رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

الشركات الاستخباراتية الخاصة.. الذراع الخفي للموساد والشاباك

المخابرات الإسرائيليىة
المخابرات الإسرائيليىة - تعبيرية

تمكنت إسرائيل خلال حربها الأخيرة "عملية السيوف الحديدية" من تحقيق العديد من الإنجازات على المستوى الاستخباراتي، فعلى سبيل المثال تمكنت من استهداف الصف الأول من قيادة حركة حماس مثل أمينها العام إسماعيل هنية في طهران، وأمينها اللاحق يحيى السنوار، وقائد جناحها العسكري محمد الضيف، وغيرهم من قيادات الصف الأول في الحركة.

بلغ نجاح الاستخبارات الإسرائيلية ذروته عندما تمكنت من اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، في الضاحية الجنوبية بلبنان، وسبق ذلك عملية استهداف أجهزة النداء الآلي "البيجر"، وتلك العملية الأخيرة لفتت الانتباه إلى مدى قدرة أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية على تدمير خصومها، ففي ثوانٍ معدودات تم استهداف الآلاف من منتسبي حزب الله عبر تفجير أجهزة النداء الآلي الخاصة بهم.

نتنياهو وديفيد برنيغ مدير جهاز الموساد الإسرائيلي
نتنياهو وديفيد برنيغ مدير جهاز الموساد الإسرائيلي

وخلال حرب الاثني عشر يومًا (يونيو 2025) بين إسرائيل وإيران تمكنت تل أبيب بدقة من تحديد أماكن تواجد العشرات من القيادات العسكرية الإيرانية وكذلك العلماء المسؤولين عن البرنامج النووي الإيراني.

النجاح الاستخباراتي الإسرائيلي خلال الحرب الأخيرة أُدير بواسطة شبكة معقدة من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية المعروفة مثل الموساد والشاباك وأمان، والعديد من شركات الاستخبارات الإسرائيلية الخاصة التي برز دورها خلال العقدين الماضيين، وبات لها دور ملموس ومحسوس في السياسات الأمنية الإسرائيلية سواء الداخلية أو الخارجية.

لم تكتف إسرائيل بإنشاء شركات الاستخبارات الخاصة لتحقيق خدمات وأغراض خاصة بها مثل جمع المعلومات الاستخبارية حول الكيانات والتنظيمات المعادية لإسرائيل، بل عمدت أيضًا إلى تصدير خدماتها الاستخباراتية للعديد من دول العالم، خاصة في شرق أوروبا وإفريقيا.

وتنوعت تلك الخدمات الاستخبارية من التجسس على المعارضين السياسيين وجمع المعلومات عنهم إلى التدخل في سياقات الانتخابات في العديد من الدول، وأخيرًا تدريب أجهزة استخبارات في دول أخرى وتشكيل ميليشيات وقوات خاصة تتولى مهام محددة في تلك الدول، وغالبًا ما تكون تلك القوات متعلقة بفرق الحراسة الخاصة بالقادة ورؤساء الدول التي تواجه اضطرابات داخلية.

المخابرات الإسرائيلية - أرشيفية 
المخابرات الإسرائيلية - أرشيفية 

نشأة شركات الاستخبارات الإسرائيلية

ليس المعروف والواضح أولى الشركات الاستخبارية الخاصة، فالبعض يرجع التجربة الإسرائيلية في هذا الاتجاه إلى نشأة ما يسمى شركة "هاشميرا" في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية.

وتعد هاشميرا فرقة أمنية تشكلت في بادئ الأمر لتتولى مسؤولية الأمن في المستوطنات "الكيبوتسات" في فلسطين إبان الانتداب البريطاني، وسرعان ما تحولت هاشميرا إلى فرق العصابات الصهيونية المعروفة تاريخيًا مثل الأرجون والشتيرن والهاجاناه.

دوافع الاعتماد على شركات الاستخبارات الخاصة

شركات الاستخبارات الخاصة بمثابة الكائن الخفي القادر على التحرك بأقل الإمكانيات المتاحة، والقادر على تنفيذ المهام الموكلة إليه دون تحقيق إزعاج أو إحراج للطرف المستفيد من عملياته، لذا تبرز أهمية شركات الاستخبارات الخاصة في النقاط التالية:

خفض النفقات: 

غالبًا ما يكون لشركات الاستخبارات الخاصة أنشطة تجارية أخرى تستخدم للتغطية على أعمالها الأساسية من ناحية، وتوفير الدعم المالي لعملياتها من جانب آخر.

تقليل الخسائر البشرية: 

تعتمد شركات الاستخبارات والأمن الخاص على عناصر المرتزقة أو من يقدمون خدماتهم بمقابل مادي، وبالتالي لا تهتم تلك الشركات بالخسائر البشرية كثيرًا، عكس الجيوش الوطنية والاستخبارات الحكومية.

