رئيس مجلس الإدارة
منذر الخلالي
رئيس التحرير
أحمد رفعت

مخاوف المسار العسكري: مجموعة السبع تحرّك الجمود النووي بدعوة جديدة لطهران

وزراء خارجية مجموعة
وزراء خارجية مجموعة الدول السبع

في محاولة لتحريك الجمود بشأن الملف النووي الإيراني، أصدر وزراء خارجية دول مجموعة السبع (G7) - والتي تشمل فرنسا وألمانيا وإيطاليا وكندا والولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا - بيانًا مشتركًا يدعو إيران للعودة إلى مسار التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة الأمريكية وتأكيد الالتزام التام بمعاهدة حظر الانتشار النووي وقرارات مجلس الأمن الدولي.

وجاء في البيان الذي أصدرته المجموعة: "حثثنا إيران على التنفيذ الكامل لالتزاماتها بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي ومعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية، ويجب على إيران استئناف تعاونها الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بما في ذلك تمكينها من تفتيش جميع المنشآت والمواد النووية".

كما تضمن البيان أيضًا: "دعونا إيران إلى الدخول في محادثات مباشرة مع الولايات المتحدة، بدعم من مجموعة الدول الأوروبية الثلاث، ونواصل دعوة جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى الوفاء بالتزاماتها بعد التنفيذ القانوني لآلية "سناب باك".

المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي
المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي

وتأتي هذه الدعوة من جانب مجموعة السبع بعد فشل الجولات الخمس من المفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، والتي جرى بعدها حرب الـ12 يومًا بين إيران وإسرائيل، واستهداف المنشآت النووية الإيرانية "نطنز، فوردو، أصفهان" من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، ما أدى إلى عدم استكمال المفاوضات بعدما أعربت إيران عن عدم الثقة في أي مفاوضات مع الولايات المتحدة.

استعادة الدور الأوروبي وخفض التصعيد

تبحث دول مجموعة السبع عن حلول لخفض التصعيد ومنع التوتر الإقليمي، وهو الدور الذي تحاول المجموعة لعبه منذ حرب الـ12 يومًا، حيث سعت المجموعة إلى التهدئة وإعادة إيران إلى طاولة المفاوضات، لكنها لم تستطع تحقيق ذلك في الوقت الذي رأت فيه إيران استحالة العودة للمفاوضات في الوقت الذي وصفت فيه استهدافها أثناء المفاوضات بـ"الخيانة الدبلوماسية".

وتأتي الدعوة في الوقت الراهن لتحقيق الهدف ذاته في الوقت الذي تتصاعد فيه المخاوف من تجدد الصراع مرة أخرى ما سينعكس على تصاعد التوتر، إضافة إلى محاولة استعادة الدور الدبلوماسي للمجموعة مرة أخرى، حيث يحاول القادة الأوروبيون إعادة فرض أنفسهم في المفاوضات الإيرانية، إذ كانت القوى الأوروبية الثلاث، المملكة المتحدة وفرنسا وألمانيا، حاضرة بشكل دائم في المفاوضات مع إيران، وهو الدور الذي تراجع أثناء المفاوضات الأخيرة بين طهران وواشنطن.

الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان
الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان

منع تحول البرنامج النووي للمسار العسكري

يأتي بيان مجموعة دول السبع في ظل الدوافع الغربية التي تحاول ضمان عدم تحول البرنامج النووي الإيراني نحو المسار العسكري، حيث استخدمت مجموعة "الترويكا" أدوات ضغط مختلفة كان آخرها تفعيل آلية الزناد "سناب باك"، والتي أعادت تفعيل العقوبات الأممية على إيران وزيادة حصار الاقتصاد الإيراني لتحقيق الهدف ذاته.

وتتواصل الضغوط الغربية في الوقت الذي ترى فيه أن إيران تواصل الإخلال بالتزاماتها النووية، ففي رسالة إلى مجلس الأمن الدولي في أغسطس 2025، صرّح وزراء خارجية بريطانيا وفرنسا وألمانيا بأن إيران في حالة "إخلال ملحوظ" بالتزاماتها بموجب الاتفاق.

ترامب ونتنياهو
ترامب ونتنياهو

وحذر الوزراء من خطورة استمرار تخصيب إيران لليورانيوم بما يتجاوز الحد المطلوب للاستخدام المدني، وانعدام الشفافية بشأن مخزونات إيران من اليورانيوم والماء الثقيل، وفقدان الوكالة الدولية للطاقة الذرية، المسؤولة عن التحقق من امتثال إيران، إمكانية الوصول إلى المواقع النووية الإيرانية والمعرفة بها.

