"الدفاع الذاتي" في الساحل الإفريقي: بين الإرهاب والجريمة والصراعات القبلية
على أثر انتقال موجة الإرهاب الدولي إلى دول إفريقيا، والتي ساهمت في تقويض أمن المجتمعات المحلية وفاقمت من معضلة تحقيق الأمن والاستقرار فيها، وخاصة إفريقيا جنوب الصحراء، فقد استدعت الحاجة المجتمعية ضرورة التعامل مع الواقع الجديد، إذ باتت التحديات الأمنية في تلك المنطقة لا تقتصر على مكافحة عصابات اللصوصية والإجرامية، أو تخفيض حدة التوترات بين المزارعين والرعاة، بل تطورت لتشمل انتشار الجماعات المسلحة الإرهابية والمجموعات الانفصالية وأنشطة الجريمة المنظمة. وهو ما أدى إلى تبنّي دول الساحل مقاربة تعتمد على مواجهة التهديدات الإرهابية بنهج تكاملي يتضمن مزج جهود التعاون بين القوات الأمنية والعسكرية والمجتمعات المحلية عبر الاعتماد على ميليشيات ومجموعات محلية قامت بالأساس لدرء المخاطر الأمنية وتوفير الحماية.
يناقش التحليل دور الحراس المحليين في عمليات مكافحة الإرهاب، وذلك على النحو الآتي:
أولًا: ماهية مجموعات الدفاع الذاتي؟
تُعرَّف "قوات الدفاع الذاتي" بأنها "مواطنون ينظمون أنفسهم في مجموعات لتنفيذ القانون بأيديهم من أجل توبيخ المجرمين"، أو أنهم تجمعات تضم المواطنين معاً من أجل توفير الحماية الذاتية في ظل ظروف الاضطرابات الأمنية غير المستقرة.

وتنشأ ميليشيات الدفاع الذاتي لأسباب عديدة، إلا أن جلّها وأبرزها هو الضعف أو الهشاشة الأمنية التي تصيب دولة ما، وما يتبعه من معاناة السكان المحليين من تردي الحالة الأمنية، وما يمكن أن يصاحب ذلك من تعرضهم لخطر العصابات المسلحة أو السطو واللصوصية أو عنف الجماعات الإرهابية، فضلاً عن مخاطر عدم الاستقرار والعنف القائم بين المجموعات المختلفة، خاصة في الدول والمجتمعات التي تتميز بالتنوع الثقافي والديني والاجتماعي.
وعند هذه النقطة الفاصلة، يرى الفرد أو المجموعة أو القبيلة الوقت مناسبًا لتنظيم أنفسهم والقيام بالمهام التي يصعب على الدولة القيام بها أو حتى معاونتها للقيام بالمهام الموكلة إليها.

ثانيًا: الأدوار العملياتية لمجموعات الدفاع الذاتي في مكافحة الإرهاب
وبشكل عام، فإن الاعتماد على "قوات الدفاع الذاتي" المحلية لأي مجتمع ينطوي على تحقيق عدة ميزات، منها:
إشراك المجتمعات نفسها في حل مشكلاتها وبالتالي إيجاد حلول دائمة أو شبه دائمة لتلك التحديات والمشاكل، إعادة توزيع السلطة للمجتمعات أو المجموعات التي تعاني أساسًا من التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي وهي الظاهرة المنتشرة في إفريقيا، إكساب المجتمعات المحلية والأفراد مهارات حياتية وبناء القدرات عبر التدريب الفعلي، تسهيل الحصول على الموارد الاقتصادية لتلك المناطق، إكساب القوات الأمنية والعسكرية مهارة وخبرة في التعرف على تضاريس وطبيعة المناطق والمجتمعات المستهدفة، وتوفير بيانات ومعلومات استخباراتية يمكن أن تكون بمثابة آلية للإنذار المبكر.