تجنب الإحراج السياسي:

 تسعى تلك الشركات للقيام بالمهام بالوكالة عن بعض الدول لتجنب الإحراج السياسي أمام المجتمع الدولي من ناحية، والتهرب من المسؤولية القانونية من جانب آخر، فخلال عمليات تلك الشركات لا تتصدر الحكومات الصورة، وبالتالي ينتفي عنها المساءلة السياسية والقانونية.

تعزيز المناعة الأمنية:

 شكل الهاجس الأمني الإسرائيلي وبناء مدن ذات مناعة أمنية رغم وجودها في بيئة مضطربة هدفًا أساسيًا للشركات الأمنية والاستخباراتية الإسرائيلية. وفي هذا الاتجاه برزت شركة "مير سيكيورتي" التي قدمت في عام 1999 مشروعها الأضخم "نموذج المدينة الآمنة"، وذلك عبر تركيب ألف كاميرا مراقبة في جميع ضواحي البلدة القديمة بمدينة القدس، ومنذ ذلك الحين بات نموذج المدينة الآمنة بغية الحكومات ومجالس إدارات المدن على مستوى العالم.

المخابرات الإسرائيلية - أرشيفية 
المخابرات الإسرائيلية - أرشيفية 

تجنيد المرتزقة:

 لتعويض النقص العددي في الجيش الإسرائيلي لجأت وزارة الدفاع إلى التعاقد مع شركات الاستخبارات لأجل تشكيل مفارز مقاتلة كان هدفها في الأساس تحقيق التقدم الميداني على الأرض والقيام بدور قوات المشاة في تمشيط المناطق المشبوهة قبل دخول المدرعات والآليات التي تحوي الجنود الإسرائيليين. في هذا الصدد أشارت إذاعة الجيش الإسرائيلي إلى أنه تم تجنيد عشرات الآلاف من المهاجرين الروس، فيما أشارت تقارير صحيفة "غلوبس" الإسرائيلية إلى أن جيش الاحتلال استعان بالعديد من المرتزقة الذين قاتلوا في الحرب الروسية الأوكرانية.

المساعدة في العمليات اللوجستية:

 حينما همّت الولايات المتحدة إبان حرب غزة الأخيرة ببناء رصيف بحري قبالة سواحل غزة، اقترحت إسرائيل وقتها التعاقد مع شركات خاصة تعمل على تأمين الرصيف وتأمين وصول المساعدات الإنسانية وإدارة توزيعها.

إدارة المعابر الحدودية:

 نشطت الشركات في تأمين المعابر الحدودية الواقعة على جدار الفصل العنصري وتزويد الجدار بالكاميرات المناسبة وأجهزة الرقابة الإلكترونية. وجدير بالذكر أن الحكومة الإسرائيلية خصخصت نقاط العبور بالجدار منذ عام 2005.

المخابرات الإسرائيلية - أرشيفية 
المخابرات الإسرائيلية - أرشيفية 

أبرز الشركات الإسرائيلية

مجال شركات الاستخبارات الإسرائيلية واسع المدى، ويمكن تقسيمها فعليًا إلى نطاقين: أحدهما خاص بشركات الاستخبارات الداخلية التابعة بشكل أساسي لجهاز الأمن الداخلي "الشاباك"، والآخر شركات خارجية تمارس أدوارًا متنوعة خارج إسرائيل بعيدة عن سلك التأمينات وتوفير المعدات والأجهزة الأمنية، وهو ما يتضح في التفاصيل التالية:

أولًا: شركات تعمل في النطاق الداخلي

تقوم تلك الشركات بمساعدة الأجهزة الأمنية في أداء مهامها عبر توفير الخدمات اللوجستية للأجهزة المختلفة، ومنها على سبيل المثال:

• شركة شيلغ لافان: تتولى تشغيل المعابر الحدودية بالضفة الغربية مثل حاجز ترقوميا وميتار في مدينة الخليل، ومعبر إلياهو جنوب قلقيلية عبر توفير الحراس والمفتشين.

• شركة موديعين إزراحي: شركة معنية بتجنيد قدامى المقاتلين وإعادة توظيفهم في مهمات الحراسة والأمن، وتنشط بصورة أساسية في مستوطنات القدس الشرقية، ومسؤولة عن حماية يائير نتنياهو نجل رئيس الوزراء، وتخضع مباشرة للشاباك ووحدة «مغين» المسؤولة عن الحراسة في ديوان رئيس الوزراء.

• شركة جي ون: تتولى مسؤولية أمن الحواجز وتزويدها بالرادارات، وتعمل على مشروع المدينة الآمنة.

• شركة تي أند إم للأمن والحماية: تتكون من عدة شركات صغرى تهدف إلى تعزيز الأنظمة التكنولوجية في المراقبة والأمن وإنتاج كاميرات مراقبة عالية الجودة.

• شركة موكيد ماتارا: تشرف على تأمين المواقع ذات الأهمية.

• شركة أفيدار سيكيورتي: شركة متخصصة في صيانة أجهزة المراقبة.

• شركة ريشف سيكيورتي: مسؤولة عن حماية القواعد العسكرية الإسرائيلية. 