تنسيق المواقف مع الولايات المتحدة

تسعى الدول الأوروبية لتنسيق المواقف مع الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك لمنع إيران من استغلال الاختلافات بين الموقفين الأوروبي والأمريكي، وهو أمر استطاعت إيران الاستفادة منه في وقت سابق، بعد انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، إذ كانت إيران تستغل المرونة الأوروبية في الوقت الذي تطبق فيه أمريكا العقوبات القصوى.

النجاح الأوروبي في غلق هذا الباب أمام إيران، ستجد طهران نفسها أمام جبهة تفاوضية واحدة ومطالب محددة، وبالتالي لن تكون هناك مسارات تفاوضية متعددة تستطيع طهران الاستفادة منها، لكنها ستجد نفسها أمام مطالب محددة تتمثل حتى الآن في التعاون الكامل مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنفيذ الكامل لالتزاماتها بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي ومعاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية.

المشروع النووي الإيراني
المشروع النووي الإيراني

غياب المحفزات والرفض الإيراني

لم تبد إيران أي مرونة تجاه بيان دول مجموعة السبع، لكنها وجهت انتقادات حادة للبيان معتبرة أن الموقف الذي أعلنه البيان هو استكمال للانحياز التام إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، خاصة وأن البيان لم يتطرق للعدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، في إشارة إلى حرب الـ12 يومًا واستهداف المنشآت النووية الإيرانية.

المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، اعتبر أيضًا أن مجموعة السبع تدعم تحركات غير قانونية لدول الترويكا الأوروبية "فرنسا وألمانيا وبريطانيا" والولايات المتحدة لاستغلال آلية فض النزاعات المنصوص عليها في الاتفاق النووي لعام ٢٠١٥ لإعادة فرض عقوبات مجلس الأمن المرفوعة.

ويبدو أن الرفض الإيراني جاء نتيجة الشعور بأن البيان يأتي تأكيدًا على المطالب الأمريكية التي تصفها إيران بـ"غير المعقولة"، وعدم تقديم أي محفزات للجانب الإيراني للعودة إلى المسار التفاوضي، وهو ما جعل المتحدث باسم الخارجية الإيرانية يتهم دول السبع بالانحياز، وسط غياب لأي مؤشرات على احتمالية التوافق بسبب غياب المرونة من الجانبين.

المرشد الإيراني مع القيادات العسكرية
المرشد الإيراني مع القيادات العسكرية

ومن المتوقع أن يستمر الموقف الإيراني الرافض لأي دعوات للتفاوض في ظل عدم تقديم محفزات أو مكاسب، خاصة وأن الأطراف الغربية تعلم رغبة إيران الملحة في رفع العقوبات ولو بشكل جزئي كخطوة تجاه الانخراط في مفاوضات جديدة، ولذلك فإنها تحاول التكيف مع ضغوط تمارس عليها للوصول إلى هذه النقطة، خاصة وأن نظام طهران يضع في الحسبان الحسابات الداخلية التي قد تستثمر الخضوع الإيراني للشروط الغربية.

ختامًا:

على الرغم من أن بيان مجموعة السبع يهدف إلى خفض التوتر ومنع التصعيد، إلا أن التماهي الكامل مع المطالب الأمريكية استقبلته إيران باعتباره تحيزًا كاملًا ضدها، وذلك لعدم تقديم البيان نقاطًا إيجابية للجانب الإيراني يمكن البناء عليها للوصول إلى الانخراط في مفاوضات جديدة.

ورغم أن اتباع سياسة "الضغط المنسق" قد يمنع إيران من الاستفادة من التباينات بين المواقف الأوروبية والأمريكية، إلا أنه في الوقت نفسه لم يقدم بدائل لكسر الجمود الحالي، وهو ما يؤشر على الدخول في مرحلة أشد تعقيدًا بسبب عدم منح إيران أية خيارات من جهة، ومن جهة أخرى بسبب تزايد الغموض حول الملف النووي. ولذلك فإن أي انفراجة مستقبلية مرهونة بمقاربات أكثر توازنًا لتحقيق اختراق حقيقي وترميم الثقة بين طهران وواشنطن، ومنح إيران مزايا تستطيع من خلالها مواجهة الداخل وإقناعه بالمسار الدبلوماسي.

محمد شعت*

كاتب وباحث في الشؤون الإقليمية والدولية

تم نسخ الرابط
برنامج في المساء مع قصواء