وفعليًا، تنوعت الأنشطة التي اضطلعت بها "قوة المهام المشتركة" أثناء عمليات مكافحة الإرهاب ضمن أنشطة جمع المعلومات مثل إجراء الفحوصات الأمنية، والعمل كمخبرين للأمن، والكشف عن عملاء بوكو حرام ومخابئ التنظيم لصالح قوات الأمن، والقتال جنباً إلى جنب مع الجيش، والقيام بمهام لإنقاذ الأسرى لدى بوكو حرام وغيرهم.
ثالثًا: معضلة ميليشيات الدفاع الذاتي
على الرغم من الميزات التي توفرها "ميليشيات الدفاع الذاتي"، فإن الممارسة الفعلية قد أثبتت وجود بعض الإشكاليات المصاحبة لطبيعة عملها ووجودها، سواء كانت تلك التحديات ثقافية أو سياسية أو أمنية.
وقد أسهم في وجود هذه التحديات عدة أمور؛ أولها الطبيعة الإثنية والقبلية التي اعتمدت عليها هذه المجموعات في تكوينها، إذ سبق الإشارة إلى أنها رد فعل طبيعي من المجتمعات المحلية التي تحاول توفير الحماية للمجموعة أو لأعضاء المجتمع المحلي.
وقد شجع هذا النهج زيادة المناوشات والتوترات بين المجتمعات المحلية المتنوعة داخل هيكل الدولة الواحدة، بل إنه في سبيل تأكيد سطوتها مارست العنف ضد الإثنيات والمجموعات الأخرى سواء كانت تمثل تهديداً فعلياً أم لا.

فعلى سبيل المثال، في بوركينا فاسو تورطت ميليشيات "الدفاع عن الأرض" في ارتكاب 89% من عمليات التعذيب والاعتقال والاغتصاب والاعتقال العشوائي ضد أفراد إثنية "الفولاني" التي تشكل أقلية.
والنهج ذاته اتُّبع في النيجر التي عانت فيها إثنية "الفولاني" من أعمال ميليشيات "الدفاع عن الأرض" بسبب اعتبار هذه الميليشيات أن كل قبائل الفولاني تعتبر إرهابية، وهو اعتقاد خاطئ بالأساس، إذ إن بعضاً من أفراد الفولاني متورطون في تنظيمات إرهابية أو عصابات مسلحة، بينما يرفض البعض الآخر هذا النهج، وذلك رغم التهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي عانت منه هذه الإثنية في دول الساحل.
كما تورطت بعض "ميليشيات الدفاع الذاتي" في الصراعات مع الجماعات الأخرى بسبب السيطرة على الموارد المحلية.

أما فيما يخص إشكاليات "مجموعات الدفاع الذاتي أو "الحراس المحليين"، فهي تتعلق بانحراف دورها خلال عمليات مكافحة الإرهاب، فعلى سبيل المثال أفادت تقارير دولية بأن قوة "المهام المشتركة المدنية" (Civilian Joint Task Forces) في مدينة بورنو شمال شرق نيجيريا – مركز تمرد بوكو حرام – شارك أعضاؤها في المضايقات والابتزاز وممارسات الاختطاف ونهب ممتلكات المدنيين، كما تورطت مجموعات منهم في إقامة علاقات غير شرعية مع الفتيات الصغيرات، مما زاد من احتمالات انتشار فيروس نقص المناعة البشرية (الإيدز) في الولاية وخارجها، وامتدت تلك الممارسات إلى مخيمات اللاجئين والمعتقلين في مدينة بورنو.

ختامًا:
يمكن القول إن المهام التي يمكن أن تقدمها "قوات الدفاع الذاتي" تكون بالأساس حول القيام بما يشبه آلية الإنذار المبكر وجمع المعلومات الاستخباراتية، والمساعدة في تعقب واعتقال الإرهابيين، وتوفير الحماية وضبط النظام في المجتمعات المحلية.
لكن هناك تحديات عدة في تبنّي هذه المقاربة، تتعلق بالعلاقات بين الدولة وهذه المجموعات، ومستقبل هذه المجموعات بعد استتباب الأمور وانتهاء الصراع، وتحديات تتعلق بنزع السلاح وتورطها في القيام بأنشطة إجرامية، ورفضها إعادة الإدماج والاستيعاب ضمن قوات الجيش والشرطة.
وبالطبع، فإن ذلك يحتاج إلى كثير من الجهد والتفاوض والمرونة للحد من اتباع أي نهج قد يفضي إلى تفاقم التوترات ونشوب الصراع.