ثانيًا: شركات استخبارات تعمل في النطاق الخارجي

بعكس الشركات الأمنية الاستخباراتية ذات الطابع المحلي، يبرز نوع آخر من الشركات الأمنية الإسرائيلية المسؤولة عن الاستخبارات الإلكترونية، ونجحت تلك الشركات ليس فقط في تعزيز مصفوفة الأمن القومي الإسرائيلي، بل سعت أيضًا إلى تصدير خدماتها إلى دول العالم، مثل مجموعة "إن إس أو NSO"التي تأسست عام 2010 ونجحت في تطوير برنامج "بيغاسوس" الاستخباري، والذي يتمكن من تعقب واختراق هواتف الشخصيات البارزة. وتعد شركة NSO وكيلًا استخباراتيًا مهمًا للعديد من دول العالم مثل بنما والمكسيك، التي وقعت مع الشركة في عام 2012 عقدًا بقيمة 20 مليون دولار.

المخابرات الإسرائيلية - أرشيفية 
المخابرات الإسرائيلية - أرشيفية 

إدارة الأزمات السياسية في المكسيك

خلال الأزمة السياسية والأمنية التي حدثت في مدينة إجوالا المكسيكية في سبتمبر 2014، والتي نجم عنها اختطاف العشرات من الطلاب على أيدي عصابات تهريب المخدرات، لجأت الحكومة المكسيكية إلى التعاقد مع شركة NSO الإسرائيلية لأجل استخدام برنامج "بيغاسوس" في التنصت على التحقيقات التي أُجريت مع المتورطين في الحادث.  

وفي ذات السياق تم استخدام برنامج "بيغاسوس" الإسرائيلي في تعقب هاتف "خواكين غوزمان لويرا" المعروف بـ"ال تشابو"، والذي يعد أكبر تاجر مخدرات في المكسيك، ونجح ذلك في إلقاء القبض عليه عام 2016 وترحيله إلى الولايات المتحدة ليقضي عقوبة السجن.

إدارة الحملات السياسية والانتخابية

ساهمت شركة "بلاك كيوب" الإسرائيلية، التي تأسست عام 2010 والمختصة بجرائم الفساد المالي وتعقبها، في التأثير على الحملات الانتخابية والسياسية في العديد من دول العالم، أبرزها التعاقد مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2018 من أجل شن حملة سياسية ضد معاوني الرئيس الأمريكي الأسبق جو بايدن مثل كولين كاهل، حول احتمالية تلقيهم دعمًا إيرانيًا إبان التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني عام 2015.

وخلال الانتخابات البرلمانية المجرية عام 2018 ساهمت شركة بلاك كيوب في الحصول على مكالمات هاتفية خاصة برجل الأعمال الأمريكي من أصول مجرية جورج سوروس، والذي انتقد فيها سياسات رئيس الوزراء فيكتور أوربان. وتم استغلال تلك المكالمات خلال سياق الانتخابات، مما أدى إلى إنجاح فيكتور أوربان اليميني المتطرف في الانتخابات رغم معاداته للسامية، إلا أنه تربطه برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صلات وثيقة، وهو ما دفع شركة بلاك كيوب إلى مساندته في الحملة الانتخابية.

المخابرات الإسرائيلية - أرشيفية 
المخابرات الإسرائيلية - أرشيفية 

إفريقيا.. المرتع الخصب لشركات الاستخبارات الإسرائيلية

تعد قارة إفريقيا مرتعًا خصبًا لشركات الاستخبارات الإسرائيلية مثل شركة بلاك كيوب، التي نفذت عددًا من العمليات الأمنية والاستخباراتية في جمهورية الكونغو الديمقراطية، فعلى سبيل المثال تعاقدت مع الرئيس الأسبق جوزيف كابيلا (2001 – 2019) من أجل التجسس على معارضيه.

أما الرئيس الحالي للكونغو الديمقراطية "فيليكس تشيسيكيدي" فتعاقد شخصيًا مع شركة أمن إسرائيلية خاصة من أجل حمايته، وذلك وفقًا لموقع "إفريقيا إنتليجنس"» الاستخباري، ويرجح أن تلك الشركة هي شركة "مير" التي تقوم بتدريب قوات النخبة الكونغولية وقوات الحرس الجمهوري.

وختامًا..

 رغم تنوع شركات الاستخبارات الإسرائيلية، إلا أنها جميعًا تخضع لسيطرة أجهزة المخابرات الرسمية وتوجهاتها، إذ تشترط وزارة الدفاع حصول تلك الشركات على إذن رسمي منها، ومراعاة التدقيق في هويات الزبائن، وأهمية عدم تضرر العلاقات الدبلوماسية الإسرائيلية بأنشطة تلك الشركات.

ولعل ما يميز إسرائيل في مجال الاستخبارات هو امتلاك جهاز المخابرات العسكرية "أمان" الوحدة 8200، التي أُنشئت عام 1952 من أجل تعقب الإشارات الإلكترونية، والتي اكتسب أفرادها خبرات عميقة سمحت لهم بعد التقاعد بتأسيس شركات الاستخبارات والعمل بها.

محمد الدابولي*

باحث في السياسات الدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء