للقارة، لكن ما حدث كان مختلفًا؛ فالنفوذ الروسي لم يستطع إخفاء شهوته أمام الخيرات الأفريقية، إذ بدأت الشركات الروسية دون تمهيد في استغلال الثروات الإفريقية، ودخلت قوات "فاجنر" في حالة عداء واضح مع المجتمعات المحلية، الأمر الذي أكسبها — وأكسب السلطات الجديدة في باماكو — سخطًا شعبيًا شديدًا.

ففي عام 2019 بلغ عدد القتلى المدنيين نتيجة عمليات الجيش نحو 84 قتيلًا، لكن في عام 2023 بلغ عدد القتلى 924، ووصل الأمر إلى 1,044 قتيلًا في عام 2024، فضلًا عن ممارسات قمعية مورست بحق وسائل الإعلام وإجبار ممثلي ومراقبي الأمم المتحدة على مغادرة البلاد.
ت- إغفال الدور الفرنسي:
حاولت العديد من الدوائر البحثية والسياسية الإفريقية إغفال أهمية الدور الفرنسي في إفريقيا والترحيب بخروجها المهين في عام 2022، وهو ما تدفع ثمنه الدول الإفريقية حاليًا. ففرنسا بمثابة الدولة التي ساهمت في تشكيل حدود الدول ونظمها السياسية وثقافتها البرجوازية، وبالتالي هي أقدر الدول على التحرك ومساعدة إفريقيا؛ وبخروجها أصبحت الأنظمة السياسية في غرب إفريقيا في مرمى مدفعية الجماعات والتنظيمات الإرهابية، وحاليًا لم تبدُ فرنسا أية فزعة لما يحدث كما حدث في عامي 2012–2013.
ث- القطيعة مع الشركاء الأمنيين:
تحت وطأة النزعة المتعالية للمجلس العسكري في مالي ورفضه التعامل مع أية قوى أوروبية أو أممية وحتى إفريقية، ضُغِط على جميع القوات الأجنبية العاملة في البلاد لمغادرتها مثل القوات الفرنسية وقوات الاتحاد الأوروبي وبعثة الأمم المتحدة (مينوسما). فضلًا عن ذلك، انسحب المجلس العسكري من تحالف القوى الخمس الإفريقية لمحاربة الإرهاب وكافة المبادرات الأمنية الإقليمية وتحالف الإيكواس، الأمر الذي أدى إلى فراغ أمني واستخباراتي عالٍ ساهم في تقدم الجماعات المتطرفة.
تداعيات التقدم الميداني
يشير انعدام الفزعة الغربية والأمريكية وأيضًا الإفريقية لما يحدث حاليًا في العاصمة "باماكو " إلى موافقة مبطّنة من تلك الدول على أحلال جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" محل المجلس العسكري القائم في البلاد. وقد يكون هذا الاختيار مبررًا للعديد من الأسباب:
أ- التمثيل الإثني والعرقي:
تمثّل الجبهة العديد من الجماعات الإثنية والعرقية في البلاد؛ إذ تضم الأزواد التي ينتمي إليها قائد الجبهة إياد أغ غالي، وتضم أيضًا جماعة الفولاني المنتشرة في غرب البلاد ومنها جبهة "تحرير ماسينا". هذه الفسيفساء الإثنية قد تكون دافعًا وعنصر قوة لصالحها، إذ قد تُقبل دول غربية بتولّيها إدارة البلاد حفاظًا على استقرار مصالحها.

ب- تحجيم الدور الروسي في المنطقة:
منذ 2013 بدأت روسيا في الانتشار في إفريقيا الوسطى ودول الساحل والصحراء مزيحة النفوذ الأمريكي والفرنسي من طريقٍ آخر؛ لذا قد تشكل الأحداث الحالية في باماكو بمثابة عقابٍ غربي للأنظمة المارقة على سياساتها، وقد تكون رسالة شديدة اللهجة إلى أنظمة أفريقية أخرى في بوركينا فاسو والنيجر من احتمال تعرضها لمصير مشابه لما تمرّ به مالي حاليًا.
ت- تراجع نفوذ داعش في المنطقة:
التراجع الشديد لنفوذ "داعش" في المنطقة، خاصة بعد مقتل زعيمه أبو الوليد الصحراوي في أغسطس 2021 ومساهمات عناصر محلية في محاربته، قد يدفع الدول الغربية إلى تكرار تجربة "هيئة تحرير الشام" في مالي عن طريق تمكين جماعة "نصرة الإسلام والمسلمين" كقوة تنظيمية قادرة على ملء فراغ السلطة.